مصطلح استفتاء تقرير المصير من المصطلحات التي اشترك فيها الغرب والعالم العربي سياسيا خلال الأسابيع الأخيرة، وتستأثر باهتمام الرأي العام الدولي والباحثين في مراكز التفكير الاستراتيجي، ورغم وجود قواسم مشتركة، إلا أن السياقات تختلف، كما تختلف النتائج التي ستترتب عنها.
وتتوجه أنظار الرأي العام الدولي لما قد يحصل يوم الفاتح من أكتوبر المقبل في كتالونيا. وتصر حكومة الحكم الذاتي في هذا الإقليم على إجراء استفتاء تقرير المصير، ولو بشكل رمزي في الشارع، ومن جهة أخرى، تصر الحكومة المركزية على منع الاستفتاء، وقد قام القضاء، الأربعاء الماضي، باعتقال 14 شخصا يشكلون النواة الحقيقية لتنظيم الاستفتاء، وأفرج عنهم لاحقا، لكن الاعتقالات لم توقف الرغبة الجامحة للتصويت. ويأتي استفتاء كتالونيا في ظروف صعبة يمر بها الاتحاد الأوروبي وهي: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو ما يعرف بـ»البريكسيت»، يضاف إلى ذلك الصعوبات التي تعاني منها العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) بين جنوب أوروبي فقير وشمال غني، ثم ارتفاع أسهم الأحزاب السياسية القومية، مثل الجبهة الوطنية في فرنسا التي تنادي بنهاية تجربة الاتحاد الأوروبي. كما يأتي في وقت يبحث الاتحاد الأوروبي عن خريطة طريق للمستقبل، أمام ظهور قوى جديدة وهي الصين وروسيا.
ملف كتالونيا مفتوح على كل الاحتمالات ومنها احتمال إعلان حكومة كتالونيا الاستقلال الأحادي والانتقال الى وضع شبيه بكوسوفو. وقد أكد رئيس حكومة الحكم الذاتي في كتالونيا كارلس بودغمونت هذه الحقيقة، ويبقى المعطى الرئيسي هو أن الوضع اللاقانوني لكتالونيا بعد الفاتح من أكتوبر لن يكون نهائيا هو الوضع القانوني قبل هذا التاريخ. فستشعر ساكنة كتالونيا ذات التوجه القومي، ولو رمزيا، بأنها أصبحت مستقلة، وتتوفر على دولة خاصة بها مما سيجعلها تدخل في مواجهة حقيقية مع المركز، مدريد. وقضية كتالونيا ليست وليدة اليوم، بل هي من نتائج الماضي عندما كانت تتشكل الدولة الوطنية الأوروبية، وكانت إسبانيا أولى هذه الدول التي شكلت شخصية سياسية وثقافية خاصة بها في شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث استطاعت القضاء على الدويلات المتعددة في أعقاب إنهاء السلطة السياسية للإسلام مع سقوط غرناطة سنة 1492. وإذا كانت الأندلس قد أصبحت جزءا من إسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر، قرنين قبل انضمام كتالونيا إلى إسبانيا نهائيا عبر القوة سنة 1714. وطيلة القرون الماضية، عاشت إسبانيا على إيقاع مطالب الحركات القومية في بلد الباسك وكتالونيا، وتسببت في أكثر من انقلاب عسكري في الماضي، بل أعلنت كتالونيا مرتين الاستقلال عن إسبانيا في العقد السادس من القرن التاسع عشر، وإبان الثلاثينيات من القرن الماضي. ونجحت الأحزاب القومية في كتالونيا في تشكيل وتعزيز ما يمكن اعتباره «المواطنة الكتالانية» ثقافيا، سياسيا واقتصاديا إلى مستوى جعل الكثير من الكتالان ينظرون إلى التواجد الإسباني، استعمارا. وكانت هذه الأحزاب أذكى بكثير من الحركات القومية الباسكية التي لم تنجح في تحقيق قفزة نوعية بسبب الإرهاب الذي مارسته منظمة إيتا. وتعتمد حكومة مدريد على الدستور، لمنع إجراء الاستفتاء ملتزمة بضرورة المحافظة على وحدة البلاد الترابية، لكن هناك أصواتا تطالب بسمو الديمقراطية الإسبانية الى مستوى الكندية والبريطانية. فقد قبلت كندا سنة 1994 إجراء استفتاء تقرير المصير للحسم في بقاء كيبك ضمن كندا أو الاستقلال، وفاز أنصار الوحدة. ومنذ ثلاث سنوات، تابع العالم استفتاء تقرير المصير في اسكتلندا، وفاز أنصار الوحدة، ويتساءلون: لماذا إسبانيا لا تقبل؟
وفي ملف مشابه، تتابع شعوب الشرق الأوسط باهتمام استفتاء تقرير المصير في كردستان للبقاء أو الانفصال عن العراق، وهو الاستفتاء الذي جرى يوم 25 سبتمبر الجاري. ويأتي في سياقات مختلفة، فالعراق ليس بلدا ديمقراطيا ولا بلدا يعرف استقرارا سياسيا، بل أنهكته الحروب خلال الأربعين سنة الأخيرة، لكن كل هذا لا يعني حرمان الشعب الكردي من تقرير المصير.
ويشترك كل من استفتاء كتالونيا وكردستان في التأكيد على حقيقة جلية وهي التغير المستمر في الخريطة السياسية الدولية، فظهور دول جديدة وغياب أخرى وتغير حدودها ثالثة كان وسيبقى شيئا ملموسا لا يمكن منع حدوثه لأنه مرتبط بالتغيرات الاجتماعية والعلاقات الدولية. لكن الفرق بين استفتاء كردستان وكتالونيا، هو أن تشكيل كتالونيا لجمهورية جديدة لن يحمل الكثير من المتغيرات، فسيعني بقاءها ضمن منظومة الغرب، فلن تسقط كتالونيا في فلك روسيا أو الصين مستقبلا، وقد تفتح الباب أمام قوميات أوروبية أخرى نحو الاستقلال، لكنها ستبقى بدورها في فلك الغرب. وقد يقع العكس في حالة كردستان، فاستقلال الإقليم وتشكيل دولة جديدة ستكون مصدر توتر حقيقي في منطقة الشرق الأوسط، لأنه سينقل العدوى إلى باقي دول المنطقة من سوريا وتركيا وإيران، وهي المنطقة المبلقنة بصراع الإثنيات تاريخيا. وها هي تركيا تستبق استفتاء الإقليم ويصادق برلمانها على قرار ينص على إرسال قوات الى العراق وسوريا، وها هي إيران تجري مناورات عسكرية تخويفية على حدود كردستان.
وبين مقارنة الاستفتاءين تحضر مقارنة الديمقراطية، لو كان الشرق الأوسط ديمقراطيا لكان استفتاء كردستان مثله مثل استفتاء اسكتلندا أو الجانب الفرنسي في كندا، وفي أسوأ الأحوال مثل تجربة كتالونيا. إنها الديمقراطية مفتاح الكثير من المشاكل.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»