دخل صديق اردني في حالة انفعال حادة بعدما رفض شرطي دورية السير السماح له بالاطلاع على الجهاز الذي التقط مخالفة السرعة.
الرادار إلتقط صاحبنا وقد تجاوز السرعة المقررة على أحد الشوارع الرئيسية بنحو 25 كم فيما كان مؤشر السرعة في السيارة يبلغ السائق المخالف بان سرعته في المعدل القانوني.
الجدال بين صاحبنا وشرطي المرور إنتهى بانفعال ولم يصل إلى تفاهم محدد لأن الشرطي طلب من السائق اللجوء إلى المحكمة رافضا السماح له بمعاينة جهاز الرادار الذي سجل المخالفة علما بان الاخير وهو مقيم في احدى الدول الاجنبية اصلا اعتبر بان من حقه التوثق من مخالفة المرور التي قيدت عليه.
طبعا في حالة مماثلة لا يمكن الاستمرار في مجادلة الشرطي لكن الفرصة اصبحت مواتية لاتهام الحكومة والسلطات بالسهر على ذهنية الجباية عندما يتعلق الامر بمخالفات المرور اكثر من الحرص على تفعيل القانون على الطرقات وحماية الممتلكات والارواح.
كنت قد لاحظت شخصيا على هامش جولة برية بين سبع مدن اوروبية في اربع دول مختلفة عدم وجود دورية شرطة واحدة على الطرقات وعدم وجود ولو شرطي مرور واحد.
الفرضية تقول هنا بان هدف السلطات في دول عصرية وحديثة هو منع حصول حادث او مخالفة مرور من حيث المبدأ لذلك كان صوت المذيع يبلغنا في السيارة عبر اذاعة محلية بطبيعة الشوارع ومستوى الازدحام مع التحذيرات اللازمة في مسألة السرعة.
شوارع المدن الحديثة مليئة بالملصقات والشاشات الالكترونية التي تحدد للسائق وبوضوح السرعة القانونية ولا يوجد اي اعتقاد بان الهدف رصد المخالفة او صيد المخالف بدلا من حماية الارواح والطريق والممتلكات.
في المدن العربية عموما باستثناء بعض دول الخليج تنفق الملايين من الدولارات على كوادر بشرية مهمتها قيادة الطريق وهندسة المرور فاشلة تماما في غالبية المدن العربية وعلى رأسها عمان التي يقال بان بلديتها هي المستفيدة من البدل النقدي لمخالفات المرور.
طبعا في عمان او غيرها لا يمكن الا بصورة نادرة جدا تسجيل مخالفة مرور على شخص لم يرتكبها رغم ان ذلك يحدث احيانا ولكن حجم الدوريات وحجم المطبات المزروعة في الشوارع يوحي بان الهدف من مخالفات المرور قد يكون تحصيل واردات اضافية علما بان غالبية المخالفين وفي اطار الذهنية الاجتماعية السائدة لا يعترفون بمخالفاتهم.
الفرصة متاحة بطبيعة الحال لمقارنات شبه مستحيلة عندما يتعلق الامر بأفضل استثمار ممكن للمساحات في الشوارع ففي مدينة مثل فيينا يكفي شارع بعرض اربعة امتار لخطي ترام وللسيارات ولممر مشاة وممر دراجات هوائية اما في مدينة مثل عمان فيجد السائق صعوبة في التحرك بشارع بعرض ثمانية امتار مخصص فقط للسيارات.
رغم ذلك حوادث السير قاتلة في الاردن والجرائم تحدث على الشوارع وغالبية السائقين يقودون بنزق وتحصل الازدحامات وهو امر بطبيعة الحال لا يمكن رصده في مدن مثل فيينا او غيرها.
يميل بعض الخبثاء إلى اعتبار شبكة المواصلات مؤشرا حقيقيا على ذهنية وعقلية وانحيازات المجتمع والدولة.. بعض هؤلاء يتحدث عن عبقرية معاكسة وشريرة في عمان مثلا من خلال طرق المواصلات وبرامجها على أساس أن الهدف النهائي منع الاردنيين او اهل عمان من التواصل الطبيعي الدائم مع بعضهم لبعض وبيسر وسهولة وهذه نظرية شريرة في الواقع سيئة النية تحاول تفسير سعي الحكومات الدائم للتفريق بين افراد المجتمع لصالح السلطة والحكومة والنظام.
بعيدا عن مثل تلك النظريات ارى ان اعادة النظر في برامج واليات السير والطرق وتواجد رجال الامن وذهنية الجباية خطوة ضرورية وحضارية.
وأرى في المحصلة بان شبكات المواصلات والطرق تعبير حضاري عن هوية المجتمع والدولة ففي بعض المدن الالمانية تتحرك على نفس السكة العلوية حافلتان واحدة فوق واخرى تحت والاستثمار الاستثنائي لمساحات الشارع الضيقة في العديد من شبكات الطرق الغربية ليست دليلا فقط على انضباطية المجتمع ومستوى تقدمه وانما على ثقة السلطة بنفسها وعدم وجود ما يشعرها بالخوف من تواصل الناس مع بعضهم بأيسر طريقة ممكنة.
عشوائية الأداء على طرقات مدينة اصبحت كوزموبولوتية مثل عمان مسألة تستحق التوقف والنقاش فالإنجاز في ساحات من هذا النوع ممكن وضروري على الاقل مادام الانجاز الحضاري والديمقراطي والاصلاح السياسي صعب المنال.
٭ مدير مكتب «القدس العربي» في الاردن
بسام البدارين