حين يجتهد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو في العثور على تشكيلة حكومية جديدة بعد نجاحه في انهاء أزمة الائتلاف الحكومي الإسرائيلي التي دارت تفاصيلها بينه وبين رئيس حزب البيت اليهودي نفتالي بينيت فهو يسعى لتوسيع حكومته اليمينية المتطرفة لتشمل حزب يسرائيل بيتينو من أجل تمهيد الطريق أمام حصوله على أغلبية في الكنيست. أما رضوخه في الوقت نفسه لشروط مفاوضيه تسليم الإسرائيلي المتطرف أفيغدور ليبرمان حقيبة الدفاع فهو بذلك يعقد العزم على السير قدما نحو منتهاه اليميني، ضاربا جميع الانتقادات الدولية لسياساته المتطرفة بعرض الحائط.
رغم إعلان الحكومة الجديدة على لسان رئيسها استعدادها لقبول مبدئي لبعض نقاط المبادرة العربية للسلام 2002 الا أن صبغتها اليمينية الطاغية توحي بأن استدعاء المبادرة إلى الأذهان من قبل الطرف الإسرائيلي لا يعدو كونه مجرد محاولة لذر الرماد في العيون بهدف حجب الرؤية عن توجهاتها المتطرفة وتمرير سيناريو جديد ستتكشف معالمه في الايام القريبة اللاحقة.
فنتنياهو لا يتوقف عن سرقة الأرض ورفع شعار القدس الموحدة كعاصمة أبدية لدولة إسرائيل و لا يقبل بالمساومة على يهوديتها مما يعني إعادة انتاج الاحتلال وتقديمه بحلة جديدة وشرعية نظيفة من دماء الفلسطينيين، لا سيما أن الحكومة الحالية هي الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل، خاصة حينما يشكل فيها ليبرمان قيمة يمينية مضافة تعكس الوجه الحقيقي للمجتمع الإسرائيلي المأزوم. ليس من باب التجني، بل لأن تصريحات ليبرمان المخجلة ضد العرب قد أسفرت دائما عن ارتفاع شعبيته داخل الأوساط الإسرائيلية وكشفت من خلال ذلك عن سياقات تؤكد على ارتباكات جلية داخل المجتمع الإسرائيلي.
وكذلك في الداخل الإسرائيلي فقد أثار تعيين ليبرمان وزيرا للدفاع حنق المعارضة الإسرائيلية وأحدث بلبلة بين أوساط سياسية رفيعة المستوى أيضا بين جنبات حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو والتي وصفت القرار بالأرعن.
زعيم المعارضة اسحق هرتسوغ سار في الاتجاه نفسه حين تحدث حول حكومة إسرائيلية تقف سياساتها على حافة الجنون. فليبرمان ليس فلاديمير بوتين كما بدأ بعض الإسرائيليين بتسميته بل هو أرييل شارون عندما يبدي رغبته دون خجل أو وجل في أن تحذو إسرائيل حذو الولايات المتحدة في حربها ضد اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية، مما ينذر بتأييده لسياسة الأرض المحروقة في حروب قريبة ممكنة على قطاع غزة، سواء سعت اليها حركة المقاومة الإسلامية أم لم تسع. هذا التوجه لا يدل بأي حال من الأحوال على اتخاذه تدابير و سياسات مسؤولة ومتزنة كما زعم ليبرمان مؤخرا.
أما من ناحية المبدأ فان قبول القيادة الفلسطينية مجددا بالجلوس على طاولة المفاوضات مع الطرف الإسرائيلي دون استنهاض جميع عناصر الاسناد المجتمعي والإقليمي العربي سيؤدي بالتالي إلى عملية تفاوضية فارغة من ناحية الشكل والمضمون. فحصيلة التجارب التفاوضية السابقه أظهرت تحكما إسرائيليا في مفاصل العملية التفاوضية وقدرة على تسديد ضربات قاضية ضد الطرف الفلسطيني من خلال الحصول منه على اعترافات تعزز أمن إسرائيل وتدعم حقها في الوجود دون أن يحصل الطرف الفلسطيني على ما يوازيه أو يقابله. فمن شواهد التاريخ المعاصر لم تسفر عمليات التفاوض مع حكومات إسرائيلية أقل تطرفا من حكومة نتنياهو (ونذكر هنا بالتحديد حكومة إيهود باراك في صيف العام 2000) حتى عن قبول الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية المنسجمة مع قرارات الشرعية الدولية.
ليس هذا فحسب بل صرح باراك في نهاية المطاف أن إسرائيل لا تملك شريكا حقيقيا للسلام وشن حملة واسعة ضد الزعيم الراحل ياسرعرفات متهما إياه بعدم تقديمه لمشروع حقيقي للسلام في مباحثات كامب ديفيد و أنه لم يبذل جهدا كافيا لإيقاف العنف الفلسطيني ضد الإسرائيليين مما قاد المفاوضات إلى الفشل، حتى انتهى المطاف بحصاره في مقره في رام الله إلى أن مات أو قتل.
ضمن هذا السياق وعلى صعيد النظرية السياسية يعرض لنا روبيرت بوتنام البروفيسور الأمريكي في جامعة هارفارد أحد أهم أطره الفكرية بما يسمى بنظرية «المباريات ذات المستويين» أحد أهم الشروط للتوصل إلى قيمة ربحية على طاولة المفاوضات والتي مفادها ضرورة حدوث تقاطعات توافقية بين الفريقين المتفاوضين وانسجام هذا التقاطعات مع الداخل المجتمعي لكل من الطرفين.
وعليه فان محاولة تمرير حكومة نتنياهو لأي حل سلمي على طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين في ظل حكومته الجديدة، حتى لو كان ذلك مستبعدا للغاية فإنه سيستحيل عليه الحصول على موافقة المجتمع الإسرائيلي الذي عبر عن إرادته اليمينية من خلال انتخابه لحكومة نتنياهو المتطرفة.
أما القيادة الفلسطينية فستكون مسؤولة أيضا عن أي عملية تفاوضية تؤدي فقط إلى منح نتنياهو فرصة حقيقية لترميم سمعة اليمين الإسرائيلي وتجسير الهوة بين إسرائيل والمجتمع الدولي ومن ثم الخروج بذلك من عنق الزجاجة إلى فضاءات دولية أرحب بعد ان يطلق نتنياهو لرغباته العنان على حساب الدم الفلسطيني.
باسل مغالسة – أكاديمي يقيم في برلين