علي جعفر العـلاق.. شاعر الانزياحات اللغوية

حجم الخط
0

في ديوانه الجديد «طائرٌ يتعثّرُ بالضوء»* يستغرق علي جعفر العلاق في القيمة التأثيرية للغة للارتقاء بشعرية القصيدة، فأي سمو لأي تقنية من التقنيات الجمالية في نص من النصوص، فإن الفضل يعود بالدرجة الأولى إلى لغتها المتوثبة وحساسية الشاعر اللغوية في هندسة القصيدة جماليا، وها هو يصرح بذلك قائلا: «حين نواجه قصيدة حقيقية فإننا نجتاز إليها لغتها أولا».
وكان الشاعر قد أشار إلى أن قصائد مجموعته الأولى «لا شيء يحدث.. لا أحد يجيء» قصائد مناخات وأجواء وحالات.. نوع من اللعب الممتع البريء، لذلك كان ينظر دائما إلى قصائده المبكرة تلك على أنها «مخلوقات شديدة البراءة تلهو على شاطئ الشكل حرة رشيقة مبللة». والملاحظ أن الانزياح في شعر العلاق هو انحراف بأنساق التعبير لتشكيل القصيدة من خلال مهارة الشاعر في خلق إيقاعها التشكيلي وما تثيره من رؤى ودلالات جديدة، بفعل إسنادها اللامتوقع وشعريتها النادرة، وهذا يعني أن قيمة الشعرية في حراكها الجمالي ورؤيتها البليغة. يقول العلاق: «حين ننغمر في لغة قصيدة ما، أو صورها المنهمرة فإننا نبدو وكأننا نلتقي بحلم ضائع، أو طفولة غادرناها مرغمين، كأننا نلتقي انفسنا من جديد أطفالا مفتونين بالمطر، ونكهة الأرض المحروثة توا، كما في قصيدته «مطرٌ يطرق الباب» من مجموعته الجديدة:
أتجوَّلُ
في ليلِ ذاكرةٍ
ليس فيها أحدْ
ليس إلا نعاسي الشحيحُ
وهذا الصديقُ الجسدْ..
لا بد من الإشارة بداية إلى أن الشاعر اعتمد الإزاحة اللغوية، لإثبات كفاءته في التركيب وخلق المعنى البليغ، فالقيمة الشعرية لقصائد العلاق في اختلافها من جهة، وإشعاعها الدلالي، ومعناها المفاجئ من جهة ثانية؛ أي أن لها موجتها الشعرية التي لا تتكرر، فالشاعر مسكون بهاجس خلق اللذة التشكيلية في النسق الشعري الذي يشكله، لهذا تجده يشتغل على هذه الموجة التي لا تتكرر طويلا، كأنها الموج الذي يهيج ويتدفق على الدوام، فشعره موجات متجددة، كل موجة لا تكرر نفسها، ولا تنفصل عن الموجات الأخرى، أي ثمة جمالية في الموجة بانعزالها عن النسق، وثمة جمالية لهذه الموجة بتضافرها مع الموجات الأخرى، ومن هنا، فقارئ قصائد العلاق لغويا يبقى في حالة تحفز وانشداه بارز لتلقي المزيد من الصور والتشكيلات الشائقة التي تخلق المتعة في نسقها، فالفعل الذي ابتدأ به قصيدته «أتجول» فتح حدقة العين متحفزا: أين سيتجول الشاعر؟ وهل فعل التجول حقيقة أم مجاز؟ وأين سيتحقق فعل التجول؟ وهل سيكون التجول مصاحبا لأحد؟ أم سيكون الشاعر منفردا في عالمه فيه؟ وماذا سيضفي فعل التجول على مخيلة الشاعر من الرؤى والخيالات والعبر؟ وهنا يصطدم القارئ بالقيم التي يولدها هذا الفعل في المجاز لا الحقيقة، وفي الرؤيا، لا الرؤية.
إن تجوال الشاعر ليس في رحلة أو حديقة وليس على شاطئ بحر أو شرفة جبل أو تل، إن مكان التجول هو الخيال والرؤيا، تجوال الشاعر في ذكرياته وحيدا ليس فيها من يصاحبه إلا جسده الذي رافقه في فترات اغترابه المريرة، حتى غدا أليف الشاعر وخله الوفي، الذي لا يغادره، وهنا انتقل الشاعر بانزياحه اللغوي من مجرد لعبة مجازية بلاغية إلى لعبة شعرية تفيض بشعريتها وخلخلتها للنسق، ليكون قوله المنزاح لغويا قولا شعريا بليغا (نعاسي الشحيح) الذي يجسد حالة الأرق الاغترابي الذي يعيشه في تجواله في ذاكرته الماضوية.
وهكذا ألهب العلاق النسق الشعري بانزياحه المثير (نعاسي الشيح) الذي فتح باب الرؤيا والدلالة على أشدها لتنهمر الانزياحات البليغة محققة قيمة جمالية عظمى كقوله :
«ليس لي من جوادٍ سوى قلقٍ
أبيضَ يشبهُ الريحَ
لا مهرجانُ القصيدةِ
لا بعضُ ما زرعَ اللهُ
من مطرٍ…
يتساقطُ في كل زاويةٍ صاحبْ
يتساقطُ عن كتفيّ الندى».
إن المتعة التي خلقها الشاعر في انزياحه الأول حقق قيمة جمالية متتابعة في انزياحاته المتتالية، وكأن الشاعر يعي سر اللعبة الشعرية الماثلة في قلق الرؤيا بالمنزاحات الوهاجة التي تأتي لغاية فنية وجمالية، كما في انزياحه الخلاق (عن كتفي الندى) و(قلق أبيض) الذي جاء ليشي بالإحساس بالخواء والتلاشي والوحدة ليس للشاعر من جواد، وليس له مما جادت عليه الحياة إلا بقايا أحلام ضائعة وبعض أصدقاء مبعثرين في زوايا الحياة.
ثم يفاجئنا العلاق بانتقالاته من مشهد إلى مشهد، ومن صورة إلى أخرى مفعلا المشهد الشعري بحساسية جمالية رائقة، وإحساس متحول باللغة إلى كل ما يثير اللذة في النسق الشعري، كما في قوله:
«فجأة…
مطرٌ يطرقُ البابَ
محتضنا باقة من نعاسٍ
خفيفْ».
هنا، يباغتنا الشاعر بهذه الحساسية الانزياحية للارتقاء بالمحسوسات إلى المجردات، ومن الجماد إلى التشخيص والأنسنة بلعبة تشكيلية أشبه ما تسمى بـ(تراسل الحواس) لتجتمع الحواس جميعها في لقطة تعبيرية تحمل كل مظاهر الشفافية والرقة والرومانسية الزائدة، على شاكلة الانزياح الفني المثير (باقة من نعاس خفيف) فهذا الانزياح الفني ألهب شعرية النسق وحول الجملة إلى أمداء السكر الروحي والاستغراق في حالة اللاوعي والتوهان الشعوري المفتوح إلى المدى البعيد، أي إلى حالة من النشوة واللذة في تفعيل المحسوسات والارتقاء بها جماليا. وسرعان ما استطاع الشاعر أن يخلق طقسه الشاعري بهذه التشكيلات المنزاحة التي تحمل كل مظاهر الرقة والدهشة والهيجان الشعوري والفني:
أتأملني:
ليس إلا مسوَّدةٌ
ليس إلايَ منتظرا ضوءها
ليس إلا صديقي الخريفْ
يتعثر مبتعدا».
لا بد من الإشارة إلى أن شعرية الانزياح جماليا لا تتحدد بدهشة الإسنادات وصدمتها للمتلقي، بقدر ما تتحدد بالشفافية الجمالية بما تنتجه من دلالات جديدة تكثف الرؤيا وتعمق التجربة، فثمة قيمة بلاغية للانزياحات المتفاعلة مع جوهر الرؤيا الشعرية، فإذا ما جاء الانزياح بليغا فلأنه ألهب النسق بانزياح شاعري عضد شعرية الرؤيا وأثار مكمنها العميق، وها هنا لا يأتي الانزياح كشكل تركيبي إضافي أو وصفي، وإنما جاء الانزياح في طبيعة السبك والنسج الفني، كما في قوله: أتأملني: ليس إلا مسوَّدة/ ليس إلاني منتظرا ضوءها /ليس إلا صديقي الخريف/ يتعثر مبتعدا..
وهذا يعني أن ثمة رؤية بليغة تستوجبها الانزياحات كشكل شعري على مستوى تركيب العلاقات، سواء أكانت منفصلة أو متصلة لتحقيق قيمة جمالية تشي بها قصائد العلاق في شبكتها النصية المتماسكة في تفاعل جزئياتها وتلاحمها على المستوى النصي.
وصفوة القول: إن الانزياح في قصائد العلاق ـ يتحرك ضمن نطاق كل ما هو جمالي أو تحفيزي، لاسيما في إثارة الأسئلة المفتوحة وما تجود به المخيلة الشعرية.
وبهذا التصور خاض العلاق تجربته الشعرية مندفعا بقوة الخيال وبداعة الصور الشفيفة التي تزدهي بقيمها الانزياحية الخلاقة بمرجعية رؤيوية وبلاغة آسرة.
ولو طالع القارئ نتاج العلاق لأدرك أن الانزياح الفني ـ في قصائده لاسيما في مجموعته «طائر يتعثر بالضوء» يؤسس لما هو حداثي وجمالي في الفكرة والصورة والدلالة، فهو يستخدم أسلوب الخطف البصري الصادم في انزياحاته الفنية، ليصل إلى المعنى الشفيف والانزياح الشاعري المفعم بالدهشة والنداوة الشعرية.
واللافت هنا أن الشاعر التجأ في انزياحاته الفنية إلى قمة الرقة والشاعرية في اختيار التشكيلات الانزياحية التي تحتضن الجمال قلبا وقالبا، فالعلاق يؤمن بأن الشعر لذة ونشوة ينبغي أن يثيرهما في نفس قارئه. وبذلك فإنه يتسامى بلغته الشعرية من نسق شعري إلى آخر، ويعد ديوانه «طائر يتعثر بالضوء» قمة في اللذة والنشوة والسمو باللغة الشعرية والفرادة النادرة.
وهكذا ، يعدّ العلاق من الشعراء البارزين الذين ارتقوا بلغتهم الشعرية درجات من الإثارة والمتعة، فهو يحرك النسق الشعري بالحساسية التشكيلية التي تنم عن شعرية مفارقة لمألوف القول، ومن هذا المنطلق حقق غايته وبصمته الإبداعية التي لا تقلد، وتؤكد أنها الأنقى جماليا في ظل التيارات الحداثوية المغرقة في التعقيد والتشظي والغربة اللغوية عن القارئ. وهذا ما جعل علي جعفر العلاق شاعر الانزياحات الجمالية بامتياز.
طائرٌ يتعثّرُ بالضوء» دار فضاءات ـ عمان ـ 2018.

٭ ناقد سوري

علي جعفر العـلاق.. شاعر الانزياحات اللغوية

عصام شرتح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية