على هامش فعاليات مؤتمر الرقابة والمسرح في القاهرة: الأخلاق تصر على قدسية الإنسان والفن يؤكد على أهمية التجربة

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: تحت عنوان «المسرح أسئلة المواصفة ووضعيات الاحتراف في السودان» قدم فضل الله أحمد عبدالله عميد كلية الموسيقى والدراما، جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، ورقته البحثية ضمن فعاليات مؤتمر «الرقابة والمسرح» الذي عقد الأسبوع الماضي في القاهرة، ومن خلال عدة أسئلة يبحث فيها عن المكونات أو المحددات المعيارية في عمليات مقايسات مهن فنون الموسيقى والتمثيل ومواصفاتها الحرفية، مستنداً إلى قانون مجلس المهن الموسيقية والتمثيلية الصادر من قبل رئيس الحكومة السودانية، يؤكد أن معطيات الفنون دائماً تدفع إلى الإشارة على ما هو الجميل أو الجمال وما هو النافع، من هذه الزاوية جاء الرابط بين الفن والأخلاق في تاريخ الإنسانية القديم.
يوضح أن الأخلاق تصر على الارتباط بالخبرات، بينما يصر الفن على الاستقلال الذاتي لكل تجربة خاصة، والإنسان الأخلاقي يتفحص المعطى في علاقته بالافعال الأخرى، بينما الإنسان الجمالي يغرق نفسه في التجربة المباشرة، والأخلاق تصر على عدم انتهاك حرمة الإنسان. أما الفن فيؤكد على قدسية التجربة والأخلاق تؤكد على الجانب الكمي للحياة، بينما يؤكد الفن على الحقيقة الكيفية، والأخلاق تجعل الحياة مستقيمة، بينما يجعلها الفن عاطفية، ومن هنا جاءت الحاجة الإنسانية إلى الفن، كفعل جامع بين المعرفة والمتعة الجمالية.
وعن وضعيات الاعتراف واحتراف الفنون في السودان، يشير إلى أهمية إعادة صياغة تعريف الفنان، وكان ذلك ضمن حلقة فكرية ضمن أيام البقعة المسرحية، وأفضت تلك المناقشات في تعريف الفنان في أحكام تمهيدية «يعد (فناناً) كل شخص طبيعي يمارس نشاطاً فنياً بصفة دائمة أو متقطعة، مقابل دخل فني في إطار (عقد عمل) أو في إطار القيام بعمل فني لبيعه أو تأجيره لصالح الغير أو لإنجازه لصالح إدارة حكومية أو جماعة محلية أو مؤسسة خاصة. يُعد (ناشطاً فنياً) كل نشاط يكون إبداعه فنياً أو عرضه فنياً.
إسماعيل عبد الله الأمين العام للهيئة العربية للمسرح قال، إن الهيئة العربية للمسرح تعد مثالاً حيوياً للتعامل مع مفاهيم الرقابة، ويمكن أن نضعه مثالاً لمستقبل هذه العلاقة مع الرقابة، فالهيئة تقوم بتنظيم مهرجان المسرح العربي، بالإضافة إلى عدة مسابقات في التأليف المسرحي، ويضيف أن الإمارات تعد مثالاً إيجابياً، حيث توجد رقابة على النص المسرحي، لكن هذه الجهة الرقابية وهي وزارة الثقافة تعمل على رقابة النص فنياً، ولم يسجل في الإمارات أن منع نص مسرحي، ولم يسجل على أي جهة رقابية منعها لعمل مسرحي واحد، القوانين الموجودة لا تتجاوز كونها إشارات عامة لأخلاقيات متفق عليها في المجتمع وبنيته ونشأته، بالإضافة إلى أن الرقيب الذي ليست لديه لوائح أو قوانين خاصة بالمسرح هو فنان في الأصل، لذا فهو يطبق رؤاه الفنية، ولو نظرنا للأمر في القوانين الأردنية مثلاً نجد الأمر نفسه بالنسبة للمحظورات، الأردن ألغى إجازة النص والعرض المسرحي من قبل الرقابة، ولكن يسمح للجهات الرسمية والمجتمعية التقدم بشكوى للمحكمة ضد العرض الذي تجد فيه ضرراً أو اساءة.

تجربة نوادي المسرح والرقابة

يؤكد الكاتب والناقد المسرحي المصري أحمد عادل القُضَّابِّي أن عروض نوادي المسرح تخضع للرقابة الإدارية مثلها مثل غيرها من عروض الثقافة الجماهيرية في الأقليم، وقد تتخفف من سيف الرقابة الفنية ظاهريًا، لكنها خاضعة لها دائمًا، ويمكن تقسيم عملية الرقابة على عروض نوادي المسرح إلى مرحلتين، وتخضع كل مرحلة منهما لأشكال وصور مختلفة من الرقابة، المرحلة الأولى هي مرحلة ما قبل العملية الإنتاجية، وتشمل الرقابة الإدارية على النصوص التي تتمثل في ضرورة حصول النص على رقم رقابي للحصول على المخصص الإنتاجي له، ورقابة إجازة النصوص، عروض نوادي المسرح لا تخضع لإدارة النصوص وشروط الإجازة الفنية قبل الإنتاج، لكنها تتعرض كثيرا لشكل مختلف من أشكال الإجازة الفنية التي تمارسها لجان المشاهدة والمناقشة التي بيدها قرار إجازة العرض وقبول تمويله ماليًا من قبل الإدارة العامة للمسرح، وهناك من اللجان من يمارس أدوارًا متشددة في هذه العملية، وهناك من يتخفف في ممارستها، المهم أن الممارسة نفسها موجودة لكن بصور وكيفيات أخرى بعيدًا عن إدارة النصوص بالإدارة العامة للمسرح.
هناك مرحلة أخرى للرقابة ما بعد العملية الإنتاجية، وتشمل التحكيم لتصعيد العروض للمهرجانات الإقليمية، والمهرجان الختامي لنوادي المسرح نوع من أعمال الرقابة الفنية غير المباشرة، بالإضافة إلى الندوات التي تقام عقب انتهاء العرض، حيث يستخدم النقاد أحياناً سلطة المنصة والنقد التقييمي للعروض في تثبيت الاتجاهات الفنية، كما تقوم الندوات أحيانًا بدور رقابي على الاتجاهات الفنية، سواء بالتأييد أو الرفض، حسب التوجهات الفنية للنقاد أو المؤسسة، فتعزز هذه السلطة النقدية بعض الاتجاهات الفنية، وتدحض بعضها، مما قد يجعل خروج العروض عن إطار السائد أمرًا غير مقبول نتيجة لعدم تطور أدوات الناقد أو ضيق أفقه النقدي لتقبل الممارسات المسرحية الحديثة المغايرة لمعارفه وثوابته الفنية. ويضيف القُضَّابِّي أن الجوائز تعزز بعض الاتجاهات الفنية بالتأكيد عبر استحقاقها لها، كما تقوم باستبعاد بعض الاتجاهات الفنية والفكرية الأخرى من مجالها ووضعها على الهامش لمجرد اختلافها، وهو نوع من الرقابة غير المباشرة، ويؤكد أن الشواهد على ملازمة الرقابة بأشكالها وصورها لتجربة نوادي المسرح كثيرة، فلقد صاحبت الريبة والتوجس لحظة تأسيس نوادي المسرح. ويختم أن تجربة نوادي المسرح منحت الفرصة للشباب للقيام بالتغيير والابتكار وفقًا لما يتصورونه، لكنهم بتجاربهم المسرحية كانوا يشتبكون يومًا بعد يوم في جدل مع الفنانين المتكلسين وأنماط الفن السائدة وكليشيهاته الراسخة.

رانيا يوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية