«علي بابا» الصيني والأسئلة الصعبة

حجم الخط
6

يمكن اعتبار قصة النجاح المذهلة لشركة «علي بابا» للتسوق الالكتروني على شبكة الانترنت نموذجاً للأسطورة الاقتصادية الصينية التي اجتاحت أركان العالم، فصاحب هذه الشركة كان مدرساً للغة الإنكليزية لا يمتلك أي خبرات في مجال الأعمال أو أجهزة الكومبيوتر قرّر مع مجموعة من أصدقائه في عام 1999 تحدي عمالقة التسويق العالميين وتمكن خلال 15 عاماً من جعل شركته أكبر سوق الكترونية في العالم.
«علي بابا» قدّمت مثالاً على إمكان انتقال الصين من طور الاقتصاد القديم إلى اقتصاد العولمة الجديد بحيث لم تعد فقط مصنع العالم بل أيضاً محطة كبرى لانتقال الأموال والسلع والأفكار والخدمات، وهذه الانتقالة جعلت من الصين نداً متصاعد التأثير في عالم القوى الكبرى التي تتحكم في العالم.
تستشعر الصين قوتها التي نالتها باستحقاق، وهي لا تني تعلن عن نفسها كفاعل أساسي في اقتصاد وسياسة ودبلوماسية العالم، الذي سيكون عرضها العسكري الضخم في الذكرى السبعين لهزيمة اليابان خلال الحرب العالمية الثانية في الثالث من أيلول/سبتمبر المقبل أحد صورها الرمزية، غير أن التراجع المذهل الذي ضرب مؤخرا سوق أسهمها وأدى لخضة كبيرة في أسواق البورصات العالمية والعربية يضع هذه الصورة موضع الشك ويفتح الباب لمساءلة الأسطورة الصينية والتدقيق في إمكان انهيارها في يوم من الأيام.
يعود تراجع الأسهم لأسباب عديدة على رأسها تراجع النمو الاقتصادي الصيني، كما يعود، في جزء منه إلى محاولة الصين، كما فعلت شركة «علي بابا»، ركوب رياح العولمة بإغراءاتها المالية الهائلة، والدخول بالتالي في اقتصاد سيل المعرفة، الذي حاولت الصين مرات عديدة كبحه بمعارك خاضتها مباشرة مع شركات كبرى مثل «غوغل» و»مايكروسوفت»، وإلى أعراض المضاربة في الأسهم التي تخلق فقاعات اقتصادية لا تلبث أن تنفجر.
تحاول الدولة الصينية منذ حزيران /يونيو الماضي التدخل المباشر لعكس مفاعيل التراجع الاقتصادي في سوق الأسهم من خلال جهودها لوقف مبيعات الأسهم وضخ المال الى السوق لرفع الأسعار ومنع بعض كبار المستثمرين فيها من بيع حصصهم وغير ذلك من المحاولات ولكن يبدو أنها وصلت إلى قناعة أن محاولاتها لن تستطيع منع هبوط الأسهم باعتباره انعكاساً طبيعياً لتراجع الاقتصاد الصيني، وهو يحتاج إلى علاجات بنيوية وليس إلى حلول موضعية خاصة بسوق الأسهم وحدها.
يأخذ الاقتصاديون الغربيون على الصين كونها دولة مركزية تتحكم بالاقتصاد بشكل يجعل بيروقراطية الدولة تحلّ محل السوق، والحال أن هذه التجربة كانت ناجحة وتتنافس مع نظريات الرأسمالية التي يتحكم فيها السوق بالاقتصاد وتلعب الدول فيها دور الوسيط الذي يحافظ على الملكيات ويسنّ التشريعات بدل كونها الفاعل الأساسي فيه.
كانت الصين قادرة، إلى فترة قريبة، على تقديم تجربة مختلفة عالميا تستفيد من مزايا الإدارة المركزية ومن التعامل مع العالم كسوق كبير، غير أن إغراءات الدخول المتزايد في الاقتصاد الجديد المعولم جعل العلاقة أكثر تعقيدا وكشفها أكثر للقوى العملاقة لحركة الأموال والسلع والخدمات، وبالتالي فإن تأثير الاقتصادات العالمية على الصين، وتأثيرها هي على العالم، صارا أصعب على التحكم حتى في ظل السلطات الهائلة التي يمتلكها الحزب الشيوعي الصيني.
«علي بابا» الصيني، بهذا المعنى، ربح الكثير من دخوله سوق الاقتصاد الجديد المعولم، لكنّه تحوّل في النهاية، إلى عملاق كبير ضمن عمالقة كبار آخرين، يلعبون بقوانينهم هم، وبيروقراطيتهم أكثر مرونة وقدرة على التغير والحركة والتأقلم، من «ماندارين» الصين الراغبين في الانغماس في جني الثروات، والخائفين من تهم الفساد.
الاقتصادات العالمية المعتادة على كوارث الصعود والهبوط ستحتوي الموجة الصعبة القادمة من الصين، لكنّ الأنظار والأسئلة المعقّدة ستتوجه إلى «علي بابا» الصيني الذي يريد الحصول على كنوز العالم محتفظا، ما استطاع، بسيادته واستقلاليته ونمط مركزيته الشيوعي، فهل يستطيع؟

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية