في التسعينيات عندما رافق الصحافي مارك زنغر الرئيس الأمريكي المنتخب ساعات طويلة من اجل كتابة تقرير صحافي، حاول أن يفهم ما يدور في رأس دونالد ترامب، اثناء عدم لعبه دور دونالد ترامب. في يوم ما عندما رافقه في جولة بين مواقع البناء الخاصة به، وبعد عدد من الاسئلة، دهش منها ترامب وكانت محرجة، توصل زنغر إلى الاستنتاج الأدبي بأن الشخص الذي وزع مشاريعه على الشقق الفاخرة، والفاخرة جدا جدا، يحظى بامتيازات «العيش الذي لا يعاني من ازعاج الروح»، أو بكلمات اخرى، حياة بدون اطلالة على الداخل أو ازعاج الضمير.
اذا اردنا فهم بعض تصريحات ترامب الفضائحية أو بعض اعماله أو بعض اعمال نتنياهو الحقيرة، يمكن البدء بذلك. بالضمير النائم.
ولكن هناك اشياء اخرى كثيرة لدى الشخصين: كلاهما يشعر بالراحة التي تقشعر لها الابدان خلال استخدام العنف السياسي. كلاهما يستخدمان الكلمات الملوثة والمحرضة. وكلاهما يوجد لهما تناسب عكسي بين خلفيتهما وبين خلفية مؤيديهم الاجتماعية.
لكن هناك سبب جيد لكون الرجلين اللذين ولدا في عائلات سليمة ويحظيان في يوم ميلادهما بكل ما هو جيد في بلادهما، ويشكلان بوقا لغضب اصحاب الياقات الزرقاء وهم المتضررون الاساسيون من مواقفهما الاقتصادية. هناك سبب لكونهم يتضامنون مع شكاوى وغضب مؤيديهما، الاثنان يحركهما شعور مشابه: كراهية النخبة، الرغبة الكاذبة في الانتماء والجرح الذي تركه لديهما الرفض والاستبعاد لسنوات طويلة.
إن ترامب ونتنياهو هما عالمان في الكيمياء، يعرفان كيف يحولان الألم والخوف والاحباط إلى ذهب في صناديق الاقتراع. في 2010 قال نوعام شومسكي إن للولايات المتحدة حظا كبيرا لأنه لا يوجد في فضائها السياسي شخصية كاريزماتية وصادقة، لأنه إذا جاء شخص كهذا فستكون الدولة في ضائقة حقيقية بسبب تراكم الاحباط والغضب اللذين لم يتم التعامل معهما بشكل مناسب: «كيف يفترض أن يفكر الناس إذا قام شخص وقال لدي جواب، وجدت عدوا لنا؟ هناك سيكون اليهود، وهنا سيكون المهاجرون والسود» (شكرا لعيدان لاندو على الاقتباس) ـ ولدينا طبعا سيكون العرب والشياطين ستتبدل حسب الحاجة.
يسمونهم شعبويين لأنهم يخافون من ذكر الاسم الواضح، لكن لا يجب نكران ذلك، بأن العالم الحر يعود إلى بداية القرن الماضي عن طريق قادة من نوع جديد ـ قديم، يثبتون بأنهم قادرون على تشخيص الفترة ومشكلاتها أكثر من خصومهم وأنهم يفهمون التناقض الذي تعاني منه الديمقراطية الغربية مؤخرا ـ القطيعة بين الطبقة الوسطى المثقفة التي تريد الحفاظ على تاريخها البرجوازي، وبين طبقة العمال والهامشيين خائبي الأمل ـ وهم يعرفون كيفية استغلال هذا التناقض لصالحهم.
هذه العملية تحدث منذ سنوات، لكن قلة من الشجعان كانوا قادرين على ملاحظتها. والباقون ومنهم أنا، استمروا في احلامهم وهو يستيقظون مرة تلو الاخرى بعد الصفعة. هذا ما حدث حينما قامت اسرائيل في يوم الانتخابات مع بوجي وذهبت إلى النوم مع بيبي. والانجليز دخلوا إلى سرير الاتحاد الاوروبي وفي الصباح وجدوه فارغا. وبعدها في 8 تشرين الثاني/نوفمبر جلس العالم كله أمام شاشات استطلاع انتصار كلينتون وذهبوا إلى النوم مع الرئيس المنتخب ترامب. ولا أحد يعرف متى ستكون نهاية الكابوس.
هآرتس 13/11/2016