مر هذا الاسبوع في ظل تشدد رد فعل حماس على غارات سلاح الجو في قطاع غزة وذلك رداً على استمرار إرهاب الطائرات الورقية. من ناحية الذراع العسكرية لحماس فإن المعادلة بسيطة: الهجوم على أهداف في عمق قطاع غزة سيؤدي بشكل فوري إلى اطلاق الصواريخ وقذائف الهاون نحو غلاف غزة.
هذا التصعيد المضاف يقرب المواجهة العسكرية في القطاع، المواجهة التي لا تعني إسرائيل وهي تبدي ضبطا للنفس في محاولة لوقف الانجراف. وتعود الاسباب التي تدعو القيادة السياسية والامنية إلى ضبط النفس إلى مصادر متنوعة: بدءاً من فكرة انه حتى بعد حملة عسكرية لن يكون تغيير في الوضع، وحتى اعتبارات أمنية تتعلق بالوضع المتوتر في الشمال، الصراع ضد إيران، قتال جيش الاسد بجوار الحدود والرغبة في ازالة العائق التحت أرضي دون عراقيل.
وفي هذه الاثناء تأخذ حماس في شد الحبل حتى آخره تقريبا، والضغط الجماهيري والسياسي على رئيس الوزراء ووزير الدفاع يشتد. ولكن في هذه اللحظة لا يوجد تغيير في سياسة استخدام النار في الجيش الاسرائيلي. هجمات محدودة في القطاع في ظل الامتناع عن المس بالمدنيين.
في ظل التصعيد المتواصل في الجنوب، تحاول اسرائيل أن تدفع إلى الامام بكل القوة لحلول انسانية لقطاع غزة. ويشارك في هذه الجهود أيضاً جيسون غرينبلت، مبعوث الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط، جارد كوشنير، المستشار المقرب من ترامب. ونيكولاي مندينوف، مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الاوسط، الذي يحاول الدفع إلى الامام بسلسلة من المبادرات الاقتصادية في محاولة للتخفيف من الازمة في غزة التقى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يوم الثلاثاء.
كوتيرة اللقاء هكذا أيضاً وتيرة الافكار: رصيف بحري في قبرص، مزرعة طاقة شمسية في غزة، مناطق صناعية ـ كما يحلو للخيال ان يسرح. يبدو أن كل الخطط التي كانت في الجارور تكاد تمتشق. غير أنه بين النشر في وسائل الاعلام والواقع ـ ثمة مسافة بعيدة.
ان الفكرة الاولى لوزير الدفاع افيغدور ليبرمان هي أن تتبلور في غضون نحو شهرين رزمة إعادة تأهيل لقطاع غزة بشرط حل مسألة المفقودين واعادة ضحيتي الجيش الاسرائيلي هدار غولدن وأورون شاؤول. ويعتزم ليبرمان عرض الخطة بشكل فوري، في اعلام علني لسكان القطاع، من فوق رأس حماس وانطلاقا من التفكير بأن يمارس المواطنون الضغط على قيادة المنظمة.
ولكن في كل ما يتعلق بالمبادرات الاقتصادية في القطاع، فكل شيء هو مسألة توقيت: ما كان ممكنا عمله بعد الجرف الصامد على مدى أربع سنوات من الهدوء، حشر الان في فترة قصيرة، فيما أنه يبدو للناظر من الجانب شيئا من قبيل الابتزاز تحت التهديد.
لم تكن الجرف الصامد حملة عسكرية ناجحة، ولكن تماما مثل حرب لبنان الثانية أدت إلى فترة هدوء طويلة. وكان يمكن في هذه السنوات عمل ما يتم الآن تحت الضغط. ولكن هكذا هي الحال في اسرائيل: عندما يكون هدوء لا يكون إلحاح. أما الآن فالوضع أكثر تعقيداً، ولا سيما في ضوء الساحة الشمالية الاكثر تهديدا.
يعارض جهاز الامن العام «الشاباك» ـ المخابرات بناء ميناء في قطاع غزة. وينبع الاعتراض في بدايته ليس فقط من التهديدات الامنية. فقد ادعى مسؤولو «الشاباك» بأنه سيكون لاقامة الميناء أثر على السلطة الفلسطينية وأجهزة الامن في الضفة. ويدعون في «الشاباك» بأن رسالة مثل هذه الخطوة بأن الإرهاب مجد. حماس ستحقق مكسبا وتخرج كمنتصرة، فيما أن السلطة الفلسطينية المتهمة بالتعاون مع اسرائيل ستخرج ضعيفة ومهانة وكمن ليس قادراً على تحقيق انجاز للفلسطينيين.
هذه هي بقدر كبير القصة اليوم. يمكن قول الكثير من الامور السيئة عن أبو مازن، عن التحريض والضرر السياسي الذي يلحقه لاسرائيل، ولكن أيضاً لا يمكن أن نأخذ منه الهدوء النسبي الذي يحققه في الضفة، حتى بعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واحداث مسيرة العودة في غزة. ولاجهزة الامن الفلسطينية دور كبير في ذلك، قبل كل شيء لان هذه مصلحتهم. ولكن اختبار النتيجة يعد هذا معطى لا يمكن تجاهله.
عودة إلى غزة. إذا ما تبلورت رزمة انسانية، فستستخدمها حماس كي تعزز الرواية في الشارع الفلسطيني والتي تقول ان اسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة وان الصواريخ تحقق الانجازات. هذا بالضبط هو الثمن الذي تدفعه اسرائيل على انها تقتاد من منظمة إرهابية أضعف منها بكل مقياس ممكن وتوجد في ازمة سلطوية، لم تستغلها اسرائيل.
ولكن ليست اسرائيل وحدها هي التي ستكون مطالبة بأن تتصدى للمعالجة الجديدة، فهذه ستكون ايضا مشكلة السلطة الفلسطينية في الضفة. مشكلة سياسية بل وربما اكبر. اتهامات مباشرة من قيادتهم السياسية تجاه أبو مازن وكأنه المسؤول عن الوضع في قطاع غزة لا تساهم في شيء في هذه المرحلة. من الافضل لاسرائيل أن تركز على حماس وبقدر أقل بكثير على السلطة الفلسطينية ورئيسها. عليها أن تبحث عن حلول في القطاع مع السلطة وبمساعدة دولية لا أن تبحث عن سبل لتجاوزها في الأجهزة الدولية.
معاريف 29/6/2018