كلنا مدينون بدين هائل لزميلي وصديقي البروفيسور زئيف شتيرنهل على المقال الذي نشره هنا قبل اسبوع «الثورة الثقافية هي مجرد البداية» ويبين شتيرنهل ـ من كبار باحثي الفاشية في العالم إن لم يكن أكبرهم – في مقاله أن صعود القومية المتطرفة، العنصرية والفاشية يجب فهمها ليس فقط كظواهر سياسية، بل ينبغي رؤيتها في سياقها الاجتماعي كانتقاد ثقافي على تراث التنور. فليست الازمات السياسية والاقتصادية هي التي رفعت هذه الحركات إلى الحكم: فلو لم تمهد التربة ثورة ثقافية، عداء لقيم الليبرالية والديمقراطية، لما كانت حققت العطف الهائل الذي نالته.
يركز شتيرنهل على الدول الثلاثة الكبرى ـ فرنسا، المانيا وايطاليا ـ ويشير إلى علائم التطرف القومي والفاشي في أواخر القرن التاسع عشر. ولكن المسألة لا تنحصر في التاريخ الفكري: فالسؤال هو لماذا نجحت هذه الامزجة في ان تجرف وراءها الجماهير من كل طبقات المجتمع بالذات بعد 1918، وتحولت من مدارس فكرية إلى حركات جماهيرية. الجواب يكمن في الحرب العالمية الاولى وفي آثارها على هذه الدول. وكانت الآثار مختلفة في كل واحدة منها، ولكن بعد 1918، كل المجتمعات الثلاثة التي بحث فيها شتيرنهل كانت مرضوضة ومصابة، والكثير من مواطنيها رأوا أنفسهم مهانين ومنبوذين وشعروا بالاغتراب تجاه النخب الاجتماعية.
بدأ هذا التطور في فرنسا قبل ذلك، وهو ايضا يرتبط بالهزيمة العسكرية ـ أمام المانيا في حرب 1870 ـ 1871. فقد اعتقد اليمين الفرنسي المناهض للجمهورية، والذي كانت له جذور عميقة في قمة الكنيسة، طبقة النبلاء والجيش، بان السبب للهزيمة هو تبني القيم الكونية بالتنور على حساب الوعي القومي والتقاليد الدينية. وفي تلك المناسبة كان يمكن إلقاء الذنب ايضا على يهود فرنسا العالميين، الذين كانت لهم وليس فقط الروتشيلديون جذور المانية. والمحاولة الفاشلة للجنرال بولنجا لخوض انقلاب مناهض للجمهورية في 1889 باسم قيم الامة الفرنسية، يذكرها شتيرنهل وعن حق كحدث تأسيسي في سياقات تبلور هذه القومية المتطرفة.
ومع أن فرنسا كانت مع المنتصرين في الحرب العالمية الاولى، ولكن العدد الرهيب لضحايا، عدم قدرة جيشها على حسم حرب الخنادق والحاجة لمساعدة الولايات المتحدة من اجل الانتصار في الحرب، تسللت إلى الوعي السياسي الفرنسي بعد 1918. ومع ان الهزيمة الفرنسية المهينة في 1940 والتي رفعت إلى الحكم اليمين المتطرف بقيادة المارشال بتان: حكم فيشي عرض نفسه كبديل للجمهوريات ولتراث التنور (وعليه فقد غير اسم فرنسا ايضا ليصلح من الان فصاعدا «الدولة الفرنسية» بدلا من «الجمهورية الفرنسية»). وقد تضمن هذا ايضا اقصاء اليهود، حملة الجرثومة الجمهورية، عن الحياة العامة والاقتصادية، وفي نهاية المطاف التعاون مع «الحل النهائي» للنازيين.
المانيا بعد 1918 كانت دولة مهزومة ومهانة: فمعاهدات فرساي التي مزقت اجزاء من اراضيها، احتلال فرنسا اقليم الراين، سحق الجيش الالماني وتقييد تسليحه، القاء ذنب الحرب على المانيا والزامها بدفع التعويضات ـ كل هذه قوضت شرعية النظام الجمهوري ودستور فايمر. وكان احد نجاحات هتلر في عرض نفسه كـ «جندي بسيط» يقف في وجه النخب الليبرالية والاشتراكية، وضد اليهود حملة الكونية. ما نسي هو حقيقة ان المصيبة اوقعتها على المانيا سياسة الطموح واحلام التوسع الامبريالية لقيادة الجيش. وحده إحساس الهزيمة والاهانة سمح بالافكار القومية المتطرفة والعنصرية بالاندفاع من الهوامش نحو المركز.
في ايطاليا كانت الصورة مركبة اكثر: صحيح أن ايطاليا كانت في جانب المنتصرين، ولكن في الحرب فشل جيشها في قتاله ضد الامبراطورية الابسورغية، وبعد الحرب اعتقد الجمهور الايطالي بان دولته لم تنل الانجازات الاقليمية التي وعدتها بها بريطانيا وفرنسا مقابل انضمامها إلى الحرب إلى جانبها. كما أن عدم قدرة الحكومات الضعيفة في روما على استقرار الاقتصاد ولجم الحركات العمالية الراديكالية التي سيطرت على المشاريع الصناعية، ساهمت في احساس الازمة. ويشير شتيرنهل إلى المواقف الفلسفية العدمية لبنتو كروتشيه ـ ولكن الاساس لـ «مسيرة روما» اعطته الجماهير، بعضهم عمال عاطلون عن العمل وجنود مسرحون كادحون، لم يجدوا مكانهم في المجتمع بعد ان كرسوا سنوات ـ مثل موسوليني نفسه ـ للقتال في الجبهة.
باختصار، الاساس الفكري لصعود الحركات القومية المتطرفة والفاشية اعدته بالفعل مجموعة من المثقفين اعداء تراث التنور منذ نهاية القرن التاسع عشر، ولكن ما جعلها ذات قوة سياسية (او بلغة ماركس، ما سمح بتحول النظرية إلى ممارسة هو تبني الجماهير لها). كان الواقع، الذي انجرفت فيه الجماهير بفعل الاحاسيس الشديدة للاهانة القومية وانعدام الوسيلة الاجتماعية؛ فهذه الجماهير شعرت بانها مقصية عن السياق الديمقراطي الذي اعتبرته كمعبر عن ارادة النخب التي تنكرت «للمصالح الحقيقية للشعب».
احدى المفارقات التي لا يمكن تجاهلها هي حقيقة ان الحركات القومية الراديكالية والفاشية لم تنجح في الصعود إلى الحكم في دول امبريالية قوية: لا في بريطانيا ولا في الولايات المتحدة. الفاشية، كما يتبين، ليست نوعا من الامبريالية العدوانية والمسيطرة، بل تعبير بالقوة والعنف عن احباطات واحساسات بالضعف.
لهذه الاقوال آثار على ايامنا: صعود دونالد ترامب وانتصار خروج بريطانيا من الاتحاد هما ايضا تعبيران عن احساس بالضعف واحباط من طبقات واسعة. وحتى لو لم يكن هذا فاشيا. ثمة هنا بالتأكيد علائم مقلقة. ترامب يعزف على احساس الظلم والضعف لاجزاء من الطبقة الوسطى ـ الدنيا وطبقة العمال الأمريكية البيضاء، وعلى مخاوفهم من المهاجرين المكسيكيين ويعدهم بان «يعيد» اليهم دلتهم القوية، المسيطرة في العالم، التي تدهورت بسبب ضعف اوباما. أما المؤيدون لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فقد استجابوا هم ايضا للدعاية التي عزفت على اوتار مشابهة ـ فقدان السيطرة على الحدود والخوف من اغراق بريطانيا بموجات من المهاجرين. وهذا حصل ايضا في فرنسا. وبالحذر اللازم، ينبغي الاشارة ايضا إلى أن «غوش ايمونيم» لم تنشأ في عهد حماسة القوة لإسرائيل بعد حرب الايام الستة، بل بالذات بعد أن اثارت حرب «يوم الغفران» احساسا محقاً في البلاد، وإن كان مبالغا فيه، بالهشاشة وربما بالضعف ايضا.
لكل هذا ثمة معنى بالنسبة لطريقة الكفاح في إسرائيل ضد الميول التي يحذر منها شتيرنهل. فالجماهير التي اندفعت في حينه ـ وتندفع اليوم ـ نحو الحركات المتطرفة، التي تتدهور نحو القومية المتطرفة، كراهية الاجانب بل والفاشية، لم تتعمق بالضرورة في الجدال الثقافي على تراث التنور. فقد وقعت ضحية لديماغوجيا متملقة للجماهير وكراهية الاجانب التي استغلت الاحاسيس ـ الحقيقية أو الوهمية ـ من الاهانة والاحباط، على المستوى الشخصي والقومي. اشك إذا كانت مراجعة معمقة لكتابات كانت او فولتير (الاخير لا سامي بعض الشيء ايضا، ولكن هذه قصة اخرى) ستغير موقفه.
ما ينبغي عمله هو دحض الديماغوجيا اليمينية التي تربط بين الإرهاب الفلسطيني والكارثة، والعودة مرة تلو الاخرى على اننا دولة قوية ـ حتى لو كانت مهددة ـ وتشديد مظاهر الضعف التي تمزق اليوم المجتمعات العربية وبشكل غير مباشر تعزز إسرائيل. كما هو مرغوب فيه إلى جانب ذلك مثلا الكف عن هتافات التحقير نحو وزيرة الثقافة والرياضة، حتى لو لم تكن مواقفها مقبولة من اولئك الذين يرون انفسهم جزءا من تراث التنور. الجدال الموضوعي المعمق واللاذع مع مواقفها ـ نعم؛ اما سلوك الرعاع ـ فلا. واضح بأن كل حدث كهذا يخدم ميري ريغف، ويعظم فقط التأييد لها في اوساط تلك الطبقات التي لم يجد المتبنون للقيم الكونية الطرق إلى قلوبهم.
وبالتوازي، في قبالة القومية المتطرفة الفظة لليمين في إسرائيل، يجب عرض التأييد لحق الشعب اليهودي في تقرير المصير في دولته، الحق المكتسب باسم المباديء الكونية لتقرير المصير للقوميات. من يؤيد حق الفلسطينيين في دولة قومية ويتنكر لحق اليهود في ذلك، لن يحظى بالتأييد في اوساط الطبقات التي تنجر اليوم وراء الديماغوجيا القومية والدينية لليمين.
يشير شتيرنهل ايضا ـ وعن حق ـ إلى مساهمة يوهان غوتفريد هاردر وادموند بارك في انتقاد التنور، ولكن يخيل لي ان الصورة مركبة اكثر بقليل وليس مناسبا القاء الرضيع مع الماء، مثلما محظور ادانة فولتير وروسو بسبب الإرهاب اليعقوبيني او شجب ماركس بسبب جرائم ستالين، هكذا ايضا بالنسبة لهاردر وبارك.
باختصار طالب هاردر باسم المبادىء الكونية للتنور احترام التقاليد الثقافية اللغوية والادبية لكل الشعوب، ولا سيما الشعوب الصغيرة وعدم اخضاعها تلقائيا للنظرات الفرنسية للتنور. وهكذا كان مصدر الهام لحركات التحرر القومية الكثيرة، ولا سيما في وسط وشرق أوروبا، ممن قاتلوا في القرن التاسع عشر ضد القمع الامبريالي الروسي والالماني. وليس صدفة ايضا انه هو ان احد كتاباته الهامة التي نشرها في 1782 يسمى «عن الشعر العبري» الذي يمجد المساهمة التاريخية للشعب اليهودي في الشعر والثقافة العالمية، وليس فقط في صعود المسيحية. هذا موقف متنور وتعددي يأتي على لسان قسيس بروتستانتي في القرن الثامن عشر نجح في التعالي على الهيمنة المسيحية.
اما بارك فيعتبر عن حق مؤسس المحافظة الحديثة، ولكن لا يجب ان يتجاهل بأنه نشر في 1790 «افكار عن الثورة في فرنسا» وحذر من أن بعضا من مبادئها المبسطة، غير المغروسة في التاريخ وفي الوعي السياسي لطبقات واسعة، من شأنها أن تؤدي إلى دكتاتورية ثورية عنيفة، مثلما حصل بعد بضع سنوات من ذلك، في ايام إرهاب روبسبير.
فضلا عن ذلك، قبل بضع سنوات من ذلك دافع بارك، في خطاباته في البرلمان البريطاني عن حقوق المستعمرات البريطانية في شمال أمريكا في وجه طغيان التاج والبرلمان في لندن، موقف يحتاج إلى شجاعة غير قليلة، ولقاؤه دفع ثمنا سياسيا باهظا. عندما يسعى شتيرنهل وأنا ـ وكثيرون آخرون ـ إلى تعليل مطلب الفلسطينيين في إلا يعيشوا تحت الحكم الإسرائيلي، الذي يحرمهم من حقهم في الحرية والسيادة، يمكننا أن نستعين بين الحين والاخر بتعليلات بارك ضد الامبريالية البريطانية. فالتاريخ ليس فقط حرب أبناء النور ضد أبناء الظلام.
هآرتس 17/7/2016