«عندما تدوي المدافع»… من ساوباولو إلى أم الفحم

حجم الخط
0

الناصرة : «القدس العربي» «عندما تدوي المدافع لا يسكت الإلهام» عنوان معرض لفنان تشكيلي يهودي شيوعي معاد للصهيونية، يعرض الآن في مدينة أم الفحم داخل أراضي 48 ويشمل رسومات مستلهمة من القصف الوحشي الذي تعرضت له بيروت، بغداد وبلغراد في أوقات متفاوتة، وأخرى تعبر عن مأساة تعذيب وقتل مناضلي الحرية في البرازيل.
المعرض افتتح في أم الفحم بمشاركة الفنان غرشون كنسيبل وهو يهودي أصله من البرازيل وعضو في الحزبين الشيوعيين الإسرائيلي والبرازيلي، وقد تبرع بنحو عشرين من لوحاته بقيمة مئة ألف دولار لمتحف الغاليري في المدينة. في كلمته أوضح الفنان كنسيبل أن رسوماته تأتي ردا على الروح الشريرة وعلى مجرمي الحروب، ولذا اختار هذا العنوان لمعرضه. وأضاف «هناك مثل بالعبرية أصوله ترتبط بالأساطير اليونانية يقول: حينما تدوي المدافع تصمت الأقلام، ويسكت الإلهام ولا مكان للعواطف. وأنا أرفض هذه المقولة وأقول بالعكس ينبغي أن تستفز جرائم الحروب مشاعرنا ونعبر عنها رافضين انتهاكات المجرمين، خاصة أننا أمام حكومة إسرائيلية عدوانية ومجنونة تتجه للتصادم مع كل العالم، وينبغي التصدي لها».
يشمل المعرض أيضا أعمالا فنية من عام 2000 عرضت في ساوباولو داخل عمارة «دوفس» حيث كان مقر شرطة الطغمة العسكرية الحاكمة في البرازيل. بعد القضاء على نظام الرعب هناك جرى تحويل البناية القديمة إلى متحف بعنوان «نصب المقاومة» وافتتح فيه معرض «عندما تدوي المدافع لا يصمت الإلهام» الذي تم استعارته في معرض أم الفحم. بعد اختتام المعرض في موقعه الأصلي في ساو باولو، انتقلت الأعمال الفنية إلى مواقع أخرى، وفي كل مرة كان كنسيبل يعمل عليها من جديد، وكما قال: «لنعلم أن العمل على مثل هذه الأعمال الضخمة المكرسة لمواضيع مشحونة جدًا لا ينتهي أبدًا».

الرسومات

الأعمال المعروضة في أم الفحم تتناول فصلين من تلك السلسلة الكبيرة التي عُرضت في ساو باولو وتركزت حول الفظائع التي وقعت في القرن العشرين. ثلاثة من الأعمال الخمسة تتناول قصف المدن: بغداد، بلغراد، بيروت، والعملان الآخران يتناولان موضوعات تتعلق بمواضيع مرتبطة بالبرازيل: العمل الأول يتناول قضية التعذيب وقتل مناضلي الحرية أمثال فلاديمير هرتسوغ، الصحافي اليهودي، وأولغا باينرو زوجة أمين الحزب الشيوعي (الملقب «فارس الأمل»). اللوحة التي تفتتح المعرض وتستقبل الزوار تتناول هذه الأحداث والبورتريهات العينية للمعذبين عبر كولاج رسم كبير الحجم. اللوحة الثانية مكرسة لذكرى مغني الشعب الملحن التشيلي فيكتور جارا الذي أعدم مع مئات من زملائه في استاد سانتياغو دي تشيلي في يوم انطلاق الثورة في 1973. تشكل هذه الرسومات بالنسبة لكنسيبل جزءًا من سيرة ذاتية قاسية، حيث جرى اعتقال بعض أصدقائه وزملائه في البرازيل من قبل الطغمة العسكرية وتعذيبهم، بل إن بعضهم اختفى وبقي مصيرهم مجهولا.

المطبوعات الفنية

تُعرض في أم الفحم مطبوعات شاشة حريرية من الألبوم الذي أنتجه كنسيبل (2002-2008)، فترة قصيرة بعد اختتام معرضه في «نصب المقاومة»، وبالتعاون مع صديقه الرسام والمعماري الشهير أوسكار نيماير. هذه المطبوعات مكرسة «للسلام ولعالم أفضل» (مثلما سجل نيماير على واحدة منها)، التي تتميز بتضمينها كف يد كبيرة، «يد التحذير» كما يؤكد كنسيبل. تذكر كف اليد هذه بالنصب التذكاري الإسمنتي (نصب تذكاري لأمريكا اللاتينية)، الذي وضعه نيماير في التسعينيات في مجمع الذاكرة في ساو باولو، اليد التي يرسم دمها النازف خريطة أمريكا اللاتينية.

رسوم إيضاحية لألكسندر بين

في القاعة المجاورة تُعرض سلسلة سابقة من أعمال كنسيبل، رسومات إيضاحية لقصائد الشاعر ألكسندر بين التي زينت ديوانه «على مر الطريق» (1956)، والتي أصدرها لاحقًا في ألبوم مطبوعات فنية.
منذ الخمسينيات كان كنسيبل ينتمي إلى تيار الفن اليساري الذي لجأ إلى الحوار مع الجمهور العريض، خاصة بواسطة أعمال جدارية قادرة على التواصل مع الجماهير على نحو أفضل من المتاحف. ضمت هذه المجموعة عدة فنانين أنتجوا أعمالًا في الفضاء العام تناولت الأحداث الآنية بأسلوب تصويري يدعو إلى التضامن لكنهم لم يتطرقوا كثيرًا إلى موضوعات الحرب بشكل مباشر. لكن موقف كنسيبل الذي شهد فنه عملية تبلور وصقل خلال فترة نشاطه الشيوعي في البرازيل يؤكد أنه لا ينبغي للإلهام أن يصمت، خاصة في فترات العنف والصراع وأن على الفنانين العمل والتأثير.
نشط كنسيبل في البلاد أيضًا، وسبق أن شارك الفنان الفلسطيني عبد عابدي في تصميم النصب التذكاري ليوم الأرض في مدينة سخنين عام 1978. ويوضح القائم على غاليري أم الفحم سعيد أبو شقرة لـ»القدس العربي» أنه مع الوقت تعاظم الجانب النحتي في رسومات كنسيبل، فأصبحت الخطوط أكثر حرية وتضيف بعدا ثلاثي الأبعاد على الحيز، كأنها تدعو المتلقي للدخول إلى المشهد، ربما على غرار الديوراما.
ويشير إلى أنه رغب باستضافة غرشون كنسيبل لأنه مناضل من أجل الحرية مثابر لا يتردد في عرض مواقفه الواضحة المناصرة للحق الفلسطيني. وأشاد به كفنان ناشط في البرازيل ضمن مجالات الثقافة والفنون في الأعمال التي تحمل رسائل اجتماعية وسياسية وشكره على تبرعه السخي لغاليري أم الفحم.

«عندما تدوي المدافع»… من ساوباولو إلى أم الفحم
تشكيلي يهودي شيوعي يستلهم لوحاته من قصف بيروت وبغداد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية