عمان- «القدس العربي»: وزيرة الطاقة الأردنية هالة زواتي قد تكون أول شخصية أردنية معنية بملف الطاقة من الطاقم الجديد تحديداً تزور بغداد قريباً وبعد الإعلان أمس الخميس عن توقيع بروتوكول صغير لم تتضح تفاصيله بعد في مجال تزويد الأردن بالنفط.
لا يوجد عمليًا ما يمكن ان تثيره من تداعيات او هواجس زيارة فنية من هذا النوع. لكن توجد قرائن على ان الانتقال فعلًا إلى الجانب الفني في مسألة التعاون ما بين عمان وبغداد وفي مجال الطاقة شهد بعض الانفراج.
بعيداً عن المزاودات
وعلى ان السفيرة العراقية صفية السهيل النشطة جداً في عمان والتي تحظى باحترام سياسي ونخبوي بدأت فعلاً تفكك وهي تتفاعل مع المؤسسة الأردنية بعض الحواجز التي قد تنتقل إلى مستوى عودة العاصمتين مستقبلاً للبحث في مشروع الاستراتيجي الاعمق والاخطر والاهم وهو انبوب النفط الناقل العملاق بين البلدين.
لا يوجد ما يشير إلى أن السفيرة السهيل والتي يتعامل الأردن معها كصديقة فيما يتعامل اللوبي الإيراني في بغداد معها كخصم ضمن فوضى الخصومة وصراع الاقطاب العراقي في طريقها للنجاح الفعلي في انتاج واقع موضوعي يسمح عملياً بالانتقال إلى المستوى الاستراتيجي بين البلدين الجارين.
السفيرة هنا تبدو مخلصة لمصالح بلدها وملتزمة بالمعيار المهني لواجبات وظيفتها وهي تحاول الايحاء بان الدبلوماسية العراقية يمكن ان تحترف بعيداً عن المناولات والمزاودات ذات البعد السياسي وعن تعقيدات المشهد العراقي والأردني نفسه.
في المقابل لا يوجد الكثير مما يمكن ان تفعله الوزيرة الأردنية هالة زواتي عندما تزور بغداد خارج سياق التجاوب والالتقاط لما تيسر من اتفاقيات منطقية ومحدودة قررت القوى النافذة في معادلة بغداد تمريرها للأردنيين وهي تتبع معهم سياسة ربع فتحة الباب وليس نصفها.
ما يقوله هذا التراتب في الإعلان عن انفراجات صغيرة في ملف العلاقات بين عمان وبغداد قد يخفي وراءه تعقيدات من الطراز غير المتاح لجميع الأطراف. فالأردن وتحديداً في نطاق معادلة صراع الأقطاب في العراق متهم الآن بأنه يبالغ في تكريس وتثبيت التيار الذي يقوده رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي.
لكن ما لا يقوله المسؤولون الأردنيون علناً ان اللوبي الإيراني النافذ في بغداد يتهم عمان بما هو أكثر فهي بالمعنى الدبلوماسي والسياسي العاصمة العربية التي لا تكتفي بالمبالغة في التعاون مع جناح العبادي لا بل تشتغل وتنشغل بمناقشة ملفاتها الأساسية مع العراق ومصالحها الآن مع التيار الخاسر والذي يتجهز لمغادرة المشهد.
تلك في كل حال عبارة سمعها على الاقل السفير الأردني الجديد في بغداد وهو الدكتور منتصر العقلة ثلاث مرات على التوالي في غضون اربعة اشهر وضمن بعض الزوايا الحرجة ومن طرفين عراقيين وثالث أردني لديهما ما يكفي من الخبرة بتعقيدات المشهد العراقي.
مهمة السفير العقلة معقدة جداً ليس فقط لأنه مضطر وللشهر الثالث على التوالي للسكن في فندق وسط الساحة الخضراء والتحرك قليلاً وسط حراسات مشددة جداً تحسباً من البلدين لأي مفاجآت بعد الاعتداء الشهير على مقر السفارة الأردنية في بغداد منذ اعوام.
ولكن ايضاً – وقد يكون الأهم – لان العقلة ومعه وزراء بدأوا يستمعون لأصدقاء عراقيين بارزين من مشايخ المكون السني او رجال الأعمال يكررون الحديث عن التهمة الأبرز التي يروجها انصار اللوبي الإيراني والتيار المناصر لنوري المالكي في بغداد بعنوان الافتقار إلى حكمة عميقة أو خبرة دبلوماسية منتجة في قراءة مشهد التوازنات والقوى في المشهد العراقي.
تلك وفي سياق الخفايا تهمة لا تقف عند هذه الحدود بل تتجه في بعض الأحيان إلى تهمة اخرى مستنسخة هي الإصرار على البقاء في حضن جناح لا يوالي طهران في طريقه للمغادرة الوشيكة لمشهد القرار بمعنى ان عمان عند شريحة تحكم الأمور في العراق ليست متهمة فقط بتكريس القطيعة مع إيران بل ايضاً بموقف دبلوماسي عبثي يراهن على الحصان الخاسر ولا يرعى حقيقة المصالح الأردنية عبر محاولات التحرش في اللوبي الإيراني من خلال الاسترسال في مساحة هذا الرهان العبثي بلغة الأطراف الموالية لطهران.
معادلة عبثية
عملياً في المقابل لا يمكن توجيه اللوم لهذا المنطق في القراءة السياسية لان عمان وطوال العامين الماضيين تطرح فعلاً معادلة عبثية في لعبة المصالح فكرتها الاصرار وبشكل عنيد على عدم ارسال السفير الأردني في طهران إلى عمله ثم عدم تسمية سفير جديد والإصرار في الوقت نفسه على اعادة فتح وتشغيل معبر طريبيل الحدودي والانفتاح التجاري والاقتصادي ودخول الأسواق العراقية وعودة حركة الشاحنات.
طموحان لا يمكن اجتماعهما معا وقد نصح المالكي تحديداً حكومة الأردن مرتين بأن رصد المنتجات الأردنية في الأسواق العراقية وعودة نشاط الشاحنات وعودة العطاءات لقطاعات أردنية مسائل لم تعد تخـضع لاعتـبارات السـوق.
وتتطلب بالحد الأدنى إرسال أو تسمية سفير أردني إلى طهران ما دام سفير طهران في عمان محبتي فردوسي باقياً وفاعلاً ومادام رئيس مجلس الشورى الإيراني قد دفع سياسياً لوفد برلماني أردني الفاتورة المطلوبة منه للتقارب بدعمه العلني للوصاية الهاشمية على القدس.
لكن عمان لديها وجهة نظر أكثر تعقيداً في المسألة الإيرانية وليست بصدد الاستعجال ومساحة المناورة الوحيدة أمامها كما يشرح رموزها تتمثل في استمرار التحدث وديمومته مع حكومة وتيار الرئيس العبادي وهو ما لا يعجب من يخاصمه أو ينافسه، الأمر الذي يبرر تلك النصيحة التي سمعها سفير بخلفية اقتصادية ارسل تحديداً لبغداد من وزن الدكتور العقلة خبير الاستثمار المهم بعنوان.. «عليكم التوقف عن وضع البيض في سلة الجناح الذي يقترب من خسارة المواجهة الانتخابية». لذلك وبناء على كل هذه المعطيات يمكن القول بأن الأردن ووفقاً لحساباته الدقيقة في المسالة الإيرانية لم يعد يظهر الحماس الكبير واليومي لاستعادة العلاقات التجارية مع العراق على الاقل في هذه المرحلة وقبل حسم معركة انتخابات رئاسة الوزراء في بغداد. ويعني ذلك بلغة أخرى ان البعد الاستراتيجي في العلاقة بين البلدين « في الانتظار».
لكن الأسباب تتباين لأن الأردن يريد رسم استراتيجيته «الاختراقية» بعد حسم انتخابات رئاسة الوزراء الجديدة وهو سلوك براغماتي ينطوي بحد ذاته على تجاهل لتلك النصائح الثمينة.