على هامش الأزمات التي تعصف باليونان : اقتصاد بلاد الإغريق وظلاله الثقافية… ما أَشْبه الليلة بالبارحة!

غرناطة ـ «القدس العربي»: بالأمس البعيد.. كانت اليونان مشتل الفلسفة، وبوتقة الحِكمة، ومَنبت الأدب، وحديقة الشعر، وخشبة المسرح في العالم القديم، بلد أساطين الفلسفة، وصناديدها وأجدادها الأوّلين سقراط، (أبو الفلسفة) وأرسطوطاليس، وأفلاطون، وجهابذة التراجيديا والكوميديا من مأساة وملهاة، ودراما إغريقية الذين طبّقت شهرتهم الآفاق، أمثال إسخيلوس، ويوربيديس، وسوفوكليس، وأنيكزوفانيس، مرتع هوميروس صاحب الإلياذة والأوديسة، وهيرودوت (أبو التاريخ القديم)، بلد الأساطير وآلهة اليونان الذين ملأوا الدنيا بشهرتهم، وشغلوا الناس بعطاءاتهم، بلد الإبداع والرّقص والموسيقى والغناء، والأزياء الزّاهية المزركشة، والأقنعة المُبهرة والمُحيّرة، والقصص الخيالية والحكايات التي يشطّ ويحلّق بها الخيال المُجنّح الطّليق، وأساطير النرجس والنرجسيّة، وأتلانتا الجزيرة الضائعة في غياهب بحار الظلمات النائية، والمحيطات الزاخرة التي لا أفق لها، بلد الحِكَم المشهورة والأمثال السّائرة، موطن زوربا اليوناني، وموسيقى البوزوكيا الآسرة، والشِّعر والفِكروالغموض والفضول والترقّب والمجهول.

مهد الحضارة الأوروبيّة

هذه الثقافة الأصيلة التي وضعت الحَجر الأساس للحضارة الغربية، وشكّلت وبلورت مختلف الثقافات في جميع أصقاع وسط أوروبّا، وجنوب غرب آسيا، وشمال أفريقيا خلال العصرالذي يُعرف بالعصر الهلنستي. لقد كان للثقافة اليونانية تأثير قويّ على الإمبراطورية الرّومانية، التي حملت صورتها وإشعاعها إلى مناطق ونواحٍ كثيرة من منطقة البحر الأبيض المتوسط وأوروبّا. كما كان لحضارة الإغريق القديمة تأثير هائل، وأثر بليغ على اللغة والسياسة والنظم التعليمية، والفلسفة، والعلوم، والفنون، والمعمار فأعطت أصالة لتيّار النهضة خلال عصر التنوير والأنوار في القرنين السادس عشر، والسّابع عشر في أوروبّا الغربية، واستعادة النشاط مرّة أخرى خلال العديد من الحركات النهضوية الكلاسيكية الحديثة في القرنين الثامن عشر، والتاسع عشر في القارة العتيقة والأمريكتين…ووو واليوم نتساءل.. كيف سادت هذه الحضارة وتألقت، ثمّ ضعفت ووهنت وزالت… الحضارة الغربية اليوم تعامل اليونان كالابن العاق الذي لا يمتثل للتعليمات التي تُمْلىَ عليه. ويجدر بنا في هذا المقام التذكير أنه بعد القصيدة التي إنتقد فيها الكاتب والشاعر الألماني الرّاحل غونترغراس بشدّة إسرائيل وسياستها الخارجية، التي كانت تحت عنوان: «ما ينبغي قوله» كان قد عاد ونشر في إحدى الصّحف الألمانية الليبرالية قصيدة أخرى تحت عنوان «أوروبّا العار» التي انتقد فيها بشدّة هذه المرّة سياسة الاتحاد الأوروبي، وسياسة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حيال الأزمة المالية التي تحوّلت إلى أزمة اقتصادية واجتماعية، والتي كانت وما تزال تعصف باليونان على وجه الخصوص مهد الحضارة الأوروبية. وفي خضمّ تفاقم هذه الأزمة وتطوّرها، ما فتئت هذه القصيدة تتلى وتروى إلى يومنا هذا المشهود في مختلف المحطّات الإذاعية العمومية داخل بلاده وخارجها. وما انفكّت بعض الصّحف، والمجلاّت الورقية منها والإلكترونية في مختلف أنحاء العالم تعيد نشر هذه القصيدة، في هذه الظروف العصيبة التي تجتازها بلد الإغريق، منها الصّحيفة اليونانية «كاتيميريني» التي لم تتوان هي الأخرى عن نشر القصيدة نفسها في حينها من دون التعليق عليها.

ما أشبهَ الليلة بالبارحة

كان غونتر غراس قد عبّر عن أسفه في هذه القصيدة عن الوضع المُزري الذي أصبحت تتردّى فيه اليونان بسبب ديونها التي أثقلت كاهلها، والسياسة التقشفيّة العصيبة، والإجراءات الإصلاحية الصّارمة التي كانت قد فرضتها عليها أوروبا قسراً وحرمتها من حقوقها الأساسية، وحكمت عليها بالفقر والعوز، والفاقة والخصاص لعدم قدرتها على أن تكون في مستوى السّوق، وعجزها عن مسايرة سياسة الاتحاد الأوروبي، وما أشبه الليلة بالبارحة، إذ ما زالت الحال هي الحال نفسها! كما كان غراس قد عبّر في هذه القصيدة عن إدانته الشديدة للاتحاد الأوروبي. كما عبّر من جهة أخرى عن تفهّمه لغضب الإغريق ومطالبهم. وكان الكاتب الألماني قد اتّهم أوروبا بأنها تسقي اليونان «شرابَ السمّ الناقع» من جديد، في إشارةٍ إلى مصير فيلسوفها العظيم سقراط الذي مات مسموماً، وأنّها تنأى، أو تولي ظهرها للبلد الذي كان يوما مّا هو أرض ومهد ومرتع الحضارة الأوروبية ومناطق واسعة من العالم. وأنذر الكاتب غراس في آخر القصيدة من جوقة لعنة آلهة الأساطير الإغريقية في جبل الأوليمبوس، التي قد تلحق بالأوروبييّن كلّ السّخط واللعنة، والطّيرة، والأذى والغضب. وذكّر الكاتب الألماني أوروبّا أنّها بدون هذا البلد الذي مهّدت روحه وإشراقاته وفكره للكيان الغربي، وللوجدان الأوروبّي المعاصر، فإنّ أوروبّا سوف ينتهي بها المطاف إلى الذبول والاضمحلال.
وأبرز غراس الأهمية القصوى التي تنطوى عليها اليونان التي أصبحت كنوزها اليوم بين أيدي قضاتها، وتزيّن ثرواتها مدنها المتحفية، وذكّر الكاتب بتدخّل الألمان في الأراضي الهيلينية التي اكتسحوا جزرها، وغزوا ثراها المبارك بالسّلاح، وهم يحملون شاعرَهم فردريش هولدرلين في حقائبهم المعلقة والمُثبتة على ظهورهم..!
كان الكاتب غونتر غراس – قبيل رحيله – قد أكّد في قصيدته السابقة أنّه لن يخرس، ولن يسكت، وها قد وفى بوعده وتكلّم، على الرّغم من الاحتجاجات الصّارخة التي أثارتها قصيدته السّابقة حوله، على الرّغم من القدح الذي تعرّض له من طرف خصومه خاصّة من طرف الصّهاينة والمتعاطفين أو المرتمين في أحضان إسرائيل، فضلاً عن الجدل الذي كان قد أثيرحول عضويته في «نادي الكتّاب» في بلاده .

قبل أن يسبق السّيف العذل

ممّا جاء في القصيدة السابقة «ما ينبغي قوله كذلك»: أن لماذا، وقد بلغ من السنّ عتيّا، يدلي بما ينبغي قوله الآن..؟، إنّه فعل ذك كما يقول – قبل فوات الأوان قبل أن يسبق السيف العذلَ ذلك لأنه يرى أن السلام العالمي الهشّ هو معرّض للخطر بالفعل، بسبب القوّة النووية لإسرائيل. كان الكاتب الألماني الراحل قد اتّهم بمعاداة السامية، كما اتّهم بأنه كان في شبابه منتميًا وموالياً للنازية (قوّات إس. إس) منذ أن كان غضّ الإهاب، طريّ العود في السابعة عشرة من عمره، ولا عجب فالتخوّف الذي شعر به غراس، والتوجّس الذي اعتمل بداخله، رّبما كانت له أصوله ودوافعه، وجذوره ومبرّراته، إنّه كان يعتب على بلده التى أصبحت ثالث بلد مصنّع ومصدّر للأسلحة في العالم، والغوّاصات الفتّاكة الألمانية الصّنع التي تدعم بها بلده إسرائيل، سبق لها أن أقدمت على إقتراف كارثة إنسانية مؤسفة في تاريخ ألمانيا ذاتها، بهذا النّوع نفسه من الوسائل الحربية المدمّرة، والالات الفتّاكة، وإن كانت في الماضي أقلَّ فتكا، وأقلّ تطوّرا من التي نتوفّر عليها في الوقت الرّاهن، التي أضحت تفوق كلّ خيال، فلا عجب إذن أن تثور ثائرته، وأن يقول «ما ينبغي قوله». ولنرجع إلى أدبه وإبداعاته الأدبية، وبشكل خاص الى روايته «مشية سرطان البحر» الصادرة عام 2002 التي تلقي الضّوء بشكل أو بآخرعلى جذور هذا الجدل الذي يبدو أنّه لم يخمد أوارُه بعد، وما زال يتفاقم ويكبر وتتّسع دائرته ليشمل أوروبا بكاملها.

سّرطان البحر

يغوص غونتر غراس في هذه الرواية في أعماق تاريخ بلاده ألمانيا، عندما كان الكاتب لمّا يزل في شرخ الشباب وريعانه، حيث يحكي لنا قصة غرق الباخرة «كوستلوف» بعد أن تعرّضت لقصف من طرف غوّاصة سوفييتية عام 1945، ومات نتيجة هذا القصف آلاف المدنيين الذين تتراوح أعدادهم بين ستة آلاف وعشرة آلاف قتيل، نصفهم من الأطفال، وأما عدد الناجين من هذه الكارثة فيتراوح عددهم بين 900 و1239، وينتقل بنا غونتر غراس في روايته إلى عام 1945، ويضعنا أمام بحر مزبد متلاطم الأمواج، تطفو على سطحه آلاف الجثث من ضحايا هذه الباخرة المنكوبة، وكان الكاتب الألماني قد صرّح في إحدى المناسبات خلال تقديمه لهذا الكتاب بالذات، أنه لم يجد بدّاً من وضع أحداث هذه الباخرة في قالب قصصي، مسلطاً الأضواء على ثلاث شخصيات في الرواية، وقال إنه كان يفكّر منذ سنّ مبكّرة في نقل هذه الحادثة التاريخية إلى رواية، التي كان لها أثر بليغ في نفسه، وعلى بلده ألمانيا،، وقد فعل ذلك انطلاقاً من شخصيات كانت لا تزال على قيد الحياة، عايشت هذه المأساة، منها امرأة مسنّة كانت حيّة ترزق، عند كتابته لهذه الرواية، وابنها الذي كان يبلغ خمسين سنة من العمر، وحفيدها الذي أصبح اليوم من اليمينيين المتطرفيين .
وقال إنه اختار عنوان «مشية السرطان» لأنه يزحف أحياناً متقهقرا نحو الوراء، وقد راقبه في العديد من بلدان العالم، كما أنه يزحف بشكل منحرف أو مائل أو مزورّ نحو جهة مّا، إلا أنه مع ذلك مثلما يعود القهقرى، فإنّه يتقدّم إلى الأمام كذلك. وقال إنه من المفارقات الغريبة انّ الغوّاصة التي قصفت هذه السفينة، كانت من صنع ألماني، وكانت ألمانيا قد باعتها للاتحاد السوفييتي قبل ذلك، أيّ أنّ ألمانيا جرّبت مدى قوّة وفتك سلاحها في جلد أبنائها.

السّعادة عُنوةً..!

وكان غراس قد صرّح بأنه لا تهمّه فقط الأحداث الكبرى التي يعرفها العالم، بل تعنيه كذلك الأشياء البسيطة في الحياة، ولهذا فإنه تتبّع بدقة متناهية في هذه الرّواية حياة ثلاث شخصيات أساسية فيها تمثل ثلاثة أجيال متعاقبة، وهم النازي ويلهيلم كوستلوف الذي تحمل الباخرة إسمه، واليهودي ديفيد فرانكفورتر الذي اغتيل في سويسرا، والروسي ألكسندر مارينيسكو الذي عمل على إغراق السفينة، وقصة هذا الأخير تثير كثيراً من الفضول، إذ انتهى به الأمر في مراكز التعذيب التابعة للسجون السوفييتية وقضى حياته محاولاً إقناع الناس بأن يعترفوا له بأنه أبلى البلاء الحسن خلال الحرب، حيث لم يتمّ له ذلك إلا عام 1990 عندما كان قد مات .
وقال غونتر غراس إنه كتب هذه الرواية لينتزع جزءاً من تاريخ ألمانيا من مخالب وقبضة اليمين المتطرف الألماني، الذي عمل أتباعه على إعادة نبش هذه القصة من جديد، إلا انهم أذاعوا بشأنها العديد من الافتراءات والأكاذيب. وأضاف غراس أن غير قليل من مبادرات النازيين بهرت الطبقات الجماهيرية، وخير مثال على ذلك البرنامج الذي كان يعرف تحت شعار «نحو السعادة بالقوة»، حيث عملوا على إشراك العديد من العمّال الكادحين في رحلات بحرية استجمامية منظّمة على متن بواخر صُنعت على طراز «كوستلوف»، حيث لم تكن هناك مظاهر للفوارق الاجتماعية على ظهر هذه المراكب، وكان النازيون سعداء كذلك لأنّ «هتلر» أمكنه توفير ما يزيد على 6 ملايين فرصة شغل للعاطلين.
ولقد سبق للكاتب غونتر غراس أن تعرّض لهذا الحادث المأساوي في كتابيه السابقين «طبل الصفيح» (1959) و»سنوات الكلاب»(1963). وكانت الباخرة المنكوبة تحاول إبعاد آلاف اللاجئين الألمان من بروسيا الشرقية، التي كان بها الروس عن شبح الحرب وأهوالها، و كان بحر البلطيق مسرحاً لهذه المأساة التي ظلّت راسخة في ذهن الكاتب، تراوده في مختلف المناسبات التي يثار فيها الحديث عن الحروب وأهوالها، وأسلحتها المدمّرة.
غونترغراس حاصل على جائزة نوبل العالمية 1999 في الآداب، وعلى جائزة أمير أستورياس الإسبانية في الآداب، في السنة نفسها، بالإضافة إلى العديد من الجوائزالتكريمية المهمة الأخرى داخل بلاده وخارجها. وعن سنّ تناهز 87 عاماً توفّي غونترغراس في مدينة «لوبيك» (شمال ألمانيا) بتاريخ (13 نيسان/ابريل 2015 ). وبرحليه المفاجئ لابدّ أنّ ألمانيا، وأوروبّا، والعالمَ الحرّ أجمع قد فقد فيه روائيّاً كبيراً، وشاعراً مُبدعاً فذّاً، وكاتباً مُلتزماً شجاعاً.

محمّد محمّد الخطّابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية