عندما يتحول المثقف إلى خسّة!

حجم الخط
0

في حين ينقّب المثقفون السوريون وسط الأسمال المهترئة، ويتعاضون بحسب الأعراف القديمة، تضطرم حولهم حياة لا يعرفونها ولا يلتفتون إليها، وتأخذ أحداث جسيمة بتلابيبهم وهم غافلون مثل جنيات نائمات، وتظهرُ الأيام بشكل متوال ومطرد، أن ابو فراس التاجر ويوسف معلم المدرسة في حلب ودمشق… اللذين يعرفان ويريان أكثر منهم، سيقصونهم إلى المؤخرة لأنهما سينجزان ما لا يقوى المثقفون على إنجازه مجتمعين.
وها هم الآن وبعد الحرية السياسية التي أسهبوا في الحديث عنها، غدوا يتكالب بعضهم على بعض بتبادل العض، فلا عرفوا ماذا هم فاعلون بها، معظمهم يهدرها في كيل الاتهامات لبعضهم بعضا على صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي ومحطات التلفزة بلا ملل، متفنينين في إطلاق نعوت المخبرين والجشعين، ما يفزعُ المجتمع بالسفاهة التي تكشف أن لا رجال بين المثقفين الثورين ولا علم ولا أدب ولا أي شيء! ولا أي شي!
إن ترويع المجتمع على النحو الذي قام به غالبية المثقفين السوريين، ولن ينقطعوا عن القيام به، يعني حرمانهم من الشجاعة، ويعني ببساطة المجاهرة بافتقاد أي حس اجتماعي أو سياسي.
إننا نشهد الآن انقلابا مظلما يتحول فيه مثقفو الدار إلى شمطاوات وعجائز يتوعدون قبل أن ينبلج فجر حياة جديدة، وفي خضم كراهيتهم لذلك الفجر سيقفون في مقدمة من يجهزون عليه.
مثقفو «الرب» في بلادي لا يؤمنون بالجماهير، لا يتصلون بهم، فالخط بين فرنسا وسوريا مقطوع، بسرعة عجيبة غير مسبوقة ينبطح أكثرهم من دون أن يكون لديهم قناعات راسخة. أخلاقهم لا تكاد تساوي، إلا قيمة تذكرة سفر بالطائرة إلى مؤتمر للشباب، أو للسلام، او لقمّة حرب، ولهذا فمن لا يبيع منهم نفسه إلى المنح اليانكية، أو إلى مؤتمر من أجل الحرية الثقافية، يقبل الرشوة من عم شبيه بستالين، أو بوتين، أو رئيس الوزراء وين جيا با، ويتحول إلى خسة.
قد تكون العلمانية الواحة المشتركة الوحيدة لمثقفينا الأشاوس، الذين يهمل أغلبهم أهمية التريث قبل إطلاق الجنات العلمانية على حافتي الطريق، إن العلمانية تستطيع أن تتحرك في اتجاه حالة عقلية عدمية عندما تفتقر إلى رؤية الخلاص، فالحياة ليست عبثا، بل إنها نوع «هومسابيناس» متطور ومبدع، يمكنه أن يتعلم من تجربته، ويمكنه مع الآخرين التركيز على تقوية روابط التعاون والتنمية الاقتصادية حتى ينجو أبناءنا، فينجو نوعنا، ومن دون إقصاء مكون على حساب الآخر أو الاحتكام إلى عشيرة، تيار، طبقة حاكمة أو دولة غنية.
وعلى المرء أن يقول ما يفكر فيه، ففي حين أن التمرد حركة تفضي من الخبرة الفردية إلى الفكرة العامة (الوضع الصحي) الذي يتعلق بالاحترام والتضامن، يكون الوضع غير الصحي وهو (الثورة) متعلقا بمحاولة بلوغ الكثير جدا، وارتكاب عمليات القتل لبلوغه، وهو ما فعله إيرانيو الخميني، والضباط الأحرار وغير الأحرار في منتصف القرن الفائت، وكذلك شيوعيو نوفمبر حيث حولوا التمرد إلى عدمية يائسة وضعت الإنسان محل الرب، فاستخدم القوة بوحشية متزايدة.
وعلى الرغم من كل ذلك، ليس من شيء يستطيع أن يقيم نظاما واحدا، أو يزيل ألم الموت، ولا يمكننا في المقابل إنكار سمّية الفوارق الاجتماعية، ولا أن نحب الطبقة المتسلطة إلا من منظارين، أولهما مرضي متبول بقصص الأفلام الأمريكية، والثاني إعجاب بالمتفوق وافر النفوذ.
لقد امتلكت الطبقة المتحكمة – حتى اليوم- مفاصل الحياة والفكر والجامعات والمعاهد العلمية وسبل الإعلام وصناعته، واستغلت سقوط المعسكر الاشتراكي فشنت حملة شرسة في الثمانينيات، بغية فك المكاسب الاجتماعية التي حققها العمال وحركتهم في العقود السابقة، ما أسهم في تزايد كبير في الهوة الاجتماعية التي كانت قد تقلّصت في الخمسينيات والستينيات.
وكحال إيديولوجيا الطبقة الحاكمة في الغرب تحدد العائلة الحاكمة في سوريا ما هو العادل وما هو الظالم، وفي حين أتاحت الأولى حبل الحرية وعلمها مرفرفا مهللا ـ خصوصا قبل نهاية العقد المنصرم- جاهر النظام السوري (الأب والابن) بأن الشعب غير مستعد للحرية والديمقراطية ولامَ الشعب اللئيم على جحوده. فبالإضافة إلى القمع الرهيب للحراك الشعبي في سوريا من قبل الحاكم، ونظرا إلى استحالة الحصول على شيء ما لم يتم تحطيم النظام بقوة، تنامى الاقتناع لدى السوري العطش بأن السبيل الوحيد إلى تأكيد حقيقته كإنسان، إنما يكون في تجليها من خلال العنف، الذي ظهر مستندا إلى خلفية دينية شجعتها الظروف الاجتماعية الحالية والنظام نفسه. على المثقف السوري الآن أن ينظر بعين واسعة راغبة في تعلم سبل القدرة على الوقوف صامدا سياسيا حتى لو مفرداً، مؤمنا بأن العنف السياسي مرحلي.
ما تقدم ليس لتحميل النظام في سوريا مسؤولية الطائفية المقيتة فيها، ولا يمكن إثبات ذلك إلا عندما يُبرهن أن هذا النظام ذاته مسؤول أيضاً عن كلا العنف الطائفي في العراق والحرب الأهلية في لبنان، بالتوازي مع عدم نفي مسؤوليته عن عنف وبطش يدفعان بالمرء إلى أقصى تطرف، ومن دون تبرئة ساحته تحت أي مسمى أو ظروف من مساهمته في استمرار القتل والدمار.
إنه لمشهد جميل أيضا، أولئك المؤمنون بعدم العنف القائلون إنهم ليسوا ضحايا ولا جلادين، حسن جدا إذن… إذا لم تكونوا ضحايا عندما تكون الحكومة التي ترأسكم والجيش الذي يخدم فيه إخوتكم الشباب مع السمع الطاعة، قد تولوا جميعا مهمة قتل سلالتهم وسلالتكم في سوريا، فانتم وبدون أدنى ظل من الشك، جلادون وقتلة. عندما يرفع أي إنسان في أي مكان في العالم قبضته المجردة في وجه دبابة، ويصرخ بأعلى صوته أنه ليس عبدا ولا حيوانا، فأي نوع من البشر نكون نحن إذا التزمنا موقف اللامبالاة؟
واجب المثقف شجب الظلم حيثما يكون لا مهاجمة أقرانه والمستضعفين والطبيعة والشتاء والكون الذي لا يمتلك لسانا ليدافع عن نفسه.
تجدر الإشارة إلى أهمية حماية المثقف الشاب من الموقف المعقد الذي يتحول فيه إلى العنف الثوري، وهو ما تؤله له شخصيته التي تتسم بالكثير من الضعف، إذ يكون معنيا بالعدالة المجردة، من دون الاهتمام كثيرا بالأفراد في وجودهم المادي المحسوس، إنه يقدس العنف، ويؤمن بأن المستقبل له أولوية على الحاضر، ويستطيع أن يكره الحياة الحاضرة بما فيها حياته هو، وفي نظرة مشؤومة يحاول القتل بلا نهاية. ومع هذا، فهو أكثر جاذبية، وأجدر بالاحترام من سواه، فهو يحب بعمق، ويريد تولي مسؤولية القتل، بمعنى يريد الموت طواعية جراء إزهاقه لروح أخرى… بينما هناك «آخرون» ينتحلون سلطتنا للقتل، لكنهم أبدا لن يضحوا في المقابل بحياتهم.
يدون التاريخ لحنا مألوفا منذ أيام بروميثيوس (الإله الإغريقي الذي جلب النار إلى البشر) مفاده أن كل ثوري مآله ان يصبح إما قاهرا أو مهرطقا، وبأن الثورة في عالمهم التاريخي المحض الذي اختاروه سينتهيان إلى المأزق نفسه: إما حكم الشرطة أو الجنون. لكن بعيدا عن قيادة الثورة نحو الخلاص، وحتى يكون لك الحق في التأثير ثقافيا في المناضلين وجب عليك أولا ان تشاركهم نضالهم، ويعني هذا قبول أشياء كثيرة إذا كنت تأمل في تغيير القليل منهم، مصرحا بلا مواربة أن العدالة لا تنفصل عن الحرية، بعد رفض أي شكل من أشكال القدرية التي من شأنها أن تقضي على الحرية ورفض الانحناء أمام الواقع، علينا قبل كل شيء أن نرفض ممارسة الإرهاب ومعاناته، فخدمة الحق والحرية تبنى على التزامين يصعب التقيد بهما: رفض الكذب في ما نعرف، ومقاومة القهر.
بوحي من كتابي «كامي وسارتر» للكاتب رونالد أرونسون و«دفاتر سرية» للكاتب انطون تشيخوف وباقتباس مقاطع صريحة من كلا الكتابين.

كاتب سوري

جميل نهرا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية