عناصر مستجدة في العمليات الإرهابية ضد السعودية

حجم الخط
11

رغم ما سبقها من عمليّات كثيرة في السعودية فإن التفجيرات الانتحاريّة الثلاثة التي جرت في السعودية تقدّم وضعاً جديداً غير مسبوق.
تظهر العمليات، بداية، مخطّطاً لضرب ثلاث مدن سعودية في توقيت متقارب مما يدلّ على شكل من القيادة المركزية تستطيع تجنيد وتسليح عناصر وتوقيت تحرّكها للقيام بعمل إرهابيّ منظّم.
حصلت العمليات في ثلاثة مواقع: مركز أمنيّ قرب المسجد الحرام، والقنصلية الأمريكية في مدينة جدّة، ومسجد شيعي في مدينة القطيف، وبحسب وصف السلطات لتفاصيل الحادثة الأولى فقد كان ممكناً أن يفجّر الانتحاريّ نفسه في جمع من المصلّين، فيما كانت العمليّات السابقة تستهدف أقلّيات دينية وعناصر أمن كما أن الهجوم على القنصلية الأمريكية متوقّع لاستهداف العناصر المتشددة المستمرّ للأجانب.
الجديد أيضاً في موجة العمليات الأخيرة هو أن أحد منفّذيها باكستانيّ الجنسيّة كان مقيما في المملكة لمدة 12 عاماً، وهي إشارة من التنظيم الذي نفّذ الهجمات إلى أن تجنيده لا يقتصر على السعوديين بل يضمّ جنسيّات أخرى وهو ما يفتح باباً أوسع للاحتمالات التي على الأجهزة الأمنية السعودية احتسابها والتحوّط منها.
إضافة إلى حصول العمليّات في رمضان، يثير استهداف المسجد النبويّ أسئلة حول إمكان وجود استراتيجية جديدة لتنفيذ الإرهاب في المملكة تخرج من دائرة استهداف الشيعة وعناصر الأمن إلى استهداف المواقع الإسلاميّة المقدّسة وزوّارها، وهو ما اعتبره رئيس مجلس الشورى السعودي «سابقة في الفساد في الأرض»، لكنّه، في الحقيقة، يذكّر، رغم فرادته، بحادثة احتلال الحرم المكّي من قبل جماعة جهيمان العتيبي عام 1979 والتي انتهت باقتحام السلطات للمسجد والقبض على عناصر الجماعة ومحاكمتهم ثم إعدامهم.
يلفت النظر في العمليات الأخيرة في السعودية حصول ما يشبه الإجماع على إدانتها ضمّ أطرافاً (كإيران و«حزب الله» اللبناني) كانت لا تنفكّ تتّهم المملكة بتمويل «الدولة الإسلامية» وتجمع بينهما بصفات التكفيريّة معتبرة الوهابية مصدراً فكريّاً للإرهاب، فتناقض نفسها لحظة، ثم تعاود عداءها المذهبيّ للسعوديّة بإعادة لومها على ما يحصل فيها، في اللحظة الثانية.
بسبب صدورها عن عداء مذهبيّ يتخفّى بقناع السياسة، تتجاهل هذه الاتهامات للسعودية، أن مبدأ تيّار السلفيّة المسلحة الأول – الذي كان تنظيم «القاعدة» أحد تجلّياته – كان إسقاط النظام السعوديّ على خلفيّة تعاونه مع أمريكا والدول الغربيّة، ولا يمثّل استهداف طائفتي الشيعة والإسماعيليين – في السعوديّة على الأقلّ – غير نشاط جانبيّ يستهدف إحراج الرياض وأجهزتها الأمنيّة واللعب على وتر النزاعات الطائفيّة والإقليمية.
تمثّل العلاقة مع الغرب أحد أسس النظام في السعودية، وهي علاقة كانت مركزاً لتلقّي المملكة ضغوطاً من شباب ناقم على نمط الحياة وطرق الحكم في البلاد، وكانت سبل النقمة تتلوّن، بسبب طبيعة المجتمع السعودي، بألوان سلفيّة عنيفة تتفاعل مع ما يحصل في العالم الإسلامي عموماً، والمنطقة العربيّة خصوصاً، لكن الاحتلال الأمريكي للعراق من خلال الأراضي السعودية كان الصاعق المفجّر للعنف الدمويّ الكبير الذي نشهده حاليّاً.
ليس من المتوقّع بالتأكيد من منفذي العمليّات الإرهابيّة أن يلتزموا باحترام مقدّسات دينيّة أو أخلاقية أو أن يهتمّوا بالحفاظ على حياة المدنيين، ولعلّهم يجدون تبريرات لأفعالهم فيما تفعله دول كبرى كأمريكا وروسيا (وصغرى كإسرائيل ونظامي العراق وسوريا) تصنع بدورها إرهاب الدولة المعمّم ولا تقيم أدنى احترام لحياة البشر ولا لمقدّساتهم ولا لحقوقهم، فيتماهى مناهضو روسيا وأمريكا وإسرائيل الافتراضيون وينغمس الجميع في لعبة احتقار الروح البشرية باستثناء أن إرهاب الجماعات المتطرّفة رخيص الكلفة ولا يحتاج لطائرات مقاتلة وصواريخ وطائرات بدون طيّار وميزانيات داخلية ودفاع واستيطان وسجون.
إذا لم يتوقّف إرهاب الكبار (الاحتلال والاستيطان والاستبداد) فما هي احتمالات الخلاص من إرهاب الصغار؟

عناصر مستجدة في العمليات الإرهابية ضد السعودية

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية