يشهد المغرب في ظرف أسبوعين انتخابات بلدية، تعتبر الأولى من نوعها في ظل الدستور المعتمد بعد الربيع العربي «دستور 2011». لكنها تجري في ظل أجواء باهتة وباردة بسبب غياب الاهتمام الشعبي بها، شأنها شأن الانتخابات التي سبقتها. وهذا العزوف مؤشر على الرؤية السلبية نسبيا للمواطن المغربي تجاه الدولة. ويحمل في الوقت ذاتــــه إنذارا بارتفاع الاحتقان والتوتر، جراء انهيار أو فقدان المؤسسات الوسيطة بين الدولة والمواطن، مصداقيتها.
وتعتبر الانتخابات سواء منها البلدية أو التشريعية منعطفا أساسيا في حياة الشعوب، فهي تعني تجديد الدماء في المؤسسات وحمل تصورات ومخططات جديدة لتطوير ما تحقق، أو تصويب وتصحيح ما جرى ارتكابه من أخطاء. وتعتبر المؤسسات المنبثقة عن الانتخابات الوسيط الحقيقي بين الدولة والمواطن.
ورغم التوتر المرافق للربيع العربي، شهدت بعض الدول مثل تونس إقبالا مكثفا للمواطنين على صناديق الاقتراع، وتقدم طوابير الناخبين وهم ينتظرون دورهم للتصويت، صورة مفرحة عن إيمان التونسي بالصناديق الشفافة رغم سيف الإرهاب. وحدث المشهد نفسه في الانتخابات المصرية قبل الانقلاب. ويعتبر المغرب من الدول العربية والأفريقية التي شهدت انتخابات شبه مستمرة منذ الاستقلال، باستثناء فترات طغى فيها التوتر مثل فترة الستينيات. ويفترض أنه بعد زهاء نصف قرن من الانتخابات، أنه ظهرت ثقافة انتخابية صلبة في البلاد ووسط المغاربة، لكن من خلال قراءة أو استعراض مشاركة المغاربة في الاستحقاقات تكون النتيجة غير مشجعة، بل العنوان البارز هو «العزوف الانتخابي» الذي يترتب عنه «العزوف السياسي».
خلال الثلاثة عقود الأخيرة، أقبل المغاربة مرة واحدة بنوع من الحماس على صناديق الاقتراع، جرى ذلك خلال نوفمبر 1997 ، وكانت البلاد تعيش ظروفا سياسية واقتصادية صعبة، وراهن الملك الراحل الحسن الثاني على المعارضة الممثلة في أحزاب الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال ومنظمة العمل الشعبي وحزب التقدم والاشتراكية، لتتولى تشكيل الحكومة بعد عقود من التوتر. وعمليا، وصلت الى الحكومة برئاسة عبد الرحمن اليوسفي، وتعرف في الأدبيات السياسية المغربية بحكومة التناوب. ولن يكون حظ الانتخابات البلدية المقبلة بشأن المشاركة في انتخابات 4 سبتمبر المقبل مختلفا عن مثيلاتها، فالعنوان البارز سيكون هو العزوف الى مستوى المقاطعة النسبية، وتوجد عوامل منطقية وواقعية وراء العزوف:
في المقام الأول، الاختيار غير المنطقي للدولة المغربية لتاريخ الانتخابات البلدية، فقد اعتادت اختيار شهر سبتمبر، الذي يعني العودة من العطلة والاستعداد للدخول إلى السنة الدراسية الجديدة، وبالتالي يخصص أغلبية المواطنين وقتهم للمرحلة الدراسية السنوية وليس الانتخابات.
في المقام الثاني، مسبقا لا يشارك أكثر من نصف الشعب المغربي في الانتخابات قبل انطلاقها، نظرا لطبيعة اللوائح الانتخابية المغربية. فإذا كانت الدول تعتمد في الانتخابات، وفي الغالب على المواطنين المسجلين في اللوائح البلدية، ففي المغرب يتم الاعتماد على لوائح انتخابية خاصة وليس اللوائح البلدية. وأعربت الدولة المغربية عن عدم رضاها على نسبة الإقبال الضعيفة لتسجيل المواطنين في اللوائح الانتخابية، الى مستوى طرحت احتمال تأجيل الانتخابات البلدية الحالية.
في المقام الثالث، ارتفاع نسبة الهيئات المدنية في البلاد، التي تدعو لمقاطعة الانتخابات البلدية، نظرا للصورة المسبقة عن عدم جدواها وسيادة شراء الذمم والأصوات، حيث يصدر التشكيك حتى من الحزب المتزعم للإئتلاف الحكومي «العدالة والتنمية» الذي يندد بهيمنة المال. والتساؤل: إذا كان الحزب المتزعم للحكومة يشكك في نزاهة الانتخابات، كما فعل منذ أسبوع في الانتخابات الخاصة بالغرف المهنية، فما الذي سيترك للمواطن أو حركات سياسية مثل، النهج الديمقراطي التي ترفض لعبة الانتخابات؟
في المقام الرابع، لم يشهد المغرب كبقية الدول مثل اسبانيا ظهور أحزاب جديدة مثل حزب بوديموس، تقدم بديلا سياسيا للواقع السياسي المتعفن والموسوم بالفساد، إذ عملت الدولة من خلال قوانين انتخابية «على المقاس» وغياب ضمانات دستورية حقيقية على وأد كل تجديد للمشهد السياسي في البلاد. يضاف هذا الى فقدان أحزاب تاريخية مثل الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال الكثير من وزنها أمام الناخب المغربي.
في المقام الخامس، وارتباطا بهذه النقطة، أصبح المواطن المغربي يعتقد في محدودية الأحزاب وبرامجها، فعندما يطل رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، يفترض أنه جرى انتخابه في صناديق الاقتراع، بعدما قدم برنامجا سياسيا، ويقول خلال عشرات المرات أنه يطبق فقط برنامج الملك وليس برنامج حزبه، فما الجدوى من الانتخابات وصراع البرامج السياسية إذن؟
في المقام السادس، ينتج عن تحكم الدولة المغربية في الاعلام الرسمي عدم إفساحها المجال الكافي أمام الهيئات السياسية لتبليغ خطابها السياسي للناخب المغربي. فالدولة المغربية التي تهيمن على وسائل الاعلام المرئية، خاصة التلفزيون لا تجعل من الانتخابات حدثا إعلاميا قبل وبعد الانتخابات. في المغرب الحالي، فقدت الانتخابات جدواها، فالعزوف السياسي للمواطن المغربي يجعل المؤسسات المنتخبة مثل البلديات والبرلمان والمجالس الاقليمية، بدون مصداقية ويمتد هذا الى باقي المؤسسات. وإذا كان دور المؤسسات المنتخبة هو الوساطة وتفعيل الحوار بين الدولة والشعب لامتصاص الغضب والاحتقان، فهذا الشرط بدأ يفتقده المغرب حاليا. وعندما تغيب شروط الحوار، يزداد الاحتقان درجات وتدخل البلاد فصلا مقلقا من الاضطراب.
فهل ستساهم الانتخابات البلدية في ترسيخ الاستقرار السياسي، حتما لا، بل سيفاقم العزوف في تفاقم الوضع المتسم بالفوارق الطبقية، وغياب عادل لتوزيع الثروة، وفشل التعليم وتهميش العالم القروي، وهي سلبيات اعترف بها حتى العاهل المغربي الملك محمد السادس نفسه في خطابه الأخير.
كاتب مغربي
د. حسين مجدوبي