عملية «درع الفرات» التركية في سوريا: الأكراد مقابل الأسد؟

حجم الخط
3

تتواصل في المناطق الحدودية السورية التركية التطورات بصورة سريعة، وبدأت أنقرة في 24 آب/اغسطس عميلة عسكرية في الشمال السوري بعد تطبيع علاقاتها بروسيا التي ضمنت لقواتها، حسب تقديرات الجانب التركي، تجنب التعرض لضربة فورية من قبل سلاح الجو الروسي عند عبورها الحدود السورية. كما ان هناك مؤشرات على التفاهم مع طهران.

خلفيات ومواقف

وأثارت عملية تركيا العسكرية التي أطلقت عليها «درع الفرات» والمدعومة من بعض قوى المعارضة السورية، في شمال سوريا الكثير من الاسئلة فيما انها ستسعى لضرب الدولة الإسلامية أم اجهاض خطط الأكراد وإقامة منطقة عازلة بين تركيا وسوريا. وهل جاءت بمباركة دولية وإقليمية، أم كانت قرارا تركيا بحتا لتصفية نفوذ القوى الكردية والدولة الإسلامية؟ والسؤال المهم يدور عن خلفيات الصمت الروسي على دخول تركيا الأراضي السورية. فبعد ان كانت موسكو قبل تطبيع العلاقات بين البلدين، توجه الانتقادات الحادة لتحركات أنقرة لاسيما تجاه الأكراد، راحت تخفف لهجة خطابها بعد اعتذار الرئيس أردوغان لبوتين عن اسقاط سلاح الجو التركي قاصفة روسية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي في الأجواء السورية واجتماع الرئيسين في قصر قسطنطين في سانت بطبرسبورغ في 9 آب/اغسطس الماضي وربما عقدت معها اتفاقات ستكون لها انعكاسات إقليمية هامة.
وثمة إجماع بين المراقبين أن عملية «درع الفرات» دفعت بتركيا لتكون اللاعب الثاني في سوريا بعد روسيا. ورغم ان أنقرة تقوم بالعملية دون موافقة النظام، إلا ان روسيا وإيران، تتحفظان على كيل النقد الحاد لأنقرة. فهل اتفقت روسيا وإيران على منح تركيا دورا جديدا في النزاع السوري المتواصل منذ خمس سنوات؟
اللافت ان روسيا على الصعيد الدبلوماسي أصدرت تعليقات محايدة بشأن دخول القوات التركية للأراضي السورية. فاكتفى البيان الرسمي للخارجية الروسية بالإشارة إلى ان موسكو تشعر «بالقلق العميق» من التطورات على الحدود التركية السورية بعد الإعلان عن ان القوات المسلحة التركية بدأت عملية في أراضي الجارة سوريا وان قوافل الدبابات التركية بالتفاعل مع فصائل المعارضة السورية المتحالفة معها عبرت الحدود السورية.
وقال البيان ان ما يبعث على القلق بالدرجة الأولى هو التصعيد في منطقة النزاع بما في ذلك الأخذ بالحسبان احتمال ان ترافق العملية سقوط ضحايا من المدنيين وتفاقم المواجهة القومية بين العرب والأكراد.
وفي ردها على سؤال عن سبب ان يكون بيان الخارجية الروسية إزاء دخول تركيا في الأراضي السورية «بيانا سياسيا خفيف اللهجة» قالت الناطقة الرسمية باسم الخارجية الروسية مارينا زاخاروفا في مؤتمرها الصحافي الاسبوعي: «ان البيان (ليس بلهجة خفيفة) وانما (بفهم دقيق) لكيفية القيام بمثل هذه العمليات، كما تم فيه طرح موقفنا الموضوعي، وانه لا ينطوي على تناقضات» وأشارت إلى ان العملية يجب ان تستند على القانون الدولي.
وعلى الرغم من ان الرئيس أردوغان كان قد أعلن ان هدف «درع الفرات» هو مكافحة الدولة الإسلامية إلا ان المراقبين الروس يجمعون على ان هدف أنقرة في سوريا هو تسوية المشكلة الكردية واحتوائها وتأمين منطقة عازلة، ويشيرون إلى ان الأكراد سارعوا بالحديث عن احتلال تركيا لأراضيهم. وحسب قراءات اؤلئك المحللين فان تفعيل تركيا العمليات الحربية في شمال سوريا يتيح لها عرقلة مساعي الأكراد إقامة منطقة حكم ذاتي لهم، وأخذ أنقرة المبادرة من الأكراد للتصدي للدولة الإسلامية، وبالتالي اجهاض ثمار انتصارهم. وستساعد سيطرة الجيش التركي والمعارضة المعتدلة على مدينة جرابلس، في تصفية عقدة هامة في النظام اللوجستي للدولة الإسلامية.
ولفت مراقبون إلى ان عملية «درع الفرات» التي شرعت بها القوات التركية، تغدو عاملا جديدا يمكن ان يؤدي إلى إعادة توزيع الأدوار بين القوى الدولية والإقليمية المشاركة في عملية التسوية السورية، ويرون ان موسكو تفضل الامتناع عن توجيه نقد حاد لأنقرة التي انتهكت سيادة الحليف الروسي في إشارة إلى سوريا.
وعلاوة على ذلك فانه وبعد المحادثة الهاتفية الجديدة التي جرت بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، التي كان موضوعها العملية التركية في سوريا، قال مصدر عسكري روسي ان موسكو وأنقرة تتبادلان بشكل وثيق المعلومات، وتقيمان الإتصالات على مستوى هيئات الأركان الحربية. وعلى حد قول المصدر فان وفدا عسكريا روسيا رفيع المستوى قد يزور أنقرة في الفترة القريبة المقبلة. وسيقوم على حد التعبير بالروسية بـ«ضبط الساعات» أي مراجعة المواقف بشأن القضية السورية مع نظرائه الأتراك. يذكر ان روسيا وبعد ان تطبيع العلاقات مع أنقرة لم تعد تنظر إلى تركيا كاحد القوى غير البناءة في سوريا.
وفيما قابل الأكراد ومنظمات حقوق الإنسان التدخل العملية التركية بالاحتجاج فان الموقف الروسي والإيراني يبدو ملفتا للنظر. ولم يستبعد بعض المراقبين في موسكو امكانية التوصل مسبقا خلال المباحثات التي أجراها الرئيس بوتين مع أردوغان وكذلك خلال المشاورات التركية/ الإيرانية إلى اتفاق حول العملية. ولا يستبعد ان يكون الرئيس أردوغان قد ناقش مع نظيره الروسي بوتين العملية العسكرية التركية بسوريا، خلال قمة العشرين في انطاليا صيف العام الماضي. وكان فلاديمير بوتين قد لمح أبان أزمة الطائرة خلال خطابة في 17 كانون الأول/ديسمبر الماضي إلى تحقيق اتفاق بذلك الشأن. وثمة مؤشرات على ان روسيا طلبت من دمشق عدم التقدم للأمم المتحدة بشكوى على تركيا لانتهاك حرمة الأراضي السورية. واكتفت وزارة خارجية النظام السوري بالتعبير عن الاحتجاج لدخول القوات التركية.

دور تركيا الجديد

وضمن هذا السياق نقلت وسائل إعلام عن مدير مركز روسيا الشرق/ الغرب فاديم سوتنيكوف، توضيحه ان جوهر تلك الاتفاقات يقضي في ان تتجاهل موسكو وإيران الحملة التركية ولا تعرقلها فيما ترد أنقرة على ذلك بتخفيف حدة موقفها من بشار الأسد الذي طالبت الحكومة التركية باطاحته على مدى خمس سنوات النزاع.
ويرى المراقب السياسي سيرغي ستروكان ان موسكو وطهران وبعد خمس سنوات من بداية النزاع السوري يمكن ان تكون قد وافقتا على الدور الجديد لأنقرة في سوريا. وفي الوقت الذي بدأت فيه تركيا بعملية «درع الفرات» فانها ستحصل على فرصة لتشغل الصدارة في التحالف الغربي الذي تترأسه الولايات المتحدة. وحسب تقييمه ان هذا السيناريو يبدو واقعيا إذا أخذنا بالحسبان ان إدارة أوباما المنتهية فترتها، غير مستعدة لإتخاذ أي خطوات حاسمة تهدف إلى تعزيز الزعامة الأمريكية.
وهناك توقعات بأن تركيا ستنشر حامية عسكرية مؤقتة في شمال سوريا لتمنع سيطرة الأكراد على المدن وتوحيد المناطق ذات الكثافة الكردية، وجعلها خالية من قوى سوريا الديمقراطية وبالتالي إقامة منطقة عازلة.
وترى تلك القراءات بانه وفي حال إذا ما تمكنت تركيا بانتهاج استراتيجية طويلة الأمد في شمال سوريا قائمة على تقويض نفوذ القوى غير البناءة، فسيتم تخفيض حدة الانفلات الأمني. وإذا أخذت روسيا على عاتقها دورا أكثر فعالية في حلب ففي مقدور البلدين وضع خطة طريق قابلة للتطبيق لتسوية الوضع في هذه المنطقة لاسيما وان الجانب الأمريكي لم يبد أي حماس للانشغال بهذه المشكلة.

عملية «درع الفرات» التركية في سوريا: الأكراد مقابل الأسد؟

د.فالح الحمراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية