عمر الشريف بعد ستة عقود إبداعية.. يترك ذكرى خاصة لدى محبيه ويرحل

حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي»: نعى جمهور السينما والفنانون حول العالم الفنان الكبير عمر الشريف الذي وافته المنيه ظهر الجمعة الماضية في احدى المستشفيات المصرية، عن عمر يناهز الثالثة والثمانين (1932 -2015) بعد رحلة حافلة بالأعمال السينمائية والتليفزيونية المصرية والعالمية تجاوزت المئة وعشرين عملاً. انطلق الفنان الراحل ابن مدينة الاسكندرية إلى عالم التمثيل مع المخرج الكبير يوسف شاهين في فيلم «صراع في الوادي» في أول أدواره على شاشة السينما. عمر الشريف واحد من الفنانين المحظوظين حيث بدأ أول أعماله في دور البطولة، في فيلم «صراع في الوادي» عام 1954 ، امام الفنانة فاتن حمامة، حيث بدأت بينهم قصة حب انتهت بالزواج بعدها بعد عام واحد، بعد ان أشهر عمر الشريف إسلامه، ولكن هذا الزواج انتهى بعد أربعة عشر عاماً ، لم يتزوج عمر الشريف مرة اخرى ولم ينجب سوى ابنه الوحيد طارق من فاتن حمامة، وظل يعيش هائماً بين عواصم العالم حتى اختار باريس عاصمة ثانية لإقامته بعد القاهرة.
بعد نجاح الديو الذي قدمه مع الفنانة فاتن حمامة في أول أفلامه قدما معاً في عام 1955 فيلم «أيامنا الحلوة» بمشاركة المطرب عبد الحليم حافِظ والفنان احمد رمزي، ثم قدما بعدها بعام واحد فيلم «صراع في الميناء» ثم فيلم «لا أنام» عام 1957، ثم فيلم «سيدة القصر» عام 1958 ، وأخيراً رائعتهما «نهر الحب» عام 1960، الذي يعتبر من أهم وأشهر كلاسيكيات السينما المصرية رغم ان قصة الفيلم مقتبسة عن الرواية العالمية آنا كارنينا.
انطلقت شهرة الفنان الراحل عمر الشريف في السينما العالمية عام 1962 بعد اختيار المخرج الانكليزي ديفيد لين له للقيام بدور في فيلمه «لورانس العرب»عام 1962، في دور الأمير علي، إلى جانب الممثل البريطاني بيتر اوترول ، حصل من خلاله عمر الشريف على اول ترشيح لجائزة الاوسكار العالمية كأفضل ممثل مساعد، وذاع صيته بعد ذلك في العالم الغربي وقدم ثلاثة أفلام في عام 1964 هم، فيلم «سقوط الامبراطورية الرومانية» وفيلمي  Behold a Pale Horse،  The Yellow Rolls-Royce، وفي عام 1965 قدم شخصية  تيموجين – جنكيز خان في فيلم جنكيز خان إلى جانب الممثل جيمس ماسون، وفي نفس العام قدم واحدا من اشهر أدواره في السينما العالمية، شخصية د. جيفاجو إخراج (ديفيد لين)،ثم توالت الأعمال العالمية التي امتدت إلى عشرات الأفلام.
في السينما المصرية  قدمه المخرج الراحل صلاح ابو سيف في أدوار مختلفة أشهرها فيلم «صراع في النيل» و»بداية ونهاية» عن رواية الأديب العالمي نجيب محفوظ، لم يقدم عمر الشريف شخصيات كوميدية حتى في فيلمه «إشاعة حب» قدم الكوميديا بأدائه الجاد واعتمد على خلق كوميديا الموقف. في فيلم «المواطن مصري» خرج عمر الشريف من عباءة الشخصية الارستقراطية وقدم دور الفلاح الذي يحكم القرية، في فيلم «الأراجوزات» مع المخرج هاني لاشين عام1989 صدم الشريف الجمهور بأدائه المبهر لشخصية فنان الدمية المصرية «الأراجوز»، والتي كانت بعيده تماماً عن نوعية الشخصيات التي قدمها على مدار تاريخه ونجح فيها، كانت آخر اعماله فيلم «المسافر» مع الفنان خالد النبوي عام 2011، وقبل هذا الفيلم بعامين قدم مع الفنان عادل امام فيلم «حسن ومرقص» دعماً لوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحين في مصر.
جمعته علاقة صداقة قوية مع الممثل بيتر أوتول الذي كان يناديه في كواليس فيلم «لورانس العرب» بإسم (فريدي) لأنه كان يجد صعوبة في مناداته بعمر شريف، كما كان لاعب (كونتراكت بريدج) على مستوى عالمي، وكون فريقًا من قبل بإسم (سيرك عمر الشريف للبريدج) اشترك مع فرق بريدج آخرى مشهورة مثل (Dallas Aces) و(Blue Team). كما شارك في كتابة عمود للبريدج بصحيفة «شيكاغو تريبيون». عاش عمر الشريف حياته من الستينيات إلى التسعينيات مقيمًا في الفنادق ومتنقلًا بين البلدان وقال عن هذه الفترة أنه عاش وحيدًا في الفنادق طيلة الوقت.
أصيب قبل وفاته بسنوات قليلة بمرض الزهايمر، لكن ابنه طارق قال انه بكى بشدة عندما سمع خبر وفاة الفنانة فاتن حمامة، وافته المنية اثر أزمة قلبية وسيتم تشييع جثمانه ظهر اليوم الأحد في القاهرة إلى مثواه الأخير.
الناقدة خيرية البشلاوي قالت في تصريح لـ «القدس العربي» ان الفنان عمر الشريف ممثل مصري يمتلك كاريزما عالمية فهو فنان مصري الملامح غربي الهوى والدراسة، عمل في العالم العربي والغربي، وقدم مجموعة أفلام مازالت تعيش في الذاكرة الجمعية مثل «صراع في الوادي» و»نهر الحب» و»بداية ونهاية» و»في بيتنا رجل» و»صراع في النيل» و»المواطن مصري» وغيرها، واضافت ان علاقته بالفنانة فاتن حمامة جعلته يخلد في الذاكرة الجمعية وايضاً من خلال أفلامه التي ما زالت تعيش في ذاكرة السينما المصرية.
وتضيف البشلاوي انه على الجانب العالمي عمل عمر الشريف في السينما العالمية باعتباره النموذج الذي يقدم الآخر المختلف اللامنتمي إلى الحضارة الغربية ولا يدين لها بالولاء، الآخر المخالف الذي يمكن ان يكون معاديا. قدم في فيلم «لورانس العرب» شخصية العربي، وقدم شخصية اللاتيني الارجنتيني في «تشي جيفارا» والروسي المعادي للثورة الروسية في «د. جيفاغو» والمغولي في «جينكيز خان»والعربي الذي وقع في غرام اليهودية الصهيونيه في رسالة مباشرة جداً الي نكسة عام 1967 ، في فيلم «فتاة مرحة». كان أداؤه في السينما الغربية لخدمة الأغراض التي تقدمها هوليوود من خلال سينما الآخر، والحضارة الأخرى المعادية في صورة هذا النجم الذي يحمل ملامح شرقية جداً، فهو غربي الهوي من خلال الثقافة والتعليم والميول، ويعبر عن نموذج الشخصية اللامنتمية سوى للدور الذي يقدمه في أي عمل فني. 
وتشير ان عمر الشريف تم توظيف موهبته وتكوينه الخاص جداً في مجموعة من الأفلام العالمية الضخمة، حيث رشح للأوسكار عن دوره في فيلم «لورانس العرب» أيضاً نجده ً يؤدي شخصية المصري العربي في السينما الفرنسية الذي يحب اليهودي في شخصية السيد ابراهيم، في فيلم «المحارب 13» مع انطونيو باندارس. يعتبر هذا الفيلم محايدا في توجهه في عرض الشخصية العربية.  عمر الشريف كان دائماً الآخر في السينما الغربية، الذي عمل مع كبار نجوم السينما الامريكية والعربية البارزين، قدم مجموعة من الأفلام الجيدة جدا والتي كان لها تأثير وجداني للجمهور العربي والعالمي.
وتؤكد الناقدة خيرية البشلاوي ان أهم ما يميز عمر الشريف عن أبناء جيله هو انه شاب يمتلك ملامح شرقية وجاذبية طاغية، وقيمة وحضورا مختلفا، شاب شرقي له تكوين جسماني جذاب، واداء هادئ وعميق وساحر ويمكن ان تقع أي أمرأة في حبه. هناك مجموعة عوامل جعلته من بين أبناء جيله يخرج للعالمية، بدليل ان قَلِيلا من الممثلين المصريين فقط استطاعوا الوصول إلى العالمية مثله مثل خالد ابو النجا أو خالد النبوي أبو عمرو واكد، سماتهم ليست قريبة من عمر الشريف لكن لديهم صفات أساسية وهي انهم أيضاً لا ينتمون سوى لأدوارهم على الشاشة، ولديهم استعداد للتشكل في أي شخصية بعيداً عن جوهر الدور أو مضمونه.
 وتوضح ان الفنانة فاتن حمامة وقعت في حبه من أول دور قدمته أمامه في فيلم «صراع في الوادي» ومن المؤكد ان علاقتهما بدأت في هذا الفيلم، ولكن قصص حب النجوم الكبار الذين يتعرضون دائماً للغواية لا يمكن ان تظل قصصا خالدة، هي قصص عابرة في مشوار حياتهم الفنية والسينمائية والوجودية، صعب ان يظل الفنان أسيرا لقصة واحدة ، معظم الفنانات في السينما الامريكية من اللواتي شاركنه أفلامه وقعن في حبه وعاشا معا قصة كبيرة، لان شكله شرقي وجذاب ووسيم ويعرف لغات كثيرة وبالتالي يعامل المرأة باللغة التي تحمل أفكارها الثقافية والحضارية ويستطيع ان يتجاوب معها لغتها. وهو متحضر بحكم التعليم والطبقة الاجتماعية الميسورة التي كان ينتمي اليها وبحكم نشأته في مدينة حضارية مثل الاسكندرية، ولكن فكرة معايشة الحب في حد ذاتها تعتبر زادا للفنان، احيانا الفنان يستحضر حالة الحب في الشخصية التي يقدمها على الشاشة.
واختتمت: ان الممثل ان لم يكن حقق نفوذا طاغيا جداً لا يستطيع ان يختار الدور، ولكن المنتجين كانوا يختارون الفنان عمر الشريف في الدور الذي يرونه فيه وهو بالفعل لديه القدرة على توظيف موهبته في أي شخصية باسلوب احترافي، ولكن آخر أفلامه «حسن ومرقص» و»المسافر» كانت من اسوأ أفلامه وهو نفسه ثار جداً وأبدى استيائه منهما.

رانيا يوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية