على مذبح الدين!

حجم الخط
0

«ملايين من المخلوقات البريئة يؤخذون إلى المجزرة التي ينفذها الانسان منذ 1500 سنة. مخلوقات لا قوة لها تدفع كل سنة حياتها. تُقطع رؤوسها وتسيل دماءها بدون ذنب، ثمنا لهذا الكابوس المقدس». هكذا وصفت الكاتبة المصرية فاطمة ناعوت طقوس ذبح الخراف في الأعياد الإسلامية الكبيرة، عيد الفطر وعيد الاضحى.
ناعوت هي مهندسة في مهنتها وعضوة في نقابة المهندسين المصريين. لكنها اشتهرت بسبب كتاباتها في الصحف، وبشكل خاص في الفيس بوك حيث ظهرت هناك قبل عام وانتقدت التقليد الديني المذكور أعلاه.
ليس واضحا لماذا قرر المحامي محمد عفيفي أن يتابع صفحة ناعوت في الفيس بوك. لكن النتيجة كانت دعوى قدمها العفيفي واثنان من زملائه للمحكمة الشرعية في القاهرة بادعاء أن ناعوت قد أخلت بالقانون الذي يمنع الحاق الضرر واهانة الاديان. فحسب المادة 98 من القانون الجنائي، كل من يُهين ديانات اخرى أو يلحق الضرر بها أو يمنع المؤمنين من اجراء طقوسهم الدينية أو ينشر مواقف دينية متطرفة، فان حكمه ربما يصل إلى خمس سنوات سجن مع دفع غرامة مالية.
المحكمة لم تستطع تجاهل القضية. لكنها لم توفر الاهانات على المدعين، وكذلك التضييق والاعتقال المؤقت. ويبدو أن هذا بسبب الاشتباه أنهم ينتمون إلى الاخوان المسلمين وأن هدف الدعوى احراج النظام وتصويره على أنه لا يهتم بمعاقبة من يلحق الأذى بالدين.
ليست هذه هي المرة الاولى التي يستخدم فيها نشطاء الاخوان المسلمون الجهاز القضائي من اجل اظهار اهمال النظام وتسامحه فيما يتعلق بالحفاظ على الإسلام في مصر. ولكن في الفترة التي يلاحق فيها النظام الاخوان المسلمين، فان حساسية الرئيس عبد الفتاح السيسي تجاه اتهامه بأنه «لا يهتم بالدين»، عالية جدا.
لقد قبلت المحكمة الدعوى. وفي نهاية كانون الثاني حكمت على ناعوت بالسجن ثلاث سنوات ودفع غرامة تبلغ 20 ألف جنيه مصري. لكن ناعوت لم تصمت. «أنا أشكر المحكمة على قرارها»، كتبت، «وأشكر ايضا اولئك الذين يقدمون ضدنا دعاوى تتهمنا بالاستخفاف بالدين، في الوقت الذي هم أنفسهم لا يعرفون فيه كتابة اسم الله».
تنضم ناعوت إلى قائمة طويلة من المثقفين والكتاب والنشطاء مثل فرج فوده، رجل الدين الذي قتل عام 1992 على أيدي نشطاء متدينين متطرفين. والمخرجة ايناس الدغيدي التي تم التحقيق معها في العام الماضي بعد أن طالبت بمنع ارتداء البرقع وقالت باستهزاء إنها تتحدث مع الله. وناصر حامد أبو زيد، الباحث في الدين الذي تم تكفيره عام 1995 بسبب التفسير العصري الذي اقترحه للقرآن. كل هؤلاء تمت محاكمتهم حسب قانون الحاق الضرر بالدين. هذا البند الذي وضعه الرئيس أنور السادات، وُجه في الاساس ضد الاخوان المسلمين الذين استغلوا المنصة الدينية من اجل التحريض ضد المسيحيين في مصر.
ناعوت أُدينت في الوقت الذي يطالب فيه السيسي من البرلمان ومن الازهر بتشكيل الحوار الديني في مصر بشكل يمنع التفسير المتطرف، ويقترح طرق تعاون بين الديانات وضمان التعليم الديني المعتدل في المدارس.
قبل عام احتفل السيسي بما سمي «الثورة الدينية» التي تهدف إلى ابعاد أفكار الاخوان المسلمين والتيارات الراديكالية عن الحوار الديني. بقيت الثورة ميتة، باستثناء مؤتمرين قام بهما الازهر، ولم ينشر محتواهما. لا يمكن الحديث عن تغيير حقيقي في برامج التعليم أو الخطب في المساجد. «لا يستطيع الازهر أن يدافع عن أولادنا في وجه التطرف»، قال الصحافي خالد صلاح في الاسبوع الماضي. وفي المؤسسة الدينية ينشط باحثون ومحللون وهم يعتبرون أن الدعوة إلى تجديد الحوار الديني محاولة من قبل النظام لفرض سياسته في موضوع الدين.
السيسي نفسه عقد لقاءً مع المثقفين وفقهاء الدين من اجل مناقشة الحوار الديني معهم. وكانت فاطمة ناعوت من بين المشاركين. لكن اللقاء لم يُحدث التحول الذي سعى اليه الرئيس. الخشية هي من أن المبادرة لتجديد الحوار الديني من شأنها وضع معايير لتقييد حرية التعبير. من الذي يقرر كيف يتم الحاق الضرر بالدين؟ أي اقوال يمكن اعتبارها شرعية وأيها لا؟ من من بين فقهاء الدين يُقدم للمحكمة الاستشارة حول كيفية التعامل مع الاقوال المضرة بالدين؟.
هذا جزء من التساؤلات التي يطرحها المثقفون المصريون على ضوء ما يبدو وكأنه خط آخر تبناه النظام المصري، ليس فقط ضد المتطرفين المتدينين، بل ايضا ضد الليبراليين. وقد عبر الصحافي ابراهيم عيسى عن خيبة أمل الليبراليين العلمانيين حينما سأل «كيف يمكن السماح لكل انسان تقديم دعوى ضد شخص آخر متهما إياه بالكفر، في الوقت الذي يقام فيه في مصر معرض الكتاب الاكبر في المنطقة؟». التحضر والدين، حسب عيسى، لا يمكن أن يعيشا معا. ولكن من الذي سيعرف ما هو التحضر؟.

هآرتس 16/2/2016

تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية