دائما ألتمس الحذر الشديد، أمام أي مقاربة أو تقارب من نظرية المؤامرة الشهيرة، لكن في عالم الإعلام، والإعلام الفضائي تحديدا، حيث يمكن أن تصل الرسالة المقصودة بسرعة جزء من الثانية كطلقة مسدس، فإنني أرفع الحذر قليلا، لأن الدفق الآتي عبر الفضائيات في عالم ثورة المعلومات يجعل المؤامرة أحيانا ضرورة لا تفسير لما يحدث سواها.
مثلا، كلنا سمع بالظاهرة «الغنائية» المدعو «عمر سليمان»، وهو مغن من البادية السورية قذفته أسطح الدور في أرض الجزيرة من مطرب أعراس درجة «تيرسو» إلى أحضان العالم رمزا للأغنية التراثية العربية ورمزا للفن الحديث وموازيا موضوعيا لـ «إيديث بياف» أسطورة الغناء الفرنسي الراحلة ولسيلين ديون أيضا!
هذا التوصيف كله، ليس مني، ولا هو حتى سخرية من رجل هو ذاته مسخرة الزمان الذي نعيشه، بل كل ما ذكر ترجمة حرفية عن الفرنسية نقلا عن مذيع قناة «تي أم سي» الفرنسية التي استضافت عمر سليمان، ولبى دعوة القناة حسب مذيعها، بعد أكثر من رفض لدعواتها، واشترط التحدث بلهجته الجزراوية حتى لا يقول العالم إنه صار يحكي «أجنباوي» وتخلى عن أصله.
بصراحة، صرت أؤمن أن هناك استهدافا ممنهجا لسوريا، واغتيالا متعدد المستويات، من بينها هذا الاغتيال الفني الثقافي لأرض خصبة قدمت للعالم المسرح والموسيقى والغناء وكل أنواع الفنون بعد أن قدمت له الحرف الأول في الكتابة والنوتة الأولى في الموسيقى في «أوغاريت».
صعب أن تجد كل هذا الاحتفال المهرجاني في أوروبا، طبعا لا ألوم جمهوره الأوروبي الذي يرقص على «شطحاته»، مثلما فعلت مذيعات قناة بلجيكية فلامانية في برنامج صباحي ختموا به الحلقة بأغنية لعمر سليمان وقمن يتراقصن على الهواء، فهذا الجمهور يتم تلقيمه معلومة في كل مرة أن هذا الرجل ذو النظارات السوداء والشارب الكثيف وثوبه العربي وصوره العجيبة يمثل الفن السوري، وبالتماهي مع موجة تعاطف شعبية مع سوريا يصبح الرجل أسطورة بداعي الشفقة والتعاطف، على حساب بلد كان أول من محا أمية العالم.
وكما قال الصحافي والشاعر السوري هاني نديم، والذي لا يؤمن مثلي بنظرية المؤامرة في هذه القضية، فإنه لو تمت ترجمة كلمات ما يصدح به هذا الرجل للأوروبيين إلى لغتهم، مثل أغنية «حرام هب الهوا وطار الثوب»، لتغيرت الفكرة برمتها. لكنه الإعلام يا هاني.. الإعلام المنفلت في عصر دفق «الغيغا بايت».
صناعة «نجوم» الحوار في الأردن
صناعة فقاعات الهواء المنفوخة بغازات الاستهبال الوطني، صناعة معروفة في دول العالم الثالث، وفي الأردن هناك اتقان مدهش في تلك الصناعة، التي تنتج أسوأ وأردأ ما يمكن التعرف إليه من فقاعات بأسماء وصفات مختلفة مثل «إعلامي» أو آخر التقليعات بصياغة الصفات مثل «ناشط أو ناشطة وسائل تواصل» أو «ناشطة مجتمعية».
في الأردن، لدينا أحدهم يمارس التهريج على الفيسبوك، ومرة تعرض لحبس إثر قضية رفعها عليه نجل رئيس وزراء أسبق، فصار بطلا من ورق، وعاد لساحات حروبه الفيسبوكية وهرج كثيرا بمنطق السيرك الوطني الناقد، ونطنط حتى صار خبير محتوى، حسب إدارة شركة اتصال كبيرة، استثمرت فيه لتقدمه للمواطن ناشط وسائل تواصل يقدم محتوى، وتستضيفه الفضائيات الأردنية أحيانا نجما إعلاميا، يبدأ حديثه بكلمات مثل «أعتقد..» و «برأيي..».
هذا رعاية أهلية خاصة، من شركة خاصة، ومن حكم بماله ما ظلم، ومبروك عليهم. لكن المأساة أن تعمل الدولة نفسها على تربية وتسمين من لا يستحقون حتى الحديث في مجالس عزاء، لتخرجهم من أكاديمياتها «فوق الرسمية» نجوم سياسية وإعلام، وفقاعات هواء منفوخة بحجم السماء.
من هؤلاء من تم تسليمها برنامجا على التلفزيون الوطني قفزت إليه متجاوزة كل الإعلاميين الأكفاء ذوي الاختصاص، لتطبخ أسبوعيا مجموع تجميعات تحت مسمى «السياسة».
وبعد فشلها الواضح تم تكريسها نخبة إعلامية، وتقديمها ناشطة مجتمعية، كما حدث في حوار إذاعي بثته محطة إسلامية أردنية، حيث تحاورت تلك الفقاعة المنفوخة بالغاز الوطني، مع سيدة سياسية كانت نائبا في البرلمان السابق، وهي هند الفايز المشهورة بمعارضتها الشرسة للحكومات، وسقفها العالي في الحديث، وأنا أختلف كثيرا مع منهجية هند الفايز، لكن لا يمكن للحظة أن أفكر بإهانتها من خلال وضع محاورة لها في برنامج إذاعي.
مؤلم ما سمعته من حوار إذاعي، انتشر بعد ذلك، ليكشف كيف تنتج الدولة الجاهلة، أعداءها من داخلها.
الترفيه التلفزيوني صناعة أيضا
قناة دبي جريئة في الانتاج المبتكر على صعيد صناعة الترفيه التلفزيوني.
في البداية، كنت أتابع برنامج الكوميديان السعودي فايز المالكي بتحفظ، ربما لأنني لم أكن أحب متابعة فايز المالكي نفسه في أعماله الكوميدية، لكن بعد أكثر من حلقة من برنامجه «الحواري- الكوميدي – التمثيلي» (في بيتنا ضيف) وجدتني مشدودا للبرنامج، وفكرته الجميلة الجاذبة، من خلال الأداء اللطيف للطاقم، الذي أراه أبدع أكثر من فايز المالكي نفسه في تقديم معالجة كوميدية مع ضيوف الحلقات المتعددين من نجوم في الفن والغناء والإعلام.
الفكرة مجملها قائم على عائلة بسيطة، أبدع الإنتاج في تقديمها كأسرة عربية ممتدة من الخليج إلى مصر، وفي كل حلقة هناك ضيف ومحور للحلقة يتم من خلال سكتشات كوميدية فيها تقديم جوانب من شخصية الضيف النجم.
ترفيه لطيف ومحترم ولذيذ، ربما يحتاج ورشة كتاب أكثر تماسكا في معالجة السيناريو والنص الكوميدي.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة