كثيرا ما تتسبب السياسة الرسمية المصرية في ضياع الفرص، مع وجود سوس ينخر في عظام المجتمع ويفاقم من مشاكله.. ونجدها متهاونة مع جماعات الضغط المالي ومع قوى الابتزاز الصهيو غربي، وتمكنها من التأثير على مقدرات مصر في السياسة والاقتصاد والمال، وجماعات الضغط المالي على وشك السيطرة على السلطة التشريعية. والقلق من أن تنجح في فتح الأبواب أمام التدخل الأجنبي.. وتكرار المأساة العراقية مع بلد كثيرا ما كانت أرضها مقبرة للغزاة..
مصر تتعرض لمخاطر جمة.. وهناك صور عديدة لتشجيع الهاربين والمنفيين؛ قسرا أو اختيارا، على العمل ضد بلدهم.. وتجهيز أعداد منهم ليعودوا مرشدين وأدلة ومترجمين في بطون طائرات وعلى ظهور دبابات ومدرعات التدخل الأجنبي؛ لا قدر الله!!.. واستغل حادث الطائرة الروسية ثم القبض على رجل الأعمال صلاح دياب وولده توفيق؛ استُغل للتعبئة ضد مصر وورقة ابتزاز في يد جماعات المصالح وجماعات العنف المسلح والقوى المهيأة للتآمر.
وأرجو المعذرة إذا ما لجأت لمبدأ «فذكر إن الذكرى تنفع المؤمنين»؛ الوارد في سورة الذاريات؛ للإشارة إلى ما سبق نشره على هذه الصفحة.. ومنه التنبيه لخطر عائلات وأسر أثْرت وتجبرت بالعمل في مجالات «التطبيع والشراكة الصهيونية»!.. ومما ذكر في هذا الصدد جاء في تناول ظاهرة الانفصام السياسي التي ظهرت في تأبين الكاتب المسرحي علي سالم، (نشر في 03/ 10/ 2015) وقد كان من أكبر وأهم المتحمسين لـ»صهينة الفكر والثقافة والسياسة المصرية والعربية»، ومقابل ذلك مُنح الدكتوراة الفخرية من جامعة بن غوريون عام 2005، وفاز بـ«جائزة الشجاعة المدنية» الأمريكية؛ من مؤسسة تراين عام 2008، وقيمتها 50 ألف دولار أمريكي.. ودعوة لزيارة الدولة الصهيونية عام 1994 (العام التالي لتوقيع اتفاقية أوسلو الأولى).. وسجل الزيارة في كتاب نُشر في مصر بعنوان: (رحلة إلى إسرائيل). وتُرجم إلى اللغتين العبرية والانكليزية، وبعدها لم تنقطع زياراته إلى دولة الاغتصاب والفصل العنصري.
وأشرنا إلى الأصابع الصهيونية في صناعة أزمات مصر الزراعية والغذائية (30/ 05/ 2015)؛ في مقال تضمن معلومات عن رجل الأعمال المعروف بـ»رجل الصهيونية الأول في مصر»، ويستحوذ على أكبر شراكة مع الدولة الصهيونية.. وتهيمن عائلته على 70٪ من التوكيلات الأمريكية.. وتنافس وتشارك نجيب ساويرس في تمويل وملكية صحيفة يومية.. بالإضافة إلى استحواذهم على 43 توكيلاً أمريكيا؛ بينها توكيل شركة «هاليبرتون» للنفط؛ وصاحبها نائب الرئيس الأمريكي الأسبق «ديك تشيني». وذكرنا أن بينهم شقيقا يحتكر النشاط الزراعي المشترك مع الدولة الصهيونية، ويستورد منها آلات ري وبذور وشتلات وموز وبطيخ وتفاح. ويستعين بشركات وخبرات صهيونية للسيطرة على سوق المحاصيل والمنتجات والسلع الغذائية، وامتد نشاط هذه الأسرة إلى تجارة الذهب.
ومن بين تلك العائلة متهمون منذ 2011 بالاستيلاء على أراضي الدولة، وعلى مساحات واسعة من منطقة «برقاش» بمحافظة الجيزة؛ وجاء ذلك في بلاغات رسمية مقدمة للنائب العام عام 2011، وهي من بين التهم الموجهة لصلاح دياب وابنه توفيق، وتسببت في القبض عليهما، وقد أفرج عنهما يوم الأربعاء الماضي بكفالة 50 ألف جنيه للأب و10 آلاف للابن، والسماح لـ16 آخرين بالتصرف فى أموالهم، التي جمدت مؤخرا؛ عدا أرض «نيو جيزة» لحين إنهاء التحقيقات.
وبقدرة قادر تحولت التهمة من حيازة سلاح واستيلاء على أراضي الدولة إلى «قضية رأي».. وهذه من تجليات الزواج المحرم بين رجال المال والإعلام.. وبعضه «مؤمرك ومصهين».. ويلبي مطالب الجماعات المتربصة بالبلد.. ويساند من يسعون للاستحواذ على مجلس النواب الجديد.. وتحولت المعركة الانتخابية إلى «سوق نخاسة» لبيع وشراء المرشحين والنواب ومقاعد البرلمان.. وتغيرت قواعد هذا السوق الانتخابي.. وبعد أن كان التركيز على شراء صوت الناخب يشتري المقعد البرلماني ومن يجلس عليه لأول مرة في تاريخ الفساد الانتخابي.. وذلك بهدف الاستيلاء على السلطة التشريعية واستكمال إحكام القبضة على سلطات الدولة كلها!!.
ولأن كثيرا من رجال الحكم يفتقدون الخيال وأحيانا يبدون وكأنهم بلا عقل؛ وهذا من أهم أسباب ضياع هوية الحكم، وغياب رؤيته وخططه، والعمل بالقطعة أو بطريقة تجارة التجزئة؛ بعد أن أعطي ظهره للثورة، فتربعت العشوائية على عرش السياسة الحكومية.. ومن تجلياتها ذلك الإصرار على بناء «عاصمة إدارية جديدة»(!!).
وسأل سائل هذه العاصمة لمن؟ قلنا منتجع جديدـ يُضم لمنتجعات رجال المال والأعمال المنتشرة في أنحاء البلاد.. ومعها تتفاقم وتتضخم عشوائيات الفقراء والمعدمين.. وبها يتشبه رجال الإدارة والحكم بأباطرة الفساد ويقلدون أصحاب الثروات الحرام، الذين هجروا القاهرة؛ أحد أهم عواصم العالم؛ فثقافتهم المحدودة لا تسمح ولا تستوعب العيش في عاصمة عريقة لها تاريخ.. وهويتها ذات عمق.. ولها شخصية آسرة.. ويحيطها فضاء يتسم بعبق التراث والثقافة والدين والعمارة والفنون وكل مجالات الإبداع.. وكم أهانوها وشوهوها، وها هم يهربون منها.
ولن يكون حظ العاصمة الجديدة أفضل من مدينة السادات، وقد أقيمت كعاصمة للسادات؛ تتبع محافظة المنوفية مسقط رأسه.. وموقعها لم يكن له علاقة بالمنوفية؛ إنما أُقتُطع من محافظة البحيرة المجاورة.. وترتب على ذلك حساسيات بين أهل المنطقة ما زالت قائمة حتى اليوم.
والعاصمة الجديدة ستبنى بالأمر المباشر؛ بعيداعن أهل الاختصاص وخبراء المعمار والعمران وبعيدا عن رأي الشعب.. والعواصم لا تبنى بالأمر المباشر، وليست من أعمال شركات المقاولات ولا من مهام المقاولين.. ولا تبنيها القروض.. ومصر في أزمتها الخانقة لا تملك ترف بناء منتجع جديد لأهل الحكم والإدارة، وهل هناك جدوى لوجود عاصمة أخرى تنافس القاهرة؛ قامة وقيمة وتاريخا وموقعا عبقريا ضارب في عمق التاريخ.
هناك من يقول بأن الهدف من العاصمة الجديدة هو ما يتحقق من عائد مالي لبيع أراضيها لتغطية عجز الموازنة. وتسديد قروض البناء التي تصل إلى 43 مليار دولار. وإذا كان ولا بد من عاصمة جديدة، فلا يجب أن تقام بغير استفتاء شعبي.. ونحن لا نريد لها أن تكون خصما من رصيد أجيال لم تر نور الحياة بعد.. وهذا استمرار لثقافة »المستوطنات» المقامة على هيئة منتجعات ومدن وأحياء مغلقة؛ تُخرج لسانها للناس وتثير حفيظتهم!.
وكما قلنا السبت الماضي ليست مشكلة المصريين مع الإنجازات المتحققة، إنما المشكلة في الفلسفة والجدوى.. فما زالت المشروعات غير إنتاجية.. وبلد لا ينتج يتنازل عن حقه في الحياة الكريمة.. والمصريون بطبيعتهم منتجون، ولا يجب أن يبقوا عالة على الغير.. وعليهم أن يستهلكوا مما ينتجون، والاهتمام بالاستيراد للاستهلاك وإهمال الانتاج هو الذي جعل من أصحاب التوكيلات والوسطاء أباطرة العصر، ومكنهم من تشكيل ما يشبه الحكومة الموازية القادرة على الضغط والابتزاز، والدولة من جانبها تخضع وتتجاهل ذلك. وفوق هذا وذاك لا تخطو خطوة واحدة نحو «العدالة الاجتماعية» وتكتفي بطلب التبرعات والصدقات، وذلك لا يحقق تقدما ولا يبني اقتصادا، ويعتمد على أفكار على غرار فكرة «العاصمة الإدارية الجديدة»!!
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب