إسطنبول – «القدس العربي» : أجمع محللون سياسيون أتراك وعرب على أن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة العربية السعودية ستسهم في رفع مستوى التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي بين البلدين، مستبعدين تطور الأمر لتوقيع اتفاقية للتعاون العسكري الإستراتيجي على غرار الاتفاقية التي وقعتها تركيا مع قطر وتنص على إقامة قاعدة عسكرية تركية في قطر، وذلك في تصريحات خاصة لـ»القدس العربي».
ووصل الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، الثلاثاء إلى العاصمة السعودية الرياض، في مستهل زيارة تستمر يومين، يبحث خلالها الزعيم التركي مع الملك سلمان وكبار المسئولين السعوديين العلاقات الثنائية والتعاون السياسي والاقتصادي، بالإضافة إلى التطورات الإقليمية خاصة الأحداث في سوريا واليمن.
واستقبل أردوغان لدى وصوله لمطار الملك خالد الدولي، كلاً من وزير الدولة السعودي الأمير متعب بن عبد العزيز آل سعود، ووزير الخارجية عادل الجبير، ويرافقه في الزيارة التي تأتي تلبية لدعوة العاهل السعودي، عقيلته أمينة أردوغان، ووزير الخارجية، مولود جاويش أوغلو، ووزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، برات ألبيرق، ووزير المالية، ناجي أغبال.
وجرت جولة محادثات بين وفدي البلاد يترأسها زعيما البلدين، كما يلتقي أردوغان، ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز آل سعود، وولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود.
الكاتب والمحلل السياسي التركي محمد زاهد غول، شدد على أن «تركيا والسعودية هم في الوقت الحالي في أمس الحاجة لبعضهم البعض، وأكثر من أي وقت مضى، حيث توجد خيبة أمل تركية وسعودية مشتركة من سياسات الولايات المتحدة في المنطقة لا سيما في سوريا والعراق».
وقال غول في تصريحات خاصة لـ»القدس العربي»: «أمريكا خذلت تركيا ولم يكن لها موقف داعم لوجود القوات التركية في العراق التي تم إرسالها بطلب أمريكي، كما يوجد شعور كبير لدى القيادتين السعودية والتركية أن التدخل الروسي في سوريا يحظى بقبول ورضا أمريكي وزاد هذا الغضب بعد اغتيال زهران علوش قائد جيش الإسلام»، متوقعاً تواصل تنامي العلاقات والتعاون بين البلدين، لكنه استبعد أن يصل هذا التعاون في الوقت الحالي لما وصلت إليه العلاقات بين تركيا وقطر.
وقبل أيام، قال السفير التركي في قطر إن بلاده ستنشئ قاعدة عسكرية في قطر في إطار اتفاقية دفاعية تهدف إلى مساعدة البلدين على مواجهة «الأعداء المشتركين»، وذلك بموجب ما نصت عليه اتفاقية وقعت عام 2014م وصادق عليها البرلمان التركي في يونيو شراكة تركيا مع قطر.
وأوضح السفير التركي أحمد ديميروك أن ثلاثة آلاف جندي من القوات البرية سيتمركزون في القاعدة وهي أول منشأة عسكرية تركية في الشرق الأوسط إلى جانب وحدات جوية وبحرية ومدربين عسكريين وقوات عمليات خاصة، لافتاً إلى أن قطر تبحث أيضا إنشاء قاعدة لها في تركيا.
المحلل السياسي التركي باكير أتاجان استبعد أن توقع تركيا والسعودية اتفاقية للتعاون الاستراتيجي بين البلدين على غرار ما حصل مع قطر، قائلاً: «لن يتم ذلك الآن، الأمور لم تنضج بعد، ستكون هناك اتفاقيات للتعاون السياسي والعسكري والاقتصادي التي ستكون بمثابة مقدمة وتمهيد للتعاون الاستراتيجي لكن الظروف الآن غير مهيأة بعد والعلاقات بين البلدين لم تصل إلى هذا المستوى على الرغم من أنها تطورت كثيراً عن السابق». وأضاف لـ «القدس العربي»: «الملف السوري يتصدر مباحثات الرئيس التركي مع الملك سلمان، وسيتركز البحث عن إمكانية إيجاد صيغ جديدة لدعم المعارضة السورية، كما سيتم التطرق للملفات الهامة الأخرى في الشرق الأوسط كالعراق واليمن».
وكالة الأناضول التركية الرسمية قالت إن «الزيارة تأتي في إطار تبادل وجهات النظر حول سلسلة من الأحداث والمتغيرات الجيوسياسية السريعة التي تمر بها المنطقة»، موضحةً أنه: «على رأس الملفات التي سيناقشها قادة البلدين، الأحداث في اليمن» حيث تقود السعودية منذ آذار/مارس، تحالفا عربيا ضد المتمردين الحوثيين وحلفائهم، دعما للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.
كما سيتطرق الجانبان، بحسب «الاناضول»، إلى «تطابق رؤية البلدين في حتمية رحيل نظام الرئيس (السوري) بشار الأسد، والتأكيد على الحل السياسي للقضية، مع المحافظة على سيادة ووحدة التراب السوري (…) وتحفظهما على التدخل الروسي المباشر إلى جانب نظام الأسد».
ولفت الكاتب والمحلل السياسي سعيد الحاج إلى أنه لا يتوقع أن تحصل «قفزة كبيرة» في العلاقات التركية السعودية لمستوى ما وصلت إليه العلاقات التركية مع قطر، موضحاً أن «هناك فرق كبير في السياق التاريخي للعلاقات التركية السعودية، عن العلاقات التركية القطرية».
وقال: «السعودية وتركيا بينهما خلاف تاريخي منذ عهد الدولة العثمانية وبينهما تنافس سياسي إقليمي وخلاف في وجهات النظر حول العديد من القضايا في الشرق الأوسط، بينما تركيا وقطر بينهما توافق كبير ووجهات نظر موحدة حول معظم القضايا».
وأضاف: «لم تنضج الأمور بين تركيا والسعودية لهذا المستوى، لن نشهد اتفاقيات للتعاون الاستراتيجي العسكري أو بناء قاعدة عسكرية تركية في السعودية أو العكس، لكن هناك تقارب متزايد بين البلدين ربما يؤسس لتعاون مستقبلي أكبر»، موضحاً أن ملفي الطاقة والثورة السورية سيكونان أبرز ما سيتناوله الزعيمان.
وقال: «سيتم بحث ملف الطاقة حيث تبحث تركيا عن مخارج للغاز الروسي منذ تصاعد الأزمة مع موسكو، وبدائل للنفط الإيراني، كما سيتم بحث الملف السوري المتأزم أكثر منذ التدخل الروسي العسكري واستهداف فصائل المعارضة المدعومة من السعودية وتركيا والتي كان آخرها اغتيال زهران علوش قائد جيش الإسلام المدعوم من البلدين».
وتشهد العلاقات بين أنقرة وموسكو توترا شديدا منذ إسقاط تركيا طائرة حربية روسية كانت تشارك في الغارات الجوية التي بدأت موسكو تنفيذها في سوريا نهاية ايلول/سبتمبر. وفي حين تؤكد موسكو أن هذه الغارات تستهدف «الإرهابيين» فقط، تعتبر المعارضة السورية ودول داعمة لها مثل تركيا والسعودية، أن الغارات تسعى إلى دعم الأسد بمواجهة معارضيه.
وتأتي زيارة اردوغان بعد اقل من أسبوعين على إعلان السعودية تشكيل تحالف عسكري إسلامي من 34 دولة بهدف محاربة «الإرهاب».
وهي المرة الثالثة التي يزور فيها اردوغان السعودية هذه السنة، علما أن الزيارة الأولى في كانون الثاني/يناير كانت للمشاركة في تشييع العاهل الراحل الملك عبدالله بن عبد العزيز، وقد تلتها زيارة مطلع آذار/مارس.
يذكر أن العلاقات بين المملكة العربية السعودية وتركيا، قد مرت عبر عهود طويلة بمراحل تطور عديدة على مدى سنوات مضت (بدأت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1929م) وشهدت توافقا في معظم قضايا المنطقة والعالم.
وتمثل توقيع اتفاقيات عديدة، “منها واحدة للصداقة والتعاون بينهما” أسساً متينة لقواعد هذه العلاقة، ودعمها في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية كافة.
إسماعيل جمال