علي حاكم صالح في كتابه «الأيديولوجيا وتَمثيلاتُها الفَلسفية.. في الفكرِ العراقي الحديث»: 90 عاماً من البيئات التنافسية المتصارعة

حجم الخط
3

 

بغداد ـ «القدس العربي»: يسعى الكاتب والمترجم علي حاكم صالح إلى فهم تحولات الأيديولوجيا في الفكر العراقي المعاصر من خلال قراءة الواقع التاريخي والمعرفي والفلسفي لهذا الفكر بدءا منذ تأسيس الدولة العراقية وصولا إلى المرحلة الراهنة التي مثلت خلاصة أكثر من ثمانين عاما من هذه التحولات.
ويشير حاكم في كتابه «الأيديولوجيا وتَمثيلاتُها الفَلسفية.. في الفكرِ العراقي الحَديث»، الذي صدر مؤخراً، إلى أنه في السنوات الأخيرة، انعطفَ العراقيون ينظرون في أنفسِهم، ويتأملون تاريخَهم الحديث، ويقلبون صفَحاتِه، ويطرحون تساؤلات عديدة، يدور محورها حول سبب، أو أسباب، فشل العراق الحديث دولة ومجتمعا. وهذه الدراسة استندت إلى فرضية أساسية مفادها أن قدرا واسعا من الفكر العراقي انهمك بعد قيام ما يسمى بالحكم الوطني، على نحو طبيعي ومتوقع، في البحث عن، والتفكير في، النظام السياسي الاجتماعي. ولا شك في أن تأسيس الدولة العراقية كان نتيجة تضافر عوامل داخلية وخارجية، وأيا كان الاتجاه الذي يميل له الرأي في هذا الصدد، فإنه لمن المؤكد أن العراقيين اضطلعوا هم أنفسهم شيئا فشيئا في البحث عن النظام السياسي الاجتماعي المناسب، والعمل بطرق عديدة على تثبيته وتكريسه والدفاع عنه. بدأ الأمرُ خطوات وإجراءات ومطالبات بسيطة وتمهيدية، في طبيعة الحال، ونضج حلولا ورؤى في بيئة تنافسية ومتصارعة، فالأمر لم يكن منذ البداية رهنَ خياراتِ العراقيين فقط، ولم يكونوا هم أنفسهم متجهين اتجاها واحدا فقط. وفي شروط تاريخية محلية ودولية تبلورت خطابات عالجت المسألة السياسية الاجتماعية جزئيا أو كليا، ضمنيا أو صراحة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وصبت جميعها في، أو دارت في فلك، اتجاهات متباينة هي الاتجاهات الأيديولوجية الرئيسية، التي تنتخبُها الدراسة تعبيرا عن الفكر العراقي، وتزيد عليها تمثيلاتها الفلسفية.
قسم حاكم دراسته إلى تمهيد (الأيديولوجيا والفلسفة)، وثمانية فصول: الدولة العراقية الحديثة: البداية والشرعية، سردية الأمة العربية، أيديولوجيا حزب البعث العربي الاشتراكي، الفكرة الماركسية والأيديولوجيا الشيوعية، الماركسية منهجا ورؤية، الفكرة الإسلامية من الإصلاح إلى الأيديولوجيا الثورية، بناء الفكرة الإسلامية نظريا، الاجتماع العراقي هوية وطنية. غير أن التساؤل الرئيسي الذي سعت الدراسة لطرحه، هو: ما نوع الإجابات والخطط التي طرحت وما طبيعتُها وغاياتها؟ وهل كان العراق، الإنسان والمجتمع، موضوعا للإصلاح والبناء والتطوير فعلا، أم أنه أُهملَ لصالح تشييد مؤسسات ونظام سياسي خدمت مشروعات مزقت، في النهاية، المجتمع العراقي وغيبت إنسانَه؟
وفي محاولة من حاكم لفهم الترابط بين الأيديولوجيا وتمثيلاتها الفلسفية، يرى أن الأيديولوجيا والفلسفة تفترض إحداهما الأخرى، الفلسفةُ هي إحدى تمثيلات الأيديولوجيا وصورها، وتختلف بطبيعتها عن التمثيلات الأيديولوجية الأخرى. تتعلق الأيديولوجيا بالبُعد العملي والتطبيقي للأساس النظري الفلسفي. فالأيديولوجيا هي الإجابات المختلفة والمتنوعة التي قدمها أفراد أو فئات أو أحزاب عن السؤال الناظم للفكرِ العراقي في برامج ومشروعات متفاوتة ومتباينة ضمت السياسي والاجتماعي في وحدة واحدة، أما الفلسفي فهو الأساس النظري، الضمني أو الصريح، الذي يشكل جزءا من وعي الإجابة أو لا وعيها.
مبينا أن الإجاباتُ الكبرى التي قُدمت عن مسألة النظام السياسي الاجتماعي توزعت على أربع إجابات؛ ثلاث منها هي سرديات، أو أيديولوجيات، كبرى: القومية العربية، والماركسية، والإسلامية؛ هي إجابات كبرى لأنها تفسيراتٌ للماضي والحاضر والمستقبل، ومشروعاتٌ صممت، نظريا، ما «يجب» أن تكون عليه حياة العراقيين، ورسمت صراعاتُها تاريخ الدولة العراقية، وانغمرت جهود فلسفية، بطريقتها الخاصة، في تمثيل هذه الأيديولوجيات. وبطبيعة الحال، ليس سوى أيديولوجيا القومية العربية التي نفذت منطقَ «الواجب» على أرض الواقع، وبقيت الأخريتان نظريتين، ولكن هذا لا يمنع من التدقيق في هذا المنطق الوجوبي، الذي انتظمهم جميعا عَبر قراءة الأفكار. ويجب التأكيد هنا أنه ما من واحدة من هذه الأيديولوجيات بُنيت في فردوس، فجميعها ظهرت وانبنت في واقع زاخر بالتنافس والتصارع، وتشكل منطقُ كل واحدة منها على وفق ذلك. وكانت مكونات هذه المنطقيات متشابهة أو حتى متطابقة.
وثمة إجابة رابعة، هي الوطنية العراقية، التي عَمدت إلى بناء الهوية ليس عَبر البناء النظري المجرد، أو البناء الماهوي الثابت، ولا عَبر وضع تعريفات وعناصر ومقومات تمييزية، وليس عَبر تجاهل الاجتماع العراقي، بل كان منطلقها وغايتها الإنسان العراقي، والوجود الاجتماعي، والمشكلة الاجتماعية العراقية، التي هي سياسية من حيث أسبابها وطبيعتها وامتداداتها. هذا لا يعني أن لها منطقا خاصا تتميز به بشكل حاد عن غيرها من الاتجاهات الأيديولوجية، فلربما تداخلت حدودها ومكونات خطاباتها، ولكن ما كان يميزها هو أنها انتهجت الواقعية الاجتماعية في التفكير في النظام الاجتماعي العراقي، وتميزت هذه الإجابةُ، أيضا، عن تلك الأيديولوجيات بأنها لم تشكل تيارا واحدا ومستمرا، وحتى تعبيراتها السياسية كانت محدودة، وكانت صياغاتها الفلسفية نقدية تناثرت في مواقف وآراء، ولم تتكون كنظرية تامة متكاملة، وهذه، هي طبيعة كل توجه اجتماعي يدعو إلى الإصــلاح الوطــني معـــتــمدا الواقعية والعلمية لا الحــمــاسة الثورية الشعاراتية ولا التوقعات اليوتوبية.
ويخلص حاكم إلى أنه في جميع الأيديولوجيات الرئيسية القومية والماركسية والإسلامية ثمة تفاوت بين الفكر وموضوعه المفترض، فاتجه الفكر إلى موضوعات يتوهمها ويتخيلها ويحلم بها ضمن آلياته الخاصة، ومن ثم يفرض نتائج ما توصل إليه على الواقع العراقي، الموضوع المفترض، كعينة اختبارية: أيديولوجيات تفكر بمنطق كلي لا يقيم للخصوصية المحلية اعتبارا، تنطبق مقولاتها على كل واقع على حد سواء، إلى منطق قومي، كان جل همه بناء أمة متخيلة، وتصيير الواقع على وفق ذلك، إلى منطق ديني شمولي، في الغالب، كغيره من أيديولوجيات، يضع على عاتقه الوصاية على المجتمع، ويزعم امتلاك الحقيقة، وعلى أساس فهمه لهذه الحقيقة، يجب أن يُصاغ الواقع الاجتماعي، فضلا عما يخترمه من انقسام طائفي جوهري. وتنامت رفقة ذلك تخييلات بطولية، وألقى أيديولوجيون عراقيون على أنفسهم مهمات أوسع من قدراتهم وقابلياتهم، وتخيلوا أنفسهم بروسيا العرب. وكان ذلك شبه نسق فكري اندرج فيه أغلب القوميين تقريبا. وبالتأكيد ما كان لهذه التخييلات أن تفعل شيئا لولا وجود قوة مادية اقتصادية عسكرية عززتها، وأسهمت قبل ذلك بنشوئها وانتشارها أيديولوجيا، ولكن أيضا أسهمت في استنفادها وتحولها.، في الأخير، عوامل انهيار الدولة نفسها
مضيفا أنه في الوقت الذي لم يجد فيه الملك فيصل الأول العراقيين أمة واحدة، مضت أيديولوجيات تتخيل أمة وتسعى إلى تحقيقها في الخيال، أما الواقع الحسي الذي يعيشون فيه، فكان وهما بالنسبة لهم، لا يصح التفكير فيه، حتى بلغ الأمر بأحدهم، سعدون حمادي، أن أنكرَ الزمنَ الحاضر وعده مجرد نقطة رياضية. وكانت هذه هي المعضلة الحقيقية، التي شخصها المفكر العراقي الواقعي علي الوردي، الذي رأى ببصيرته الثاقبة منذ خمسينيات القرن العشرين المآلات الكارثية التي تقودنا إليها أيديولوجيات وأفكار سادت المناخ الفكري وهيمنت عليه كخيارات فكرية نهائية ووحيدة.
وينتهي حاكم في دراسته إلى أن هذا الحكم يصدق على الكتابة الفلسفية في العراق، عانيا بذلك تلك التي كانت تمثيلات لأيديولوجيات، ونحن مهما بحثنا اليوم فلن نجد فيها ولو نصا فلسفيا واحدا يلقي الضوء علينا نحن العراقيين، لأن للفلسفة في العراق تاريخا آخر (أو لا تاريخ لها بالأحرى) لا صلة له بتاريخ العالم الاجتماعي الذي ظهرت فيه، فتاريخها ربما يواكب أو يلتحق بتواريخ أخرى خارجية، ويسير في ظلها كنسخة باهتة لا معنى لها. إن جهود ياسين خليل، مثلا، لبناء نظرية للعلم في مجتمع لا ينتج العلم، وقراءة التراث العربي على وفق ذلك، وتحديد فعالية الفلسفة على الطريقة العلمية المعاصرة هو مسعى لا تاريخ وطنيا له، بل يتصل بتاريخ آخر في أمكنة أخرى، ولا يعني الفكر العراقي بشيء لا من قريب ولا من بعيد. وحينما نتناوله اليوم، فإنه لن يتحدث إلينا إلا كما يتحدث نص مترجم عن الانكليزية أو الألمانية.
الممارسة السياسية الاجتماعية وحدها معيار نهائي وأساسي للتحقق من مدى ملاءمة الحلول والقيم الفكرية، وهي الميدان الوحيد لنجاعة الخطط الفكرية النظرية، التي تعمل، نظريا و/أو فعليا، على صياغة واقع مجتمع معين. وهذا أمر يمكن بلوغه من خلال التفكير العلمي والجماعي والحر، وهي شروط ثلاثة غابت عن توجهات الفكر في العراق الحديث، وحل محلها تفكير أحادي حزبي فئوي رغبوي. ولم تكن القنوات التي جرى عبرها الفكر العراقي غير الإثنية والطائفية، والحزبية الضيقة، والأيديولوجيا كبؤرة للنظر والتنظير، وما عدا ذلك من قيم المدينة والمدنية والتحضر والوطنية العراقية الحقيقية قد قمعت بقسوة، وأهملت، وضاع صوتها في ضجيج أيديولوجيا اليمين واليسار على حد سواء. وفي ظل بيئة فكرية كهذه قلقة ومريبة وغير مستقرة ومناورة كان من الطبيعي ألا ينمو فكر فلسفي عقلاني، فارتفع صوت التفلسف المتحزب، وبلغ حدود الدعاية الفجة. واستحال الاجتماع العراقي حياة لا اجتماعية.

علي حاكم صالح: «الأيديولوجيا وتَمثيلاتُها الفَلسفية.. في الفكرِ العراقي الحَديث»
دار الكتاب الجديد، بيروت 2016
.400 صفحة

علي حاكم صالح في كتابه «الأيديولوجيا وتَمثيلاتُها الفَلسفية.. في الفكرِ العراقي الحديث»: 90 عاماً من البيئات التنافسية المتصارعة

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية