«عميحاي» حية واتفاق أوسلوا مات

حجم الخط
0

في قلب السهل الخصب غرست يافطة بارزة للعيان هي لب القصة ـ سهل «شيلو» في السامرة يمتد من الغرب إلى الشرق، من «شوفوت راحيل» المحاذية لـ«شيلو» وحتى السفوح التي تصل إلى غور الأردن. كله مزروع بكروم العنب الأسود وأشجار الزيتون، وفوقها على التلال تنتصب البؤر الاستيطانية: أحيا، كيدا، ايش كودش وعدي عاد، التي أقيمت كلها بغير وجه قانوني ولا تزال معلقة فوق كل البيوت والمباني أوامر الهدم فيها. وها هي اليافطة التي تنصب في مدخل الطريق الترابي الذي يؤدي إلى «عميحاي»، البلدة الجديدة التي تقام في السهل، تعلن بجفاف عن تنفيذ أشغال في المكان بتوقيع من دولة إسرائيل، وزارة الداخلية والمجلس الإقليمي بنيامين، ما يقصد بقوله إن هذه البلدة هي قانونية ـ قانونية بدون غمزات.
في السنة الـ 25 للتوقيع على اتفاقات أوسلو، التي كان يفترض بها أن تؤدي إلى تقسيم المنطقة، وإخلاء مكثف للمستوطنات، وإقامة دولة فلسطينية واتفاق دائم، ها هي إسرائيل تعمق سيطرتها في يهودا والسامرة. وإلى مستوطنة «عميحاي»، الأولى التي تقام بقرار حكومي منذ وقعت الاتفاقات، ستلحق البؤر الاستيطانية المجاورة: الأولى ستكون «عدي عاد»، وتلحق بها كل الباقيات. معنى الخطوة مزدوج: تسوية مكانة البؤر الاستيطانية غير القانونية، وخلق فاصل إقليمي من الاستيطان اليهودي في عمق الضفة يقطع التواصل السكاني الفلسطيني. نظرة من إحدى التلال المشرفة على السهل والقرى الفلسطينية المجاورة له (ترمسعيّا، والمغيّر، وجالود، وقريوت) توضح جليًا أن اتفاقات أوسلو لم تعد ذات صلة. فالمشروع الاستيطاني اتسع وتكثف ولم يعد عملاً يمارس في ظلمة الليل بصعود عاجل إلى التلال، بل أضحى يتلقى ختم الحلال السياسي انطلاقًا من ميل واضح لاحباط كل إمكانية لتسوية الدولتين.
شبتاي بندت، رئيس فريق متابعة المستوطنات في «السلام الآن»، ينظر إلى الخرائط التي تظهر فيها المستوطنة الجديدة «»ميحاي»، ويطلب أن يسافر نحو مشاهد «نحمايا»، المستوطنة التي أقيمت كبؤرة استيطانية غير قانونية شرق «هرئيل». «إذا وقفت هناك ونظرت شرقًا سترى المستوطنات والبؤر على كل تلة، حتى طريق «الون» فوق الغور. فقد نشأت هناك كتلة استيطانية يهودية تنتشر على خلية أرض جغرافية كبرى. والمعنى هو أن المستوطنين نجحوا في خلق تواصل استيطاني، وثبّتوا وجودًا على الأرض. كتلة «شيلو» يفترض في كل اتفاق دائم مستقبلي أن تكون أرضًا فلسطينية، أما الآن فإن حكومة إسرائيل تقيم هناك مستوطنة ولا تزال تعتزم أن تضم إليها البؤر الاستيطانية غير القانونية كي تبيضها. هذه أماكن قررتها الدولة نفسها بأنها غير قانونية. والإدارة المدنية، ذراع الدولة، أصدرت ضدها أوامر هدم، وهذه ما يعتزمون تبييضها».

الهدف: 1100 عائلة

لقد ولدت مستوطنة «عميحاي» بإخلاء «عمونا». فالبؤرة الاستيطانية فوق «عوفرا» أخليت في شباط 2017. كانت تعيش هناك عند الإخلاء 40 عائلة، معظم هذا العائلات انتقلت إلى نزل الشبيبة في مدرسة «عوفرا» الدينية. أما الكفاح السياسي والجماهيري الذي خاضه سكان المكان فقد أدى إلى قرار الكابنت السياسي ـ الأمني لإقامة بلدة جديدة لمخلي البؤرة. يعد هذا بالنسبة للمستوطنين إنجازًا تاريخيًا: فمنذ وقعت اتفاقات أوسلو في بداية أيلول 1993، حرصت إسرائيل على ألا تقيم مستوطنات جديدة في يهودا والسامرة، أو على الأقل ليس بشكل مرتب بحكم قرار حكومي. وكانت سياسة كل حكومات إسرائيل منذ وقعت الاتفاقات هي عدم إقامة مستوطنات جديدة كي لا تستفز أعصاب الأمريكيين والأوروبيين، بحيث لا يتمكنوا من الادعاء بأن إسرائيل هي التي تحبط إمكانية تسوية مستقبلية مع الفلسطينيين. أما الآن فنحن في الكرفان الفيللا التي يحل فيها افيحاي بورون والتي تقع على قطعة أرض خصصت لعائلته في البلدة الجديدة. وقبل أربعة أشهر أنهى المقاول الذي استخدمته الدولة من تهيئة 60 قطعة أرض وجلبت الكرفانات الفيلل التي حل فيها مخلو «عمونه». وتضمنت أعمال البنية التحتية إقامة شبكة مجار، ومياه، وكهرباء، وطرق، وأرصفة، ونصب إضاءة شوارع، وبناء روضتين للأطفال وحديقة ألعاب جميلة دشنت الأسبوع الماضي. وفضلاعن الستين قطعة التي باتت جاهزة منذ الآن هناك خطة مقرة لتطوير بنية تحتية لـ 42 قطعة أرض أخرى في المكان. هذه هي الخطة التي هي في المدى القريب. وبالإجمال، فإن «عميحاي» حسب الخطط المقررة لها، ستتمكن من احتواء 1.100 منزل عائلة. هذه لن تكون مستوطنة صغيرة أخرى بل بلدة حقيقية.
الطريق الترابي ينتهي بعد نحو 100 متر ويصبح طريقًا معبدًا وجديدًا. بورون، الذي كان رئيس لجنة العمل لسكان «عمونه»، يفتح أمامنا حاوية كبيرة تلقاها من وزارة الدفاع كي يخزن فيها كل الأثاث والعتاد من البيت القديم الذي أخلي وهدم. 37 عائلة من «عمونه» تسكن منذ الآن في «عميحاي»، لكل واحدة منها حاوية أو اثنتان في قطعة الأرض التي سيبنى عليها بيتها الدائم. ويتبقى الآن للسكان الذين باتوا هنا أن يشتغلوا على مخططات البيوت. كل واحدة ومهندسها المعماري، وأن يرفعوا الطلب للحصول على ترخيص البناء من المجلس الإقليمي واستئجار مقاول.
يقول بورون: «قبل أن نأتي هنا توجهت إلينا عائلات طلبت الانضمام إلى البلدة الجديدة. لدينا قائمة من 70 عائلة تريد أن تقيم بيتها هنا. الطلب هنا كبير، انظروا إلى المشهد».
جلسنا في ساحة الكرفان الفيللا، التي خلفها على تلة بعيدة بيوت البؤرة «عدي عاد»، وعلى يميننا في واد واسع بقعة خضراء من كروم العنب الأسود، الكرم الذي يعود لبؤرة «أحيا». يقول بورون: «كافحنا في سبيل بيوتنا في «عمونه». أردنا أن نبقى هناك، وبعد الإخلاء خضنا كفاحًا كي نقيم بلدة قانونية. لم نرغب في أن نصعد مرة أخرى إلى استيطان مع نصف غمزة وربتة على الكتف في أن يكون كل شيء على ما يرام. وكان الاتفاق مع رئيس الوزراء أن تقام لنا بلدة في المكان الذي نختاره في منطقة مجلس بنيامين بالتنسيق مع مكتب رئيس الوزراء. وكان أحد الخيارات في قاعدة عسكرية شرق طريق «ألون»، على مسافة غير بعيدة من «ريمونيم». خيار آخر كان في منطقة «نافيه تسوف» (غرب «بنيامين»). وكان الخيار الثاني. اخترنا هذا المكان لأنه من الناحية القانونية كان الأكثر نضجًا للحصول على أذون البناء للبلدة. لم يكن هناك موضوع أيديولوجي في اختيار المكان، وتلخصت الأيديولوجيا في أن نقيم بلدة جديدة في يهودا والسامرة، قانونية، مع شعار بلدة، في ظل قول خاص مثالي وقومي».
ولكن المعنى التاريخي كان واضحًا أيضًا. «لهذا معنى مجنون. هذا قول للعالم بأننا نحن، شعب إسرائيل، نقيم هنا بلدة جديدة في قلب يهودا والسامرة انطلاقًا من مفهوم قومي يقول: نحن هنا إلى آبد الآبدين».
ويدعي بورون بأن إقامة «عميحاي» ترمز إلى تغيير فكري وتحول في ميل رئيس الوزراء نتنياهو. «قبل نحو ثلاث سنوات من إخلاء عمونه جلسنا مجموعة من السكان في مكتب المستشار القانوني لوزارة الدفاع، احاز بن آري، في الطابق الـ 14 للكرياه. كان على الغرب البحر المتوسط، وشرقنا جبال يهودا والسامرة. نظر بن آري شرقًا وقال: «أتفهمون بأنكم تتواجدون هناك مؤقتًا؟». سألنا ماذا يعني هذا، فأنت تتحدث عن بيوتنا، عن حياتنا، أجاب إنها الأسرة الدولة التي لن توافق على أن نبقى هناك إلى الأبد. فأجبته بأن من هو أعظم منا كان قد قال: ليس مهمًا ما يقوله الأغيار، بل المهم ما يفعله اليهود، ثم تودعنا بسلام. هذا هو الفهم السائد في الموظفية الإسرائيلية التي تقرر وتدير جدول الأعمال. إنه المفهوم الذي يقول إن الواقع في يهودا والسامرة يدار كورقة مساومة في الطريق إلى التسوية مع الفلسطينيين. يبقون حياتنا في المناطق قيد الانتظار. ولهذا فإن البناء لا يكون إلا في داخل الجدار. هكذا بحيث إن إقامة «عميحاي» هي قول للموظفية وللأسرة الدولية بأننا انتهينا من الآنية ونسير إلى الأمام. نقيم بلدة جديدة في قلب المنطقة. ولا تعد هذه بلدة جديدة فحسب، بل إنها تشرعن كل النقاط الاستيطانية هنا في المنطقة. نحن نخرج من الجدار ونقيم بلدة تكمل حاجزًا من الاستيطان اليهودي من الشاطئ في تل أبيب حتى غور الأردن. هذا ينهي إمكانية إقامة دولة عربية في ظهر الجبل. وهذا ليس قول شخصي مني، أنا أفيحاي، بل من رئيس الوزراء، ومن كل حكومة إسرائيل، التي صوتت بالإجماع على إقامة «عميحاي»، من دولة إسرائيل.
عند الظهر خرجنا من «عميحاي» في الطريق الترابي وتوجهنا يمينًا في الطريق الذي يجتاز سهل «شيلو». كرم الزيتون وبعده كرم العنب، والتفافة إلى اليسار إلى بؤرتي «»كيدا و«ايش كودش». تواصل الطريق يؤدي بنا إلى بوابة حديدية كهربائية منها يتواصل الطريق إلى الأسفل نحو طريق «ألون» التي تحاذي غور الأردن من الغرب. وحتى قبل البوابة الحديدية نتجه يمينًا إلى التلة التي تقوم فوقها «عدي عاد»، يافطة خشبية تبشر بالدخول إليها تقول: «ثقوا بها ـ عدي عاد».

«مسار السلب»

نشرت منظمة «يش دين» (يوجد قانون) قبل نحو 4 سنوات تقريرًا بعنوان «مسار السلب» الذي يعنى بتاريخ إقامة البؤرة ومواجهات سكانها مع الفلسطينيين الذين يسكنون في المنطقة. زيف شتهل، مديرة البحث في المنظمة وكاتبة التقرير، تروي عن التماس رفع إلى العليا في 2014 ضد الدولة على معالجتها لـ«عدي عاد»، وتقول: «الحجة المركزية في الالتماس تقول إن 26 في المئة من البؤرة تقوم على أرض خاصة للفلسطينيين، وهي تشكل مركزًا للعنف وانتهاك القانون. وفي أثناء السنوات الماضية نقلت الدولة ستة مبان في البؤرة إلى أراضي دولة. كما أبلغت المحكمة بأنها ستشرعن البؤرة، ولكن لم يكن واضحًا كيف ستفعل هذا. وفي كانون الثاني أصدرت العليا قرارًا أعطت فيه الدولة تسعة أشهر لشرعنة البؤرة، حتى أيلول من هذا العام، الذي سرعان ما يحل. وقبل أسبوعين أعلنت الإدارة للعليا بأن خطة لتوسيع أراضي الحكم لـ«عميحاي» قد تبلورت، بحيث تضم «عدي عاد» أيضًا».
يا لها من رمزية! فقد أقيمت «عدي عاد» في ربيع 1998 ردا على اتفاق «واي» الذي كان جزءًا من سلسلة اتفاقات أوسلو. وعني الاتفاق بنقل أراض للفلسطينيين من الأراضي ج إلى ب ومن ب إلى أ. وبالإجمال نقلت في إطار اتفاق «واي» 10 في المئة من أراضي الضفة إلى سيطرة فلسطينية كاملة. وكان وقع عليه في حينه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
لم تكن «عدي عاد» ردًا استيطانيًا من البطن، فالمستوطنون الذين تمركزوا على تلة بارتفاع 845 مترًا فوق سطح البحر مع مشهد بانورامي للغور ولسهل «شيلو»، ركز على العمل الزراعي. وقسم من الأراضي التي بدأوا يفلحونها كانت بملكية فلسطينية. وسجلت هنا على مدى السنين مئات المواجهات بين المستوطنين وجيرانهم العرب. وتقول شتهل إن المواجهات وتقليص الأراضي الزراعية لسكان القرى الفلسطينيين أدت إلى هجرة سلبية في القرى المجاورة. وهي تقول: «ثمة ترك للسكان من القرى المجاورة لسهل «شيلو»، ولا سيما من الشباب، ممن ليس لهم ببساطة جدوى اقتصادية. فقد خنقت البؤر الاستيطانية هذه القرى».
حصل هذا في الأيام التي كانت اتفاقات أوسلو لا تزال على الطاولة وكان للفلسطينيين أمل بالاستقلال. يعرف بورون ورفاقه في إدارة الاستيطان اليهودي في المناطق جيدًا هذا التاريخ. ويقول بورون قبل أن يودعنا إن «أوسلو كان مصيبة؛ فقد الحق ضرًرا هائلاوجبى ثمنًا بأكثر من ألف ضحية إسرائيلية. خير أن هذا الاتفاق قد مات، وقضى نحبه. الحكومة الحالية تعمل قدر الإمكان على تقليص أمل الفلسطينيين في دولة. القول إنه لن تقوم دولة فلسطينية تطبق على الأرض عمليًا، والدليل هو «عميحاي» التي توضح إقامتها للفلسطينين بأن الاستيطان اليهودي لن يُخلى فحسب، بل إن العكس هو ما يحصل».

يديعوت 24/8/2018

«عميحاي» حية واتفاق أوسلوا مات
مستوطنة جديدة لـ«مخلي عمونه» تقضي على أمل اقامة دولة فلسطينية في ظهر الجبل
عوديد شالوم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية