عن آخر الباقين من زمن المحرقة

حجم الخط
0

كلّهم، أبطال فيلم «تذكَّرَ» (Remember) شيوخ مسنون وفي آخر العمر. «روث» زوجة أحدهم، وهو شخصية الفيلم الأولى، كانت قد سبقتهم إلى الموت قبل أيام، وها هو زوجها زيف غوتمان (يؤدّي دوره كريستوفر بلامر) المصاب بالخرف يسأل، لحظة قيامه من سريره في مركز رعاية المسنين: أين هي روث.. أين زوجتي؟
بعد ذلك يتوالى ظهور الآخرين، الأول هو نزيل مركز الرعاية نفسه (يقوم بدوره مارتن لانداو) الذي ينضم إلى طاولة زيف مدفوعا في كرسي متحرّك ومزوّدا بأنابيب الأوكسجين. كان الفيلم ما زال في أوله حين راحت تطلع بين من حضروا لمشاهدته، هنا في الصالة البيروتية، تعليقات آسفة لما يؤول إليه حال الإنسان في آخر العمر. لكن ذلك لم يحل دون توالي مسنّين آخرين ليسوا أفضل حالا من سابقيهم. كان على زيف، المصاب بالخرف، أن يقوم برح٭لات ثلاث، واحدة بعد أخرى، إلى ولايات أخرى في الولايات المتحدة، كما إلى كندا، ليلاحق ذاك الذي اتخذ إسم رودي كيرلاندر، كي يطلق عليه الرصاص. وهو كان يُفاجأ في كل مرّة أن من تمكن من الوصول إليه ليس رودي كيرلاندر المقصود. هم ثلاثة اتخذوا هذا الاسم لسبب لا يتطرّق إليه الفيلم، لكنهم، وهم في العمر نفسه، كانوا هناك، ضحايا أو جلادين في مخيمات الموت في أوشفيتز.
إنهم، جميعا، في أيام الحساب الأخيرة، وهم في أيّ حال أمضوا السنوات السبعين التي مرّت واقعين في أسر تلك الأيام الرهيبة. أحدهم، أحد من اتخذوا اسم رودي كيرلاندر، كان قد توفي، لكنه ظل نازيا محتفظا بكل متعلقاته العسكرية القديمة وهو أورث ابنه كراهيته لليهود. لكن الآخرين لم يتوقّفوا عن الشعور باليأس والندم. إننا، في Remember، نشاهد آخر من بقي من ذلك الجيل. من بعد هؤلاء ستلازم صيغة الماضي كل رواية تروى عن المحرقة وستجري على السنة المؤلّفين وليس على ألسنة المتذكّرين. إنهم الرجال الأخيرون إذن، وقد تأخّروا كثيرا في الشروع بتصفية الحساب بينهم. زيف ذاك كاد يضيّع طريقه مرّات وهو يعبر تلك المسافات ساعيا إلى قتل من أمرَ بقتل عائلته آنذاك في ذلك الزمن، وهو كان يحتاج إلى من يوصله إلى غرفته في كل من الفنادق التي تنقّل بينها؛ ومرّة بعد مرّة، كان يخذله عقله فيظن أن روث ما تزال على قيد الحياة، وهذه كانت علامة الخذلان الوحيدة التي راح يكرّرها مخرج الفيلم وكاتب نصّه.
الفيلم إذن عن أوشفتز في المحطة الأخيرة من حياة مَن هم الآن في عمرالتسعين.
لقد تقرّر الآن، في هذا العمر المتأخّر، أن يجري الانتقام (قبل فوات الأوان). كان زيف يتصل هاتفيا بمحرّضه على القيام بتلك المهمة، من الفندق الذي يكون نازلا فيه، ليبلغه بأن الرجل الذي تمكن من الوصول إليه ليس رودي كيرلاندر المقصود، فيسأله محرّضُه، لكن هل تنوي الاستمرار في البحث عن الرجل المقصود، فيجيبه زيف بالموافقة. وغالبا ما يكون هذا المحرّض منهمكا بين كتب وأوراق في مكتب قديم التأثيث بما يوحي بأن هذا الرجل، الكثير النشاط، على رغم الكرسي المتحرك وأنابيب الأوكسجين، صنع مركز أبحاثه الخاص للاقتصاص من ضباط المحرقة وجنودها.
لكن الفيلم لم يلبث أن خرج عن موضوعه وفكرته، في المشهد الأخير، وهو مشهد خروج الفيلم مما كان أقنعنا به، سينمائيا وروائيا، يسلك بنا المخرج أتوم أغويان مسلكا آخر مختلفا عما كان أسّس له. رودي كيرلاند الثالث هو رودي كيرلاند المقصود. بينه وبين زيف يجري حوار كان عليه أن يكون الأكثر كثافة وازحاما بالمعنى من كل الحوارات التي سبقت، لكن ما شاهدناه لم يكن إلا دليلا على أن المخرج، وكاتب النص قبله، لم يستطيعا الاستمرار في الدراما التاريخية والبشرية التي بدآها فانحرفا بالفيلم عن وجهته، جاعليْن أحد مكوناته، وهو خرف زيف، موضوعه الأساس. في خاتمة محبطة جُعلنا نشاهد كيف أن زيف هو نفسه الشخص الذي يبحث عنه ليقتله. إنه هو الضابط الألماني الذي أمر بقتل من ظنّ زيف أنها عائلته. إنه، ذاك المقنع في ما سبق من مشاهد الفيلم، يتحول إلى من ليس هو، هكذا بعناية في الصناعة قليلة وبلا مقدّمات كافية.
يحدث في أحيان أن يجد كاتب أو مسرحي أو سينمائي أنه لا يملك سبيلا لمتابعة ما سبق له أن قطع شوطا في بنائه، فيلجأ إلى ذلك النوع من الذكاء العملي ليخرج به من أزمته.. أو ربما رأى صانعا الفيلم أن ما سعيا إلى قوله عن مأساة المحرقة قد قيل في عشرات، بل مئات، بل ربما آلاف الأعمال التي سبقت، أو هل يكون الصانعان هذان قد وقعا في إغراء زمنين سينمائيين، فابتدآ من أحدهما وانتهيا في آخر؟

روائي لبناني

عن آخر الباقين من زمن المحرقة

حسن داوود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية