هذا الصيف غريب جدا، صاخب، تحدث فيه دراما سياسية كبيرة، دراما قد يكون لها تأثير كبير في حياتنا، لكنها تشغل فقط من يهتمون بالامر، مجموعة من الموظفين، رجال الجيش، سياسيين وصحافيين. الدبلوماسيون يرسلون البرقيات إلى عواصمهم ويعترفون فيها أنه ليس لهم تفسير لما يحدث. «كل يوم أستيقظ مع شعور أنه لن يكون أصعب من ذلك»، قال أحد الاشخاص الذين يتابعون الأزمة من قريب. «كل يوم أفاجأ من جديد».
الاتفاق النووي مع إيران أثار مخاوف كبيرة في إسرائيل. والعالم كله يفهم ذلك. والسؤال هو كيف ستواجه إسرائيل هذه المخاوف. ما الذي تريد تحقيقه في الحرب التي تديرها ضد نظام اوباما؛ ما هي خطتها في حال وافق الكونغرس على الفيتو الرئاسي وتمت المصادقة على الاتفاق؛ ما هي خطة إسرائيل في حال هزمت الاغلبية في الكونغرس الرئيس واضطرت أمريكا إلى الانسحاب من الاتفاق؛ هل هناك أحد ما في القدس وفي تل ابيب، يقوم بعمل حساب للتكلفة والفائدة، هل يفكر أحد باليوم التالي.
الادارة الأمريكية تتابع من واشنطن ما يحدث هنا وتثير انطباعها النقاط التالية:
في هذه النقطة من الازمة لا يوجد لإسرائيل مجلس وزاري مصغر، لا توجد لها حكومة، لا يوجد لها جهاز أمن، لا توجد لها كنيست، لا توجد لها وسائل إعلام حرة. كل شيء يتم حسب رغبة شخص واحد هو بنيامين نتنياهو. أوجد الجيش استشارة حول الاتفاق ومغزاه. وهذه الاستشارة كانت متوازنة ـ تحلل مساويء الاتفاق وفوائده. لم يقم أحد بتأخير صعود الاستشارة إلى فوق ـ وزراء المجلس الوزاري المصغر يعرفون عنها. ويعرفون ايضا ما الذي يعتقده رئيس الاستخبارات العسكرية وما الذي يفكر فيه رئيس الاركان، إن كان هناك فرق بين استنتاجاتهم وبين استنتاجات رئيس الحكومة. لم يحدث نقاش حقيقي في المجلس الوزاري المصغر حول اليوم التالي لقرار الكونغرس الأمريكي.
إسرائيل مستعدة لاستثمار الكثير من اجل اعادة الخيار العسكري إلى الصورة. وزير الدفاع يعلون هدد في الاسبوع الماضي في وسائل الإعلام بأن إسرائيل ستعود إلى التصفيات المركزة لعلماء الذرة الإيرانيين. كان هذا غريبا، لأن إسرائيل لم تهدد في السابق بشكل علني في وسائل الإعلام ـ وحسب مصادر اجنبية فقد قامت بالتصفيات سرا. لم يكن هذا التصريح موجها لطهران بل لواشنطن. وكانت هناك اجراءات اخرى أكثر ملموسية. مهم لإسرائيل خلق الانطباع في واشنطن بأن الموافقة على الاتفاق في الكونغرس ستولد الحرب.
بخلاف دول الخليج، التي تعارض الاتفاق، وفي المقابل تتفاوض مع الادارة حول أمنها في اليوم التالي، فان الاجهزة في إسرائيل وبأمر من نتنياهو توقفت عن التعاون مع الادارة الأمريكية. كان يفترض أن تبدأ في لوزان المحادثات حول التفاهمات بين الدولتين. وهي اطار من المفروض أن يمتد لعشر سنوات ويحدد المباديء المتعلقة بالمساعدات الامنية. ومن المهم لجهاز الامن الإسرائيلي معرفة ما هو متوقع. رغم أنه لا توجد محادثات ولا توجد اتصالات حول التعويض الذي ستحصل عليه إسرائيل بسبب الاتفاق مع إيران وبسبب الامتيازات الامنية الجديدة لدول الخليج.
الادارة الأمريكية تقتنع أنها توجد في جبهة واحدة مع إسرائيل في مواجهة الإرهاب الإسلامي، ويشمل ذلك المساعدة التي تقدمها إيران لحزب الله وحماس، والادارة مستعدة لتعميق التعاون. وإسرائيل لا توافق على نقاش هذه المواضيع في المستوى السياسي. عندما سافر وزير الخارجية الأمريكية كيري إلى دول الخليج مؤخرا للتباحث في اليوم التالي، تجاوز إسرائيل. في السابق كان تجاهل إسرائيل يثير الغضب، ولكن في هذه المرة قال نتنياهو: «حقا، ليست هناك حاجة لأن يأتي».
الصراع في الكونغرس الأمريكي مهم بالنسبة لنتنياهو لدرجة أنه مستعد لخلق الانقسام في الجالية اليهودية وتحويل «الايباك» إلى لوبي أحادي الحزبية. اعضاء ديمقراطيون في الكونغرس يتمزقون بين ولاءهم للرئيس وحزبهم وبين خشيتهم من ضياع الناخبين والمتبرعين اليهود. كل الديمقراطيين الذين أعلنوا حتى الآن أنهم سيصوتون ضد الاتفاق، هم من اليهود: تشاك شومر، آليوت انجل، نيتا لوي ـ من نيويورك، ويهود من ولايات اخرى يترددون بين الخشية من اتهامهم بازدواجية الولاء، أولا لإسرائيل وبعد ذلك للولايات المتحدة، وبين ادعاء الناخبين اليهود بأنهم يضحون بإسرائيل من اجل مصالحهم الشخصية.
نتنياهو نجح في اقناع عدد كبير من اليهود بأن الاتفاق كارثة. كيف صمتنا وتركنا الادارة الأمريكية تغض الطرف عن معسكرات الابادة، هذه الاسئلة عادت وظهرت. تصريحات خامنئي وصرخات الجمهور الكبير في طهران تعزز هذا الشعور، والتسليم من اوباما وكيري لهذه التصريحات يعزز الشعور بالخيانة.
سفير إسرائيل في واشنطن، رون ديرمر، يتنقل حسب الوصف الأمريكي من غرفة إلى غرفة في الكونغرس، ومن مكتب إلى مكتب، في محاولة لاقناع اعضاء الكونغرس معارضة الرئيس. فحسب رأيهم هذا تدخل في الشؤون الداخلية لدولة اخرى، وادخال لليد في جيب الحليف. يمكننا تخيل ماذا كانوا سيقولون هنا لو أن السفير الأمريكي يقوم بتحريض اعضاء في حركة الليكود على التصويت ضد نتنياهو. كانت الادارة الأمريكية ستستصعب تجاوز هذا التصرف بعد مرور الازمة؛ واوباما لن يغفر.
الصراع هو على 60 نائب ديمقراطي في الكونغرس. وهم النخبة المستهدفة وليس وسائل الإعلام أو الرأي العام الإسرائيلي. اوباما سيفعل كل شيء من اجل اقناعهم. خطابه في «أمريكان يونايتد» الذي خُصص في معظمه للجدال مع نتنياهو اثار الاستغراب. كل رئيس حكومة في العالم من بلغاريا وحتى الهند سأل نفسه لماذا حظي رئيس حكومة إسرائيل بهذا التقدم، لكن اوباما اهتم فقط بصدى خطابه في الكونغرس.
في نهاية المطاف نتنياهو سيخسر: لن تكون اصوات كافية للتغلب على الفيتو. لكنه يستطيع تسجيل انتصار اخلاقي. بعد التصويت الاول سيُقال: الشعب الأمريكي قال كلمته، اغلبية الشعب ضد الاتفاق مع إيران. وهو يستطيع ادعاء الانتصار في هذا السياق، لكن الاتفاق سيوقع. واذا أخلت به إيران سيقول «أنا أول من حذر»، واذا التزمت به فسيقول «هذا بفضل موقفي». نتنياهو قد يربح أما إسرائيل فستخسر.
مواطن قلق
في ايلول/سبتمبر 2002 قرر رئيس الحكومة السابق، المواطن القلق بنيامين نتنياهو، انقاذ العالم من عدو لا مثيل له. وقد اختار المنصة المناسبة: الكونغرس الأمريكي. شهادته أمام اللجنة الثانوية في مجلس النواب، وثقت ونشرت في الانترنت، مدتها 43 دقيقة، وجزء منها 5 دقائق. أقترح مشاهدة الفيلم في «غوغل»، والنتيجة ستبرر الجهد.
تردد اعضاء الكونغرس في حينه بين تأييد الدخول الأمريكي إلى العراق أو معارضته.
وكان الموضوع النووي في لب الجدل: هل عراق صدام حسين يطور سلاح الابادة الشاملة. نتنياهو أراد أن يضع ثقله وثقل الدولة في حملة الجمهوريين المؤيدة للحرب.
تحدث نتنياهو في الجلسة، في حين كان من ورائه المواطن القلق رون ديرمر، الآن هو سفير إسرائيل في واشنطن. المشاهد الفضولي سيتوقف لحظة أمام المظهر الخارجي لنتنياهو، في حينه والآن ايضا يتبين أن مظهره قد تحسن على مدى السنين، فقد أصبح جلده أكثر سماكة، وثقته بالنفس ازدادت، وعودته إلى الحكم كانت في صالحه. وما دون ذلك مفرح أقل. اليكم عدد من الاقتباسات. «لا شك أن صدام حسين يعمل على تطوير السلاح النووي»، قال نتنياهو، «لا شك أنه عندما يملك السلاح النووي فسيستخدمه. وعندما يكون عنده سلاح نووي ـ فسيكون لدى شبكة الإرهاب العالمي سلاح نووي».
رئيس اللجنة، عضو الكونغرس جون تيرني، سأل نتنياهو إذا كان دور للعراق في هجمات 11 ايلول. «السؤال هو»، أجاب نتنياهو، «ليس دور العراق في هجمات 11 ايلول، بل هو كيف نمنع 11 ايلول القادم».
الدخول إلى العراق، كما قال نتنياهو، أنقذ العالم ليس فقط من العراق، بل أنقذه من إيران. والسؤال العملي كما قال هو «كيف يمكن تحقيق تغيير النظام في إيران. فإيران لديها ما ليس لدى العراق: في إيران جهات داخلية تعارض النظام، المجتمع العراقي الأكثر انغلاقا في المنطقة والمجتمع الإيراني هو الاكثر انفتاحا.
«اذا قضيتم على صدام ونظامه فأنا أضمن لكم أن هذا سيكون له صدى ايجابي في كل المنطقة. الشباب في إيران سيقولون: لقد انتهى عصر هذه الانظمة والانظمة القمعية ستختفي.
«في 1986 قمت بتأليف كتاب عن الحرب ضد الإرهاب. وأشرت فيه إلى أن طريقة معالجة النظام الإرهابي هي استخدام القوة بسرعة كبيرة. وقالوا لنا إنه إذا دخلت الولايات المتحدة إلى افغانستان فسيدخل الكثير من المخربين الغاضبين بسبب الدخول الأمريكي، وستحدث ثورة مضادة. وما حدث هو العكس.
«استخدام القوة هو المبدأ الاساسي في تحقيق الانتصار على الإرهاب: الانتصار، الانتصار، الانتصار. الانتصار في افغانستان سيضمن الانتصار في العراق؛ والانتصار في العراق سيساعد على الانتصار في إيران».
سننتقل الآن إلى الحقائق كما هي اليوم: لم يكن لدى صدام سلاح نووي، ولم يكن في طريقه اليه؛ لم يكن له أي دور في عمليات 11 ايلول ـ إرهابه كان موجه للداخل؛ الحرب التي نشبت في آذار 2003 استمرت تسع سنوات وخلفت وراءها 100 ألف قتيل عراقي و4800 قتيل من قوات التحالف، معظمهم من الأمريكيين؛ الحرب دمرت العراق وحولت جزء منه للإيرانيين، وبدل سقوط نظام آيات الله فقد تقوى، وخففت على إيران في موضوع البرنامج النووي وأدخلت إلى المنطقة الكثير من الإرهابيين مثل داعش والقاعدة؛ الولايات المتحدة لم تنتقل من انتصار إلى انتصار بل من فشل إلى فشل.
هناك الآن القليل من الأمريكيين المستعدين للدفاع عن تلك الحرب. حتى جيف بوش، شقيق الرئيس الذي دخل الحرب، يعترف بحجم الخطأ.
اعتقاد أنه يمكن فرض الديمقراطية في الشرق الاوسط بالقوة العسكرية، وأن القضاء على نظام قمعي سيؤدي إلى القضاء على نظام قمعي آخر، كان أمنية في أحسن الحالات وخدعة تسويقية في اسوأ الحالات. وقد ظهر خطأ ذلك على ارض الواقع.
الجيش الإسرائيلي لم يدفع حكومة بوش للحرب في العراق. بوغي يعلون الذي كان رئيس هيئة الاركان في حينه، قال لي إن الجيش الإسرائيلي لا يدفع باتجاه الحرب وهو لا يريدها. لكن خطابات نتنياهو وحملة المحافظين الجدد الذين يؤيدون إسرائيل الذين في معظمهم من اليهود، خلقت الانطباع أن إسرائيل تريد الحرب. الآن في ظل محاولات نتنياهو اقناع الكونغرس بافشال الاتفاق مع إيران، فان خطابه في ذلك الحين يرتد اليه مثل السهم.
وزير الخارجية الأمريكية كيري ذكر خطاب نتنياهو عن العراق مرة واحدة. فهو لا يستطيع الاستخفاف بنتنياهو لأنه مع زملائه من اليمين واليسار أيدوا الحرب، والمسؤولية عن الكارثة هي مسؤوليتهم وليس مسؤولية الشاهد المختص من إسرائيل.
التقديرات السياسية ليست علما دقيقا، وكذلك التقديرات العسكرية.
لا يمكن رفض تقديرات نتنياهو عن إيران فقط بسبب خطأه أو خطأ تقديراته فيما يتعلق بالعراق. ولكن يمكن التساؤل عن هذا اليقين الذي لا مجال فيه للشك. القليل من التواضع لن يضر بنتنياهو، لا في حينه ولا في هذه الاثناء. وفي المقابل يمكن تقدير نتنياهو على أنه رئيس حكومة لم يطبق أي اقتراح من الاقتراحات التي منحها بسخاء للأمريكيين. لم يبادر إلى الحرب ولم يسارع للقصف. لقد اقترح على الأمريكيين احتلال العراق: في إسرائيل هو يحذر من احتلال غزة؛ كان هدفه وما زال التوصل إلى التهدئة مع حماس وحزب الله؛ الردع؛ البناء سراً؛ التعايش مع الإرهاب وعدم القضاء عليه؛ إنه يُبيد في بيوت الآخرين فقط.
جد أحمد
تم دفن سعد دوابشة في يوم السبت في قريته دوما. وبعد انتهاء الجنازة طلب حماه حسين دوابشة الذهاب إلى مستشفى شيبا حيث تعالج ابنته وحفيده. منذ الليلة التي تم احراق البيت فيها وهو يتجول بين المستشفيات. ولم ينم ليلة واحدة في القرية، فهو لا يستطيع.
موشيه رافا، مُشغله في السابق، قام بنقله في سيارته. وعلى حاجز قلندية في شمال القدس طلب منهما الجندي التوقف. وقد قال لرافا أنت تستطيع العبور، أما أنت فلا. رافا توجه إلى الضابط، فقال له أنا أتفهم، لكنني آسف، فليست عندي الصلاحية.
المفاوضات استمرت 15 ـ 20 دقيقة. «اعتقد أن هذا الامر كان سيُحل أخيرا»، قال لي رافا فيما بعد. «الجميع أرادوا المساعدة. وعندما واجهت صعوبة اتصلت مع روني نوما على هاتفه الخاص. وخلال خمس دقائق تم فتح الحاجز».
روني نوما هو قائد المنطقة الوسطى وصديق مقرب من عائلة رافا. العالم صغير. نحن نكثر من الشكوى بسبب استغلال العلاقات الشخصية والامتيازات واختصار الاجراءات وغض النظر. هذا صحيح، ولكن احيانا يبدو لي أنه بدون هذه المرونة، وبدون الاستعداد للشذوذ بين فينة واخرى عن الاجراءات الجافة، وبدون الصمغ العشائري ـ نعرف بعضنا في الحي، وفي الجيش، وفي العائلة الموسعة وفي التعليم ـ لولا هذا كله كنا سنتحول إلى سدوم.
موشيه رافا (69 سنة) من قرية ناطر في السامرة، وهو صاحب شركة مقاولات للبناء. حسين دوابشة عمل عنده مدة 15 سنة في الموشاف وفي نتانيا وفي شيبا. ايضا أشقاء دوابشة عملوا لديه، إلى أن جاءت اتفاقات اوسلو والانتفاضة وجدار الفصل.
كان لصديقي كرم
جلود هي قرية صغيرة يعيش فيها 600 شخص، توجد على تل يطل على غور شيلا، محطة اولى في الطريق اليها هي مغدليم، وهي مستوطنة قديمة. في هذا المقطع الشارع واسع ومعتنى به. في السياق يعبر الشارع قُصرى وهي مدينة فلسطينية تحيط بها البؤر الاستيطانية. الإعلام الفلسطينية موجودة على اعمدة الكهرباء وعلى اسطح المنازل وكأن كل يوم من حياة المنطقة هو يوم استقلال. الاحتلال ضيق ومشوش ويتلوى بين الجدران والبيوت.
في المدخل الجنوبي لقصرى فتح فجأة وبدون تحذير مسبق شارع جديد فاخر، أسود من السواد، شقته السلطة الفلسطينية. هذا الشارع أراد اظهار السيادة أمام البؤرة الاستيطانية ايش كوديش على التل المقابل. طريق ترابية مغلقة تمتد من الشارع إلى البؤرة. سيارة قديمة تقف في المفترق ووجهها باتجاه كرفانات المستوطنين ويجلس فيها شاب، هو عضو في فرقة الطواريء التي أقيمت في قصرى بسبب الاحداث، عمال يبنون قن دجاج كبير، والدجاج مثل المجندات في الحرب على الارض. والقفص محاط بالإعلام الفلسطينية.
ناحوم برنياع
يديعوت 14/8/2015
صحف عبرية