لندن ـ «القدس العربي»: في عدد 21 كانون الأول/ديسمبر 2015 من مجلة «نيويوركر»، كتب ديفيد رمينك عن مسيرة وزير الخارجية رقم 68 للولايات المتحدة الأمريكية جون كيري.
وقدم فيها صورة عن إنجازاته في الدبلوماسية الأمريكية وتجربته في الحرب الفيتنامية حيث حصل على أوسمة وتقديرات، وزواجه من إبنة رجل الأعمال الذي يملك ماركة «هاينز» لتعليب المواد الغذائية.
وقدم الكاتب إضاءات عن شخصية كيري المتفائلة دائما وعمله الدؤوب ومراحل حياته الدبلوماسية وخسارته في عام 2004 الحملة الانتخابية ضد جورج دبليو بوش، الذي يعتبر أسوأ رئيس في التاريخ الأمريكي.
ولاحظ الكاتب أن كيري قرر القبول بالهزيمة رغم الشكوك حول عملية إحصاء الأصوات في أوهايو. ومع ذلك لم يتخلص كيري من جراح تلك التجربة حيث ظل غاضبا على رئيس حملته والمخطط الإستراتيجي، روبرت شرامب.
ويبدو أنه تعافى من آثار تلك التجربة عندما عين وزيرا للخارجية عام 2013 بعدما خدم 28 عاما في مجلس الشيوخ.
ولدى كيري ما يمكن أن يتحدث عنه في مسيرته منذ توليه ملف الدبلوماسية الأمريكية، وأهمها الملف النووي الإيراني العام الماضي وتدخله في حل مشكلة الخلاف بعد الانتخابات الأفغانية وتقاسم الفترة الرئاسية بين أشرف غني (الرئيس الحالي) وعبد الله عبد الله (رئيس ينتظر). لكنه فشل في تحقيق أي تقدم على ملف الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
التحدي السوري
وتساءل رمينك إن كان بيد كيري مفاتيح الحل للأزمة السورية. فمن جنيف إلى فيينا إلى جنيف مرة أخرى لا يزال يحاول كيري إقناع الأطراف بالجلوس على طاولة واحدة.
ففي تشرين الثاني/نوفمبر كان كيري متفائلا جدا عندما قال إن سوريا لا تبتعد «سوى أسابيع» عن مرحلة انتقالية كبيرة.
ويبدو أن رغبته في تنظيم مفاوضات دبلوماسية حاسمة جعلته كما تقول صحيفة «واشنطن بوست» في افتتاحيتها، يتنازل هو والمبعوث الدولي الخاص لسوريا، ستيفان دي ميستورا عن الكثير.
فهما، كما تقول، لم يعودا يطالبان بمفاوضات مباشرة بين النظام السوري والمعارضة واقترحا عوضا عن ذلك «محادثات تقريبية» سيقوم فيها دي ميستورا بالتحرك بطريقة مكوكية بين القاعة التي يجلس فيها وفد الحكومة وتلك التي يجلس فيها وفد المعارضة.
ولم يعد، مشاركة، نظام بشار الأسد بدخول المواد الإنسانية إلى المناطق المدنية التي لا تزال تحت حصار قواته، رغم أن هذا مطلب أممي ونص عليه قرار مجلس الأمن الدولي الشهر الماضي.
ومن هنا تشكك الصحيفة في إمكانية عقد المفاوضات أو «المحادثات التقريبية» التي أعلن دي ميستورا أنها ستبدأ اليوم خاصة أن فصائل المعارضة السورية التي وجهت إليها الدعوة لم تحسم أمرها بعد.
والسبب في كل هذا ما تراه الصحيفة فشلا من جانب النظام في احترام الشروط التي حددها قرار الأمم المتحدة. وتضيف أن تقدما لن يحدث حتى لو عقدت المحادثات في موعدها المقرر بسبب التنازلات التي قدمت لنظام الأسد ولداعميه الروس والإيرانيين.
الانتقال الكبير
كل هذا لا يعني عدم متابعة الأزمة السورية والتوصل لتسوية دبلوماسية لها. فلا يزال «الإنتقال الكبير» الذي تحدث عنه كيري «سرابا» إلا أن الاتفاق على وقف إطلاق النار بين النظام والمعارضة غير الجهادية يمكن أن يعتبر نجاحا.
ويأمل مسؤولو الأمم المتحدة أن تؤدي محادثات جنيف إلى رفع الحكومة الحصار عن المناطق المدنية.
ومع ذلك ترى الصحيفة إن دمشق وداعميها ليس لديهم اهتمام في هدنة. وعلى خلاف هذا يقومون بالدفع باتجاه حملة عسكرية لاستعادة مناطق واقعة في شمال وجنوب سوريا.
ويحصل الجيش السوري على دعم الطيران الروسي، الذي يقوم بضرب المناطق المدنية، مع أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 نص بشكل واضح على وقف استهداف المدنيين. وتتهم الصحيفة موسكو بوضع مطالب تهدف إما لإبطاء عملية السلام أو تخريبها.
وحاولت استثناء بعض الجماعات المسلحة، المدعومة من السعودية أو تركيا، في الوقت الذي تدفع فيه باتجاه «المعارضة» المكونة من أشخاص يقبلهم النظام وضم الأكراد السوريين.
ومن هنا تعلق الصحيفة بأن حماسة كيري لعقد المفاوضات جعلته يستجيب وبشكل متكرر لمطالب روسيا التي تريد شطب موضوع تنحي زمرة الأسد عن السلطة من الشروط. وكانت الحماسة سببا لعدم الإصرار على مطلب رفع الحصار عن المناطق المدنية والتوقف عن قصف المدنيين والتي تعتبر في حد ذاتها شروطا مسبقة لتسوية سياسية.
ولهذا ترى الصحيفة أن على الولايات المتحدة العمل أولا على خلق الظروف لنجاح المحادثات بدلا من التعجل بعقدها بأي ثمن.
ومن أجل هذا يجب دعم المعارضة بالسلاح الذي تحتاجه من أجل وقف وردع الهجوم العسكري السوري – الروسي. وهذا يعني الإصرار على وقف سياسة الجوع أو الركوع وكذا القصف الروسي للمدارس والمستشفيات مرة وللأبد.
التجويع مستمر
وفي هذا السياق علقت صحيفة «نيويورك تايمز» على تصريحات مسؤولين كبيرين في الأمم المتحدة، يوم الأربعاء، عن عدم قدرة المنظمة الدولية إيصال المساعدات الإنسانية للمحرومين السوريين العالقين في مناطق الحرب، وقالا إن عدد المناطق المحاصرة ارتفع في الأسابيع الماضية من 15 بلدة إلى 18 وإن هناك ما يقرب عددهم من نصف مليون شخص على حافة الجوع أو الموت.
وجاءت تحذيرات كل من ستيفن أوبرين وإيرثرين كزين في شهادة لمجلس الأمن الدولي قبل يومين من انعقاد اجتماع جنيف الذي يهدف لوقف الحرب السورية التي تدور منذ خمسة أعوام.
وقال أوبرين، منسق جهود الإغاثة الإنسانية في الأمن المتحدة، إن هناك حوالي 4.6 مليون سوري يعيشون في مناطق محاصرة أو يصعب الوصول إليها وأن المتقاتلين تجاهلوا مطالب قرار المجلس الذي يطلب منهم تسهيل مرور قوافل الإغاثة الإنسانية.
وقالت كزين، المديرة التنفيذية لبرنامج الغذاء العالمي، إن هناك «ما يقرب من نصف مليون «سوري مقطوعين تماما عن المساعدات. ودعت كزين لتحرك كل أعضاء المجلس «لمنع الناس من مجاعة باتت محتومة».
وتوقع المسؤولان ظهور صور مريعة كتلك التي شاهدناها قبل فترة وخرجت من بلدة مضايا التي حاصرها الجيش السوري وميليشيات «حزب الله» اللبناني لأشهر ومنع عنها الغذاء والدواء.
ورغم وصول المواد الإغاثية لمضايا ولثلاث بلدات أخرى، وهي الفوعة وكفريا والزبداني، إلا أن هناك توقعات بأن ينفد الغذاء والدواء سريعا.
ويرى أوبرين أن الحرمان، الذي تم الكشف عنه، هو «طرف كرة الثلج». وعلقت سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة سامنثا باور قائلا: «لا نستطيع التفكير ولو لدقيقة واحدة أن الوضع قد تحسن».
خطة رد أم تواطؤ
وبنفس الإطار فتحت مجلة «فورين بوليسي» ما كشف عنه بداية الشهر الحالي عن تواطؤ مسؤولي الأمم المتحدة مع نظام الأسد حيث قاموا بتغيير «خطة الرد الإنساني» التي صدرت في 29 كانون الثاني/ديسمبر.
وكتب روي غوتمان في المجلة يصف التقرير بالقول: «عنوانه ركيك ومحتوياته جافة. ولكن الإحصائيات الصارخة في الملخص السنوي الصادر عن برامج الإغاثة التابعة للأمم المتحدة تقدم قصة الكابوس الإنساني السوري، فهذا بلد يعيش فيه على آلة التتنفس الصناعي أو الإنعاش 13.6 مليون بحاجة للمساعدة الإنسانية.
وفي كل ساعة تشرد 50 عائلة من بيوتها وعلى الأقل هناك مليون شخص مشرد في المخيمات لا يتلقون مساعدات من المؤسسات الدولية». كل هذا مثير لكن بالنسبة للقارئ المتفحص فالمثير في «خطة الرد الإنسانية» هو ما لم تذكره.
فقد قامت الأمم المتحدة بعد التشاور مع الحكومة السورية بتغيير عدد من الفقرات وحذف عدد من المعلومات الهامة وذلك لتقديم حكومة بشار الأسد بصورة جيدة.
وعندما قارن الصحافي النسخة النهائية التي تم نشرها بالنسخة الأًصلية التي حصلت عليها مجلة «فورين بوليسي»، يتضح حذف 10 إشارات إلى مناطق تتعرض لـ «حصار» أو «محاصرة» مثل بلدة مضايا التي مات فيها 23 شخصا من الجوع خلال الأشهر الماضية. وتجنب التقرير ذكر «ألغام» أو «الذخيرة الحية» مثل «البراميل المتفجرة» التي يرميها النظام وبطريقة لا تميز على مناطق المدنيين.
ولم يذكر التقرير جماعات الإغاثة السورية التي نقلت المساعدات للمدنيين في المناطق التي تقع تحت سيطرة المعارضة.
وأشار مكتب تنسيق شؤون الإغاثة الإنسانية إلى أن التحوير بالتقرير جاء بناء توصية من الحكومة السورية. ونقل الكاتب هنا ما ذكرته المتحدثة باسم المكتب ليندا توم «هو أمر طبيعي أن تقوم الأمم المتحدة بالتشاور مع حكومة البلد».
وأكدت المتحدثة الرئيسية باسم مكتب التنسيق وشؤون الإغاثة الإنسانية أماندا بيت: « أفترض أن هذا تم عمله مع شركاء لنا بمن فيهم الحكومة وهي ممارسة عادية».
ويعلق الكاتب هنا بأن حذف أي ذكر للحصار جدير بالاهتمام لأن أزمة مضايا لم تنته بعد. صحيح أن الحكومة السورية سمحت في 11 كانون الثاني/يناير لوكالات الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر العربي السوري بإدخال الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية والأدوية، إلا أن ميليشيات حزب الله والنظام منعا إجلاء مئات المرضى الذين يقول الأطباء إن حالتهم خطيرة وتستدعي نقلهم إلى المستشفيات.
وقيد النظام وحزب الله أيضا إدخال الوقود وسمحا بجزء قليل من الكميات التي خططت الأمم المتحدة لإدخالها.
ونقلت المجلة عن محمد يوسف، منسق الوحدة الطبية في مضايا، قوله إن 13 شخصا توفوا بعد دخول قوافل الإغاثة. ومات طفل أمام أعين مسؤولي منظمة الأمم المتحدة للطفولة.
دبلوماسية هادئة
وتشير المجلة إلى أن الأمم المتحدة لا تتحدث إلا بقدر يسير عن أوضاع البلدات المحاصرة مفضلة «الدبلوماسية الهادئة».
ولم تنجح هذه في عام 2015 عندما رفضت الحكومة السورية الاستجابة لتسعة طلبات، من بين عشرة، من أجل إيصال المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة أو تلك التي يصعب الوصول إليها.
وتعرضت المنظمة الدولية للانتقاد لأنها آثرت الصمت على الجوع الذي عانت منه مضايا ولأشهر، ولم تتحرك إلا بعد ظهور صور الأطفال الجياع أو صور من ماتوا على وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي «معلومات سريعة»، أعلنت الأمم المتحدة عنها عبر موقعها في 17 كانون الثاني/يناير، كشف مسؤولو الأمم المتحدة أنهم لم يستطيعوا الحصول على إذن لإجلاء المرضى.
وجاء في المعلومات الجديدة: «في الوقت الذي تم فيه إجلاء 10 أشخاص في الأيام الماضية، إلا أن الموافقة على إجلاء الباقين تنتظر الرد» من الحكومة السورية.
ونقلت المجلة عن ممثلين لمنظمتي إغاثة سورية قولهم إن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أساء تقدير عدد الأشخاص الذين يحتاجون لعناية طارئة وقالوا إن هناك حوالي 400 شخص بحاجة لتلقي العلاج خارج مضايا. وقالت منظمات غير حكومية إن حزب الله قام بتشديد الحصار في الأيام القليلة الماضية، مما أجبر عشرات العائلات التي تعيش في الطريق إلى الزبداني على الفرار نحو مضايا. وتشير المجلة إلى أن الانتقاد للأمم المتحدة لا يتعلق فقط بمضايا بل واتهمت خمس منظمات سورية المنظمة الدولية بأنها شكلت «سابقة خطيرة» في التفاوض على صياغة التقرير مع الحكومة السورية.
وقالوا إن حذف الإشارة للمناطق المحاصرة «يقلل من شدة الإنتهاكات» للقانون الدولي، التي يمارسها نظام الأسد.
ويفسر عدد من عمال الإغاثة الدولية أن استعداد الأمم المتحدة للقبول بشروط الحكومة السورية مرتبط بخوف منعها من العمل في دمشق. وفي رسالتين اطلعت عليهما المجلة وموجهتين إلى أوبرين، منسق شؤون الإغاثة في الأمم المتحدة، ومؤرختين في 13 كانون الثاني/يناير، اشتكى 112 عامل إغاثة من مناطق تحاصرها الحكومة بمرارة، وقالوا إن فريق الأمم المتحدة العامل في دمشق إما قريب من النظام أو يخشى من إلغاء تأشيراتهم.
وكتب عمال الإغاثة قائلين: «لماذا تقمعون معاناتنا؟ فرفض رفع الحصار ليس كافيا والآن تخشى الأمم المتحدة النطق بالكلام».
ورد أوبرين موجها كلامه «للمجتمع المدني السوري» حيث نفى أن تكون الأمم المتحدة قريبة من النظام السوري، ولا تتصرف والحالة هذه بطريقة تشجع من خلالها أساليب الحصار.
وأكد أن المنظمة الدولية طالبت، بشكل متكرر وبدون شروط، بالتوقف عن استخدام التجويع كسلاح ضد المدنيين وفتح الممرات لوصول المساعدات للمناطق المحاصرة أو تلك التي يصعب الوصول إليها.
وعبر عن «غضبه وإحباطه من الوضع في المناطق المحاصرة في سوريا». وكان موقع «ميدل إيست آي»في لندن قد كشف في 15 كانون الثاني/يناير عن تعاون مكتب تنسيق الإغاثة في تغيير كلمة «محاصر» و»حصار» واستبدال كلمة «نزاع» بـ «أزمة»، وحذفت الإشارات كلها حول برنامج الأمم المتحدة لتفكيك الألغام في خطة الأمم المتحدة لعام 2016 للرد الإنساني، وذلك بحسب رسالة بالبريد الإلكتروني، شاهدها الموقع وتأكد له من مصدرين.
وقال الموقع إنه تم استبدال كلمتي «حصار» و»محاصر»، الواردتين في قرارات 2139 و 2165 و 2191، اللذان تبناهما مجلس الأمن الدولي بإعادة «توطين».
وكشف الموقع أن موظفين في مكتب الأمم المتحدة للتنسيق والشؤون الإنسانية في دمشق، قاموا بنشر التقرير مع التعديلات التي قامت بها الحكومة السورية، بدون عرضه على مكاتبها في الأردن وتركيا، بحسب البريد الإلكتروني. وكشف الموقع عن أن الأمم المتحدة قللت من حجم جرائم الحرب هذه.
مشيرا إلى أن المكتب قدر عدد المحاصرين في سوريا بحوالي 393.700 شخص، ولكن «سيج ووتش»، وهي شبكة للرقابة، تقول إن العدد أكبر وقد يصل للملايين، فيما تقدر منظمة «أطباء بلا حدود» العدد بحوالي مليون شخص.
ويشير التقرير إلى أن التباين ذاته حصل في عدد المناطق المحاصرة، حيث يقول مكتب الأمم المتحدة إن عددها 15 منطقة، أما «سيج ووتش» فتقول إنها 52 منطقة.
ولم يتعامل مكتب الأمم المتحدة مع مضايا، التي وصلت إليها قوافل الإغاثة كونها منطقة محاصرة.
إبراهيم درويش