لندن ـ «القدس العربي»: اتسم الإعلان المشترك عن وقف إطلاق النار الذي رتبه كل من وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف بالتحفظ من الجهتين ويشي بالعقبات التي تقف أمام التوصل لحل للأزمة السورية التي ستكمل عامها الخامس الشهر المقبل.
ويقضي الإتفاق بوقف كل «الأعمال العدائية» يوم السبت المقبل إلا أن الهدنة تستثني كلاً من تنظيم «الدولة» و»جبهة النصرة» مما يطرح أسئلة حول ديمومة الإتفاق وفعاليته.
ويدعو الإتفاق كلاً من الحكومة السورية والمعارضة المسلحة للموافقة على الإتفاق بحلول يوم الجمعة.
وستقوم الولايات المتحدة بالضغط على جماعات المعارضة كي توقف أعمالها العسكرية أما روسيا فستقوم بالضغط على النظام السوري والميليشيات الموالية له.
ووافقت كل من واشنطن وموسكو على إنشاء خط ساخن لمراقبة التزام الطرفين بالإتفاق. وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد وضع اللمسات الأخيرة للإتفاق في مكالمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي أصبح أهم لاعب على الساحة السورية منذ تدخله العسكري نيابة عن بشار الأسد.
وفي حديث تلفازي أثنى بوتين على الإتفاق وقال إن الخطوة الأخيرة «ستغير بشكل راديكالي الوضع في سوريا» وقال «أخيراً ظهرت فرصة حقيقية لوقف العنف والدم».
لا احتفالات
ولم تبد واشنطن مظاهر احتفالية بقدر ما نشر البيت الأبيض تلخيصاً من صفحتين للمحادثة التي تمت بين أوباما وبوتين. مشيراً إلى أن أولوية الرئيس أوباما هي «تخفيف معاناة الشعب السوري» والتسريع بحل سياسي للأزمة السورية والتركيز على مواجهة تنظيم «الدولة».
واعترف المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إرنست بصعوبة تطبيق الإتفاق خاصة أن الوضع في سوريا كان معقداً منذ البداية. وتعلق صحيفة «نيويورك تايمز» أن الوضع على الأرض يشي بأن إنهاء العنف من الصعب تحقيقه. فقد قتل قبل أيام أكثر من 100 شخص في عمليات انتحارية في حمص ودمشق أعلن تنظيم «الدولة» مسؤوليته عنها.
كما قتلت الغارات التي شنتها الطائرات التابعة للنظام والمقاتلات الروسية عدداً من الأشخاص في حلب واستهدفت خمسة مراكز طبية تدعمها منظمة أطباء بلا حدود.
ومع ذلك حققت الدبلوماسية انتصارات صغيرة من خلال وصول المساعدات لعدد من البلدات الخاضعة لسيطرة المقاتلين ولكن هناك آلاف السوريين ممن لا يزالون بدون طعام أو دواء في المناطق التي تصنف بالمحاصرة أو لا يمكن الوصول إليها.
وحذرت جماعات الإغاثة الإنسانية قائلة إنه كلما استخدمت المساعدات كجزء من الصفقات السياسية كلما تردد المقاتلون بالموافقة على دخول القوافل بدون شروط وحسب القانون الدولي. وتسود شكوك حول إمكانية تطبيق الإتفاق الحالي بعد ذلك الذي وقعه كيري ولافروف في 12 شباط/فبراير الحالي في مدينة ميونيخ ذلك ان القصف تواصل ولم تتوقف عمليات حصار مدينة حلب من قبل القوات الحكومية والجماعات الشيعية الموالية.
وقد تحدث كيري أثناء زيارته العاصمة الأردنية عمان مع لافروف ثلاث مرات من أجل وضع اللمسات الأخيرة على الإتفاق. وكعادته عبر عن تفاؤله بإمكانية تطبيق الإتفاق الأخير لكنه بدا أكثر تحفظاً حيث قال إن تطبيق المبادرة الأخيرة تعتمد على «الأفعال».
وبحسب مسؤول في الخارجية الأمريكية قال إن كيري سعيد للموافقة على الآليات وموعد لبداية وقف إطلاق النار ولكنه «ليس مستعداً للتعامل معه كأمر مفروغ منه» ولهذا السبب فالظرف لا يدعو للإحتفال.
شكوك
وترى الصحيفة أن هناك شكوكا أبداها المحللون حول نجاعة الخطوة الأخيرة. وقالوا إن النظام السوري والمقاتلات السورية يمكنها مواصلة عمليات ضرب المعارضة في حلب قبل البدء بتطبيق الإتفاق. ويتوقع بعض المحللين توسيع روسيا الحملة العسكرية ضد مواقع «جبهة النصرة» في محافظة إدلب.
وعلق فردريك هوف من المجلس الاطلنطي أن تطبيق الإتفاق يتوقف على «حسن النوايا» الروسية والإيرانية والنظام وكلهم لم «يتصرفوا بحسن نية خلال السنوات الخمس الماضية»، مشيرا إلى ان الروس كان بإمكانهم وقف كل هذا في خمسة أيام. وهو يعتقد أنهم سيستخدمون «جبهة النصرة» كمبرر للمضي أبعد. وترى واشنطن في الهدنة الجزئية طريقة لمنع المزيد من العنف في الوقت الذي تركز فيه جهودها على الحملة ضد الجهاديين شرقي سوريا وكذا ملاحقة فروع تنظيم «الدولة» في الخارج خاصة في ليبيا. ويرى محللون أن الهدنة الأخيرة لا تهدف لوقف العنف والحمام الدموي السوري بقدر ما هي محاولة لخلق الظروف كي تصل المساعدات الإنسانية إلى مدينة حلب. وبحسب أندرو تابلر الزميل الباحث في معهد واشنطن فسياسة الإدارة الأمريكية تقوم على «عدم إنهاء الحرب في سوريا».
ويضيف إن المسؤولين الأمريكيين يريدون تهدئتها وتركها تغلي على نار هادئة ولا يحاولون احتواء نزاع أصبح عصياً على الإحتواء.
ما العمل؟
وما دمنا نتحدث عن الاحتواء تساءل مايكل أوهالان، الخبير في شؤون الأمن القومي والسياسات الدفاعية والزميل الباحث في معهد بروكينغز، بمقال على موقع المعهد «التعامل بجدية مع سوريا: ماذا نفعل عندما يفشل الإحتواء؟».
وعلق على إعلان الهدنة الأخيرة بعد مشاورات مرهقة بالقول إنها تظهر مرة أخرى «كيف أصبح تفكيرنا غير واقعي حول هذا الموضوع المتعلق بالأمن القومي».
فإذا أسهم هذا الإتفاق بإيصال المساعدات الإنسانية للجوعى فهو عمل ممتاز وأبعد من هذا فلن يكون هناك وقف دائم للأعمال العدائية ويضيف قائلاً «قد أمضي أبعد من هذا وأجادل أن محادثات السلام خطيرة وذات أثار سلبية لأنها تعطينا شعوراً بأن السياسة الحالية لها حظ واقعي للنجاح مع أنها غير ذلك».
ويطالب أوهالان الذين دعوا لتقليل دور الولايات المتحدة في سوريا ويحاولون احتواء الأزمة بأن يكونوا عمليين والإعتراف بأن مشورتهم أصبحت جزءاً من المشكلة. ويضيف أن الاحتواء كخيار فشل بعدما جرب. ولتنظيم «الدولة» فروعا في 8 دول على الأقل. أما الحرب الأهلية السورية فقتل فيها حوالي نصف مليون شخص وشردت الملايين.
ولا تستبعد المخابرات الأمريكية حدوث هجوم على الولايات المتحدة على شاكلة الهجوم الذي نفذ في باريس العام الماضي.
وقال أوهالان إن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة مثل تركيا والأردن والعراق يعيشون حالة حصار وتواجه في بعض الأحيان تهديداً من المتطرفين والحروب الأهلية التي غمرتها. وفي هذا السياق يقول الكاتب إن غزواً أمريكياً من 100.000 جندي ليس مطروحاً.
ويبدو الرئيس أوباما مقنعاً عندما يتحدث بهذه الطريقة. إلا أنه عندما عندما يلمح إلى أن الخيار الوحيد لمشاركتنا الحالية والمحدودة هو تورط أمريكي واسع في الشرق الأوسط فهو كمن يقوم بالهجوم على خيال المآته.
تقوية المعارضة
وعليه يقترح الكاتب هنا ثلاث خطوات تقوم معاً بتقليص الانفصام بين ما هو متوفر من وسائل والنتائج المتوقع تحقيقها وبين ما نحلم به والواقع المستقر في سوريا والشرق الأوسط الذي نسعى لبنائه. ويدعو أولا لتقوية أي عنصر عناصر المعارضة السورية يمكن العثور عليه والتعاون معه.
وهذا يحتاج إلى نشر ما بين 500 ـ 1.000 مستشار أمريكي في أماكن متفرقة من سوريا يتم اختيارها بعناية بدلاً من الخمسين الموجودين حالياً في سوريا.
ويقتضي هذا مساعدة عسكرية للمعارضة السورية وأوسع من الكميات البائسة التي تحصل عليها في الوقت الحالي.
ويقول إنه لا يحبذ إقامة مناطق آمنة بطريقة تؤدي لمواجهة مع روسيا مع أن الأمريكيين يمكنهم الإنتقام من المقاتلات السورية التي تهاجم المدنيين والميليشيات المعتدلة في المكان والزمان الذي يختاره العسكريون الأمريكيون.
ويدعو الكاتب الإدارة لتغيير رؤيتها لمستقبل سوريا من بلد موحد لكيان يقوم على الكوفدرالية «ونحن بحاجة لتشجيع الأطراف المشاركة في محادثات السلام بأنه مقترح واعد يؤدي لبلد مستقر، فلم يعد هناك مجال لبقاء دولة قوية وموحدة، على الأقل في المستقبل، فالعداء مستحكم وعدم الثقة عميق.
كما أن الرئيس بشار الأسد ليست لديه الرغبة في التنحي عن السلطة ولن يكون لديه أي داع لفعل هذا طالما بقي إلى جانبه الروس وحزب الله».
وفي السياق نفسه فلن يقبل السنة المعارضون بقاء نظام الأسد في هرم السلطة بعدما دمر أحياءهم بالبراميل المتفجرة واستخدم الطعام كسلاح ضد أطفالهم وقتل أكثر من 300.000 من إخوانهم السنة وشرد الملايين منهم. ولن ترضى الدول السنية في المنطقة ببقائه في الحكم وعليه «فنحن بين المطرقة والسندان»كما يقول. ويعتقد أن الخروج من هذا التناقض هو تنازل يسمح للأسد بحكم أجزاء من البلاد- العلوية والمسيحية- وخلق مناطق مستقلة وأراضي حكم ذاتي ومناطق آمنة للجماعات الكبرى الأخرى. وستتم حماية حقوق الأقليات في كل منطقة ومن لا يشعر بالأمان منها يمكن نقله إلى مناطق أخرى. وبالطبع هناك حاجة لهزيمة تنظيم «الدولة» و»جبهة النصرة».
كما أن الغرب لن يكون مستعداً لتوفير الدعم للمناطق العلوية والمسيحية حتى يتنحى الأسد عن السلطة. وهذا يعني انتظار سنوات طويلة، أي بقاء هذه المناطق معتمدة في الدعم على روسيا وإيران.
قوات حفظ سلام
أما الخطوة الأخيرة فهي الاعتراف بأن هناك حاجة لقوة حفظ سلام دولية للإشراف على أي اتفاق يتم التوصل إليه. وربما حصل هذا في عام 2017 أ 2018 وعندما تتبنى الولايات المتحدة ما اقترحه الكاتب من تعديلات للمدخل الحالي. وسيشمل أي اتفاق المدن السورية الكبرى مثل حلب وحمص وحماة. ويمكن للروس البقاء وتوفير الحماية للمناطق العلوية والمسيحية – أي مناطق الأسد. ولكن على الولايات المتحدة وحلف الناتو لعب دور في حفظ السلام وكذا الجامعة العربية . فبدون قوة تبدأ من 50.000 وتتطور إلى 100.000 جندي فأي اتفاق سينهار.
ويعتقد الكاتب أن سوريا تعتبر حالة معقدة ومن الصعب تطبيق اتفاق فيها بسبب وجود جماعات متعددة وقوى خارجية لها أجندات ومصالح مختلفة وبسبب المعاناة الشديدة التي عانى منها الشعب والتي زادت من مشاعر الكراهية وعدم الثقة. ومن هنا فالنموذج الكونفدرالي الذي يقترحه الكاتب يجعل من الحاجة لقوات حفظ سلام كبيرة قليلة خاصة أن المناطق ذات الحكم الذاتي سيكون ارتباطها بحكومة مركزية ضعيفاً. بدلاً من محاولة تجميع سوريا من جديد وهي مهمة صعبة وتحتاج لعدد أكبر من قوات إشراف دولية.
ويقول إن الأيام المقبلة ستكشف عن محدودية المدخل الامريكي القائم على اعتقاد وإيمان بوجود سياسة وموقف يتجنب التدخل المباشر في الحرب ـ أي سياسة رفع اليد- وهذا مدخل يجعل الولايات المتحدة تتجاهل الإبادة البطيئة التي تجري هذه الأيام.
وفي الوقت نفسه تعرض الولايات المتحدة نفسها للمخاطر وكذا حلفاءها. ويختم بالقول «نحن بحاجة لأن نتعامل بجدية مع سوريا وفات على الرئيس باراك أوباما حل المشكلة وهو في السلطة لكن لم يفت الأوان بعد لبداية محاولات الحل».
وقت سيئ
وفي تقرير لروبن رايت في مجلة «نيويوركر» علقت على الإتفاق وربطته بالأزمة الإنسانية والقتلى في الإنتفاضة التي بدأت بشكل سلمي عام 2011 إلا أن رد النظام السوري أدى إلى كارثة لم يشهدها العالم منذ عام 1945 ونتج عنه عمليات إرهابية حول العالم ارتكبها تنظيم «الدولة» وتهدد بتفكيك بقية الشرق الأوسط.
وتعتقد رايت بعد تقديمها لملامح الإتفاق وظروف التوصل إليه أنه يأتي في وقت سيئ بالنسبة للمعارضة السورية التي فقدت مناطق بسبب الهجوم الأخير لنظام الأسد والغارات الجوية الروسية. وكانت خسائر المعارضة كبيرة في حلب التي تعتبر كبرى المدن السورية ومركز التجارة فيها. وتشير الكاتبة لانعكاسات الأزمة السورية على السكان وما يمثله هذا الإتفاق من بصيص أمل لهم.
فبحسب كيري الذي توقف في الأردن بات أكثر من 13.5 مليون سوري يعتمدون على المساعدات الإنسانية في حياتهم اليومية. واتهم تقرير لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة صدر يوم الإثنين النظام السوري بممارسات واسعة وجرائم تشمل التجويع والتدمير المقصود للبنى الطبية التحتية. وتقول رايت إن تدفق اللاجئين السوريين في مناطق الشرق الأوسط زعزع استقرار المنطقة ففي لبنان يشكل اللاجئون السوريون ربع السكان. وفي الأردن تعتبر رابع أكبر المدن فيه مدينة يسكنها اللاجئون السوريون واستقبلت تركيا أكثر من مليوني لاجئ.
واجتازت الأزمة الحدود، فنسبة 10% من اللاجئين السوريين يحاولون الوصول إلى أوروبا. وترى رايت أن وحشية وتعقيد الحرب تجعلان من نجاح الهدنة أمراً مشكوكاً فيه.
إبراهيم درويش