من يزرع الرياح يحصد العواصف، من جهة، ومن جهة أخرى، رُبّ ضارة نافعة فعلاً!!
أزمة الخليج الأخيرة حققت لقطر مكاسب لم تكن تخطر لها على بال وجعلتها تجني فوائد ما كانت لتحصل عليها ولو صرفت مليارات من الأموال وجلست تخطط لسنين من الأوقات، إلى درجة ربما تدفع بعض القطريين إلى أن يسروا في أنفسهم، أرجوكم…. واصلوا هذا الحصار لولا الحالات الإنسانية المؤلمة!! وأقول باطمئنان، أن المنافع التي جنتها و ستجنيها قطر أكبر بكثير من أي خسائر قد تكون تعرضت لها، وللأسباب التالية :
اظهرت هذه الأزمة صلابة موقف قطر ومرونتها في التعامل مع الأزمة في الآن نفسه ومن خلال انتهاج دبلوماسية فذة و متزنة وناضجة تصلح أن تكون درساً تأريخياً يُدرّس و يحتذى به في مساقات إدارة الأزمات.
كشفت بشكل فاضح ومذل صبيانية السياسة المتبعة من قبل خصوم قطر، وقلبت السحر على الساحر، فأنفتحت صناديق باندورا للشر التي كان يخفيها مناوئو قطر من تلك الدول، وتبين وبالأدلة أن معظم إن لم يكن كل ما اتهمت تلك الدول قطر به، فهو فيهم وبدرجة أدهى وأشد!
أهم فائدة جنتها قطر في رأيي، هي أن عجز مناوئي قطر عن تقديم ولو دليل واحد على أي تهمة وجهتها تلك الدول إلى قطر، أثبت وبشكل غير مباشر، براءة قطر منها، والسبب أنه إن كانت هذه الدول وبكل هذا الفُجر في الخصومة ثم لم تتمكن من إثبات أية تهمة من التهم المزعومة، فذلك يعني إما أنه لا يوجد أي دليل حقيقي عليها، أو إن كانت قطر متورطة فعلاً في هذه التهم أو بعضها، فذلك يعني أنها تمكنت بإقتدار من تنفيذ الجريمة الكاملة و كانت من الدهاء بحيث أنها لم تترك لأحد فرصة اثبات اية تهمة عليها.
هذه الأزمة، رفعت من وزن وشأن قطر من مجرد دولة لا تكاد ترى في الخريطة لصغر مساحتها إلى دولة كبرى من حيث التأثير الإقليمي والعالمي، مقابل انكماش تأثير دول كبرى وهائلة المساحة وعدد السكان والموقع الجغرافي و الثراء المادي الفاحش والعمق التاريخي والتأثير الديني، ونحن هنا نتكلم عن مصر و السعودية والإمارات و البحرين مجتمعة!
مستوى اصطفاف ونوع الدول والشعوب التي كانت إلى جانب قطر ووسائلها ( قناة الجزيرة مثالاً) يكاد لا يقارن بمستوى نوع و اصطفاف الدول التي وقفت إلى جانب الطرف الآخر (و الأدق أن نقول جُرت جراً) اضافة إلى بؤس الوسائل المقابلة التي استخدمت، وكانت مثالاً على مستوى صبيانية من يدير الأزمة في دول الحصار، ولا يحتاج الأمر إلى ذكر أسماء تلك الدول و الوسائل وحتى الاشخاص، فمجرد المقارنة وذكر اسماء سيثير الضحك و الشفقة!!
اخيراً لم تجد دول الحصار و بعد خطاب أمير قطر الأول بعد الأزمة والذي اتسم بالهدوء البالغ والحزم المتزن والالقاء المبهر، و كان ماسكاً لناصية اللغة و متمكناً منها (خاصة وقد تعودنا على ركاكة وضحالة اللغة الخطابية لمعظم زعماء العرب عامة والخليج على وجه التحديد) لم تجد هذه الدول الا أسوأ من يمثلها وأكثر من يكرههم الرأي العام والأعلى تعرضاً لهجومات منصات التواصل الاجتماعي لينتقد الخطاب متبعين اسلوب الطريقة الصبيانية نفسه في إدارة الأزمة وليصموا الخطاب بصفات لا يصدقها أحد إلا من ألغى عقله و اصطف بعاطفته خلف اصحاب الفم المريض.
لكن ما يمكن أن نقول لمن وصفه ابو الطيب :
ومن يك ذا فم مرٌ مريضٍ… يجد مراً به الماء الزلالا!
كاتب من العراق
د. أثير الشيخلي