الرباط ـ «القدس العربي»:تسعى بعض المؤسسات التعليمية المغربية إلى تجاوز وظيفتها الكلاسيكية المتمثلة في التلقين، حيث تتبنى وظيفة إضافية من شأنها أن تحبب للتلاميذ فصول الدراسة من جهة، وأن تساهم في إبراز مواهبهم وتطويرها من جهة ثانية. غير أن هذا التوجه رهين بمدى وجود مشرفين على مثل هذا المشروع المفيد.
الشاعر المغربي أحمد العمراوي واحد ممن يسكنهم الهاجس الثقافي والفني ويحاولون مد الجسور مع الأجيال الصاعدة، إذ أطلق منذ عدة سنوات ورشات للكتابة لفائدة تلاميذ المستوى الثانوي بمدارس الأطلس في الرباط، كبديل مقترح للتعامل مع المعضلة اللغوية لدى التلاميذ، وبذلك ساهم في خلق تجربة للإبداع التلاميذي شعرا وقصة وتأويلا ودراسة ونقدا وتأملا وانطباعا، ووثق لهذه التجربة في كتاب يحمل عنوان: «الكتابة الإبداعية والمتخيل الشعري للتلاميذ»، حيث يشير في المقدمة إلى أن اللغة العربية «ظلت وسيلة لاكتساب المعارف وتكرار الجاهز، لا لإنتاج المعارف وتوظيف مختلف طاقات المتمدرسين. واكتفت بالمستوى التواصلي دون أن تتجاوزه إلا في ما نذر… وتم اعتماد طرق للتدريس تكتفي بتدريس القواعد الجافة التي لا تفتح ذهنا وإنما تركز معطيات، على التلميذ إعادتها في كل امتحان. من هنا، أتى اقتراح هذه المحترفات بديلاً للتعامل مع الإشكالية اللغوية لدى التلاميذ».
اعتمد العمراوي منهجية تقوم على محورين: أولهما ـ كما يقول ـ فصل النَّسْخ عن التعبير، وذلك بجعل التلميذ داخلا في عملية الكتابة نفسها منذ الصغر، أي إنه بشعر بأنه كاتب صغير، ولا تهم أخطاؤه في هذه المرحلة، والتي سيتم التغلب عليها فيما بعد تدريجيا. والمحور الثاني: تعليم اللغة كمهارة لا كقواعد، فالتلميذ غالباً يشمئز من القواعد الجافة إذا دُرست مفصولة عن سياقها، أي أن تدريس القواعد النحوية والبلاغية من أجل القواعد ودون ربطها بالممارسات الكتابية انطلاقا من أخطاء التلاميذ سيجعل التلميذ نافرا من هذه القواعد.
ويزيد العمراوي موضحا: «داخل كل واحد منا يرقد شاعر، وما علينا إلا إيقاظه، وإيقاظ الشاعر لدى الأطفال والتلاميذ يختلف حسب وضعية التلقي ونوع الدراسة وحالة الاستعداد النفسي لدى الصغار والمراهقين. إن ورشات الكتابة هي مجال لإيقاظ الشاعر النائم في كل واحد منا وجعله متحررا يقول أشياءه بكل حرية. إنها طريقة عملية للتحسيس بأهمية التعبير الكتابي كوسيلة هامة للتواصل والتعامل مع الذات أولا، ثم مع الآخرين بعد ذلك. ورشات الكتابة لدى التلاميذ هي مجال لخلق اللذة، وتحقيق رغبات تأتي من القراءة والتشجيع عليها، وهذه عملية جدلية، إذ أن أحسن القرّاء وأكثرهم قراءة هم الذين يكتبون، وكلما أحسن التلميذ الكتابة إلا وأحسن القراءة، والعكس صحيح». الجدير بالإشارة أن الشاعر أحمد العمراوي ضَـمَّـنَ كتابه الثمرات المتمخضة عن محترفات الكتابة التي يشرف عليها، وهي مجموعة من النصوص الأدبية التي أبدعها تلاميذ من مؤسسة «أطلس» التعليمية؛ علاوة على عرض النماذج التطبيقية التي اشتغل عليها أولئك التلاميذ في محترفاتهم.
الطاهر الطويل