شعرَ الأردنيون بفخرٍ كبيرٍ وهم يرون ولي العهدِ الأردني الشابِ الأمير الحسين بن عبدالله وهو يرأسُ مؤخراً بكل اقتدار مداولات مجلس الأمن في الأمم المتحدة، مُجسِداً صورةً حضاريةً للشباب الأردني تدعو للتفاؤل والأمل.
ورغم أن الحدث كان بهجةً أردنيةً خالصةً بعيدةً كلَ البعدِ عن التسييسِ والاصطيادِ السياسي، إلا أن الواقعَ يشيرُ إلى محاولاتِ العديدين لاستغلالِ هذا الحضورِ الوطني الأردني المهمِ لخدمَةِ المصالحِ الذاتيةِ، في ظل المقالاتِ النفاقيةِ التي ملأت الصحافة الأردنية المحلية. ولعل الأسوأ من هذا كانت محاولات بعض أفراد النُخب البالية مثل، سمير الرفاعي في محاولاته لتجيير الحضور الدولي المتميز للأمير حسين بن عبدالله لخدمة أجندته غير المعلنة، بالعودة للحكم كما فعل مؤخراً في إحدى محاضراته العامة في الجامعة الأردنية، التي بدت كخطاب تحضيري لحكومتِه المقبلة أكثرَ من محاضرةٍ عامةٍ بريئة.
فسمير الرفاعي ورث رئاسة الوزراء الأردنية بغفلة وطنية عن أبيه، الذي بدوره ورث رئاسة الوزراء الأردنية أيضا بغفلة وطنية عن أبيه سمير الأول الرفاعي، الذي بدوره تناوب على رئاسة الوزراء الأردنية مع شقيقه عبد المنعم الرفاعي الذي كان أيضاً رئيس وزراء أردنيا. القاسم المُشترك بين سمير الثاني وسمير الأول والرفاعي الأب، أنه رغم الحلقات النفاقية التي عادةً ما يحيطون أنفسهم بها فإن الإرادة الوطنية الأردنية كانت قد طردتهم من مواقعهم التي سطوا عليها في فترات تاريخية متفاوتة. ومن تابع الأحداث السياسية في الأردن لاحظ ضعف التربية الوطنية وطغيان الاسترزاقية النفعية على حساب القيم الأردنية العُليا لهذه النخب، حيث الرفاعي الأب والرفاعي الابن والوزير الإشكالي جودة ورئيس مخابرات أردني سابق (يقبع الآن في السجن بسبب قضايا فساد) وغيرهم من النخب الأردنية البالية، كانوا مثلاً في أمسية واحدة ينافقون أعتى رموز الفساد في السلطة الفلسطينية محمد دحلان قبل أن يتم طرده من الأردن لاحقاً.
مشكلة الشباب الأردني الرئيسية كانت ولا زالت تتمثل في هذه الحلقات المُغلقة من محاسيبِ النظامِ ومنافِقيه، التي نَمَت وترعرعت على مدى السنين في دهاليز علاقاتِها الاستنفاعية المُعقدة والمتشابكة على حساب قيم الأردن العُليا وباستهتارٍ مطلقٍ بقيمِ الشفافية والمنافسة الشريفة. فما زالت التعيينات العُليا تَنزلُ بالبرشوتاتِ في الأردن، وما زال حقُ الشبابِ الأردني يُهضَم بسبب غياب منظومة تشريعية تُعاقب وبكل صرامة كل من يتعدى على حقوقِ شبابنا الأردني، بمأسسة المحسوبية في ظل غيابِ ميثاقِ شرفٍ وطني أردني يلفظُ الشلليةَ كمنهجيةِ عملٍ ويعزِزُ الاحترافيةَ في الأداءِ العام والخاص. وكل من يهمش الحديث عن هذه المحسوبية الممنهجة كونها الخطر الوجودي الذي دمر معنويات مئات الآلاف من الشباب الأردني، وسرق مستقبلهم فهو غير جديرٍ بحمل قضاياهم.
شباب الأردن الذي يعاني اليوم من ارتفاع درجات البطالة والإحباط، بسبب تسلط النخب ليس بحاجة إلى المنظرين ممن يتاجرون بقضيته اليوم مثل، سمير الرفاعي ويتكسبون من محنته، فآخر الإحصائيات القادمة من الأردن، أشارت إلى أن ما لا يقل عن ثلث الشباب الأردني يتمنى الهجرة بغير رجعة، بسبب هذا الاعتداء الصارخ والمُمنهج على أبسطِ حقوقِه، بل هو بحاجة إلى أشراف الوطن ممن يؤمنون بالقيمِ الأردنيةِ العُليا، التي تتمثلُ اليومَ بتطبيقِ أعلى درجاتِ الشفافية، المنافسة الشريفة والاحترام المطلق لسيادة القانون، في احترافية الأداء البعيدة عن المحسوبية، في نبذٍ مُطلقٍ لمنهجيات عمل الشللية الاستنفاعية المُغلقة التي تحكم اليوم آلية عمل الغالبية العُظمى من النخب الأردنية.
المتابع للمشهد الأردني المحلي يلاحظ الإفلاس السياسي غير المسبوق الذي يعيشه الأردن اليوم، حيث تحاول النُخب البالية إعادة إنتاج نفسها، وهي المسؤولة الأولى والأخيرة عن مشاكل الشباب الأردني بِمنهجة المحسوبية التي سرقت آلاف الفرص من الشباب الأردني المؤهل، وخلقت هذه البيئة الصديقة للفساد والفاسدين. فهذه النُخب ليست فقط فاقدة لأدنى مُتطلبات الشرعية الوطنية الأردنية، بل لو كان هنالك تطبيقٌ موضوعي للقانون الأردني على أُسس سليمة محايدة لكانت غالبيتها في السجون، لاخترقاتها وتلاعبها بالقانون على حساب سُمعة النظام الأردني وقيمه الهاشمية العُليا.
فإن ترتضي غالبية النُخب (الإعلامية والسياسية والثقافية) الأردنية اليوم الاستسلام لانتهازيتها بالمساهمة بإحياء هذ النخب البالية، طمعاً بحظوة ومكاسب سياسية مستقبلية، فانتهازيتها هذه مردودةٌ عليها. ولكنها جريمةٌ وطنية لا تُغتفر وتراجعٌ غيرَ مسبوقٍ على الصعيد الأردني أن ينضم لهذه القوافل الاستنفاعية اليومَ هذا الخِضمُ الهائلُ من القادة الأكاديميين الأردنيين في تجارةٍ خطيرةٍ بشباب الأردن، بالإسهام بتسميم بوصلتِهم الوطنيةِ والأخلاقيةِ بالتهالكِ على جعل كُبريات الجامعات الأردنية محلَ امتطاءٍ لعرابي المحسوبية المُمنهجة في الأردن، ممن تلاعبوا بالقيم الأردنية العُليا من النُخب البالية، حيث تتسابق الجامعات الأردنية اليومَ وبشكلٍ مثيرٍ للانتباه لفتح أبوابها لمُنظري النُخب البائدة، من أمثال سمير الرفاعي لإعادة تسويق أنفسهم على أنهم الوجوه المقبولة شبابياً، بعد عددٍ لا يستهانُ به من ولائمِ «المنسف» النفاقية، التي يقيمُها لهم المدفوعون من محاسيبهم ومنافقيهم، لتسويقهم على أنهم وجوه مقبولة اجتماعياً وذات حضور وطني.
وفي ظل هذه الضبابية وهذا التلاعب المُمنهج بالبوصلة الوطنية للشباب الأردني، التي تشمل اليوم، في تجاوزٍ خطيرٍ على العرش الهاشمي، زج الحضور الدولي لولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبدالله بأجندات هذه النخب لاستعادة قبضتها على الأردن، ليس من المُستغرب أن تتربع على عرش هذه النُخب البالية اليوم، وبدون أي منافسٍ، شخصيات إشكالية فاقدة للشرعية الوطنية مثل سمير الرفاعي، لا سيما أنه أيضاً ابن خال وزير الخارجية الأردني ناصر جودة صاحب القيم الوطنية الضعيفة، الذي أيضاً أحكم قبضته من خلال هذا التهديد الخطير لديمومة العرش الهاشمي بالأثر التراكمي لتسميم القيم الهاشمية العُليا، بمرافقته لولي العهد الأردني الشاب أثناء وجوده في الأمم المتحدة.
فما هي القيم التي سينقلها جودة للأمير الشاب، غير القيم النفاقية الالتفافية والبعيدة كل البعد عن القيم الوطنية الأردنية الأصيلة، لا سيما أن جودة يُعتبر عراب علاقات النظام الأردني مع رموز الفساد في السلطة الفلسطينية، وكان أيضاً قد جعل من عمان مُلتقىً تفاوضياً شبه دائم للإسرائيليين والاستنفاعيين الفلسطينيين في تحدٍ صارخ لكرامة الأردن وقيمه الوطنية العُليا؟
ورغم هذه الكبوة التي تعيشها عمان اليوم، فإن الأردن ما زال بخيرٍ بفضلِ حكمَة الملك عبدالله الثاني، وتصميمه على طرح أردنٍ حضاري عروبي تسودُه القيمُ الهاشميةُ العُليا. ومن عرف الأمراء الهاشميين الأردنيين في مرافقِهم الخاصة، كما لمسناهُ شخصياً بنقاشاتِنا العديدة مع ثلةٍ نبيلةٍ منهم منذ أيام دراستنا المشتركة في جامعة كامبردج وما بعدها، يعرُف أنهم مشاريعُ وطنيةُ مرتبطةٌ بعمقٍ وجودي بأخلاقنا الوطنية الأردنية، كذلك من تابعَ مدونةَ السلوكِ المتميزةِ التي وضعها مؤخراً وزير الداخلية الأردني حسين المجالي، التي تتزامن مع إصلاحات جذرية في منهجية عملِ أجهزتِنا الأمنيةِ الأردنيةِ والأداء المتميز وغير المسبوق لديوان المحاسبة الأردني بقيادة مصطفى البراري، إضافة إلى تعيين الكفاءة الأردنية هيثم مستو لرئاسة الملكية الأردنية، والبوادر المشجعة لحكومة عبدالله النسور في طرحها موقع مراقب الشركات للمنافسة المفتوحة، التي استقطبت مئة وثمانين متقدماً تم اختزالها إلى سبعة، يدرك جدية الكثيرين لإرساء قيم النزاهة بتفعيل القيم الأردنية الهاشمية العليا. ومن تابع الإسهامات الوطنية الأخيرة للعديد من الشخصيات الأردنية التوفيقية من رؤساء وزراء سابقين وغيرهم من أمثال فيصل الفايز ومعروف البخيت، بكبريائهم الوطني الذي يسجل لهم، يلاحظُ أن هذه الكبوة لن تدوم.
فقوة الأردن ومَنَعَتِهِ لن تكون الا إذا كُنا جنوداً مخلصين لقيمنا النبيلةِ نَغرسُها بالعملِ الصالحِ المُعَزَزِ بأعلى درجات الشفافية، فشرفُ خدمة الأردن بتعزيزِ قيمِه الهاشمية العُليا، بالعملِ قبلَ القولِ والتنظيرِ، هي أعلى درجات الوطنية التي لن تُنتجَ الا أوطاناً يستحيلُ كسرَ هاماتِ أبنائِها.
٭ أكاديمي أردني مقيم في بريطانيا
د. لؤي منور الريماوي