مبرِّرًا كثرة كلماته؛ كتب كليفورد إلى حبيبته الليدي تشاتيرلي: «حسنًا… كلمات كثيرةٌ لأنّني لا أستطيع لمسكِ». هي بعيدةٌ إذن، الكلمات كثيرة بالضّرورة. ليس مجرَّد اللمس ما يُريده كليفورد، بل هو يرعى بإطالة خطابه تلك الملامسة.
الخطاب بين كليفورد وحبيبته كتابةً، ربّما، ليس الإعلان الأجمل على الإطلاق للفشل فحسب، بل هو تلبُّثٌ مزهوٌ بهذا الفشل. لا يُريد الكاتب سوى خلق استحواذٍ مستمِّرٍ. بينما يكتب كليفورد إلى حبيبته، يرعى طبعه المحِبَّ للتّملّك. أيكون محتَملًا أنْ تكون الكتابة، ولو إلى أحبِّ المخلوقات إلينا، شهوةَ سلطة فحسب؟
كتب غوستاف فلوبير إلى لويز كوليه: «أريدُ أنْ أصيبك بالذّهول، لتعترفي بينك وبين نفسك بأنّكِ لم تحلمي أبدًا بانتقال لذيذ يُشبه هذا. حين تكبرين أريدكِ أنْ تتذكّري هذه السّاعات القصيرة، وأريد لعظامكِ الذّابلة أنْ ترتجف وقتها من المتعة». ما الّذي يريده حقًّا فلوبير حدَّ أنْ يُجيز لنفسه أنْ يُريد ما بين كوليه وبين نفسها؟
تفضح «أُريد» تمركز الخطاب حول الذّات تمركزًا يشتدُّ عنادًا، للمفارقة، في الحبّ، أستدير نحو ذاتي، وأرعى خطابًا سلطويًّا من طبعه الخلود: الحصن الأخير الّذي ألوذ به بعد إدراك بدا أكثر حقيقة من أنْ يُحتمَل. يُدرك المحبُّ أنّه لن يعرف الآخر أبدًا، ويتألّم لذلك. وبينما يكتب إليه، يشيّد جسرًا من الكلمات. جسرًا من جهةٍ أشدُّ غرورًا من أنْ يفنى، ومن جهةٍ أخرى، أشدُّ هشاشةً منْ أنْ يُعوّل عليه. ويتألّم مرّةً أخرى بهذا الإدراك.
حملَتْ أطرافُ كلمات كليفورد أصابعَ لمست تشاتيرلي وغلّفتها. اللغة، عند بارت، جِلْد؛ أحكّ لغتي بالآخر. أرتدُّ إلى قوّة اللغة بعد إدراك آخر: استحالة التمكّن من البرهنة على الحبِّ. من أجل هذا ربّما، كان ألم «آنّا» أفظع من أنْ يُحتمَل.
أراد تولستوي ألّا تلعن آنّا لذّةُ الكتابة، لكنّها لمْ تكنْ أقلَّ نُضجًا بسبب ذلك؛ منعت آنّا فرونسكي من التّفوّه بالاعتراف بحبّه، الحبّ عندها «كلمة رهيبة». إذن، ربّما، أدركت آنّا أنّ هذه الكلمة دون سواها من الكلمات، تكفّ عن الدّلالة فور الاعتراف بها، مهما أحسّت أنّها، بهذا المنع تحديدًا تؤجّج رغبة فيه، لا تُقاوَم، بالحديث عن الحبّ. آنّا لم تكتب رسائل مطلقًا إلى فرونسكي، محض برقيّات فحسب. هل كان يُمكن أنْ تكون نهايتها أقلّ مأساويّة لو أنّها كتبت إليه؟ ربّما حينئذٍ، كانت حاجتها للتّخلّص ممّا برّح بها من قلق أشدَّ إلحاحًا؛ فالكتابة أحيانًا، نكء لئيم لجروح غائرة، إذ تتجلّى للكاتب بوضوح لاذع كشكلٍ فظٍّ للوحدة لا يُطاق. البديل أشدُّ شناعةٍ بحقّ، ينتهي بأحسن أحواله كما عروس درويش في «أغنية زفاف». هي وآنّا، تحاكيان، على نحو ساخر: أناتَ تمضي، امرأتان لا تتصالحان، أجهزت إحداهما على الأخرى بإتقان. أسوأهنَّ على الإطلاق، عروس درويش في قولها: «روحي تطلّ على جسدي من أصابعك العشر». لم تحترف العروس مهما حنّت إلى سوسن آخر، لعبة التّأويل والتّحيّز المفرط للّغة؛ لم تخف بما فيه الكفاية، فصيّرت روحهَا طوعَ هوائه وبنانه.
أنتَ بعيد إذًا، وأنا ماذا أفعل؟ لا شيء… أمدُّ جسرًا من الكلمات، لا أعرف بحقٍّ إنْ كان بيني وبينك؛ فأنا أكتب إليك بعجز فظيع عن التّغافل عمّا يحتضر منك ومنّي بين أصابعي والورقة… أُمارس وحيدة بحقٍّ، وبلذّة بالغة فعل الكتابة إليك، فعل خلق وخنق. دعني أفصّل لك مقدار ما أحتمل من الألم: أتألّم لبُعدِك، ولصمتك، ولإلحاح رغبتي في الكتابة إليك، ولحرماني من نُبل الصّمت، ولقتلي منّي كلّ ما يصل إليك، وأخيرًا، لإدراكي أنّ كلّ الآلام مجانيّة. أعرف أنّ الكتابة لن تعوّضني ما أُريدك عليه، لكنّني بها إليك، أُمارس متعتي وسيادتي، وما لا أستغني عنه أبدًا: عزلتي. الحياة غير ممكنة بدون كذِب، أليس كذلك؟ اسمعني إذن: لا يُعجبك مطر ينهمر عليك من أناملي؟ لا تحنق؛ فما أفعله لا يعني سوى أنّ العالم ليس مكانًا جيّدًا بما فيه الكفاية لنكون فيه معًا…
كاتبة أردنية
مروه شواش