إذا غضبت السلطات السعودية لأي سبب من «صوفيا».. هل تسحب جنسيتها وتلغي قيدها المدني؟ هذا السؤال خطر على ذهني مرارا وتكرارا وأنا أشاهد القناة الثانية في المملكة الشقيقة، وهي تتحدث بتوسع عن المرأة الروبوت، التي قيل لنا إنها منحت الجنسية وجواز السفر.
حسب الشرح الذي تعيده مرة تلو المرة كل فضائيات السعودية للأمير الطموح محمد بن سلمان، وحسب فاصل دعائي كوني حقن في بلعوم الجميع في هذه الأمة وسطح الأرض مشروع «نيوم» الطازج سيعتمد على ما يسمى «أتمتة» وسيدار من قبل صوفيا وشقيقاتها.
لسبب أو لآخر تذكرت ثقافة الدول العربية في «سحب الجنسيات» فحكوماتنا تتفنن في هذا الأمر، حيث تسحب الجنسيات في البحرين والسعودية وسحبت سابقًا في الأردن، وحيث فئات عريضة من «البدون» في كل دول الخليج.
قيل لنا إن صوفيا المدهشة لديها قدرة على إظهار «انفعالات محددة»، وقد سئلت أمام الأمير محمد بن سلمان عن دورها في المستقبل فتحدثت عن شعورها بالفخر لأنها أول «مجنّسة إلكترونية».
يا ترى لو صدرت عن صوفيا نظرة «لعوب» وسط الرياض بحق أحد المشايخ أو اختلطت خلاياها الناظمة وقررت انتقاد الاعتقالات أو طالبت بالإفراج عن الأمراء المعزولين.. يا ترى لو حصل ذلك، هل تستطيع الاحتفاظ بجنسيتها وجواز سفرها السعوديين؟!
الأخت الجديدة
صوفيا من دون الإجابة سعوديًا عن أسئلة الإصلاح السياسي وقدرة على الانتقاد الشرعي ستكون مجرد لوحة إعلانية.. مشروع «نيوم» إياه يبدو مدهشًا ولا عقل أو تعقّل في معارضته ما لم يعمل لمصلحة إسرائيل، لكن استفسارنا ثقافي محض: كيف يمكن أن ينفذ هذا الانتقال الكبير المرحب به طبعا على شواطئ البحر الأحمر من دون دولة مؤسسات وقانون؟
صوفيا، أختنا السعودية الجديدة، التي انضمت للأمة محتاجة لمضمون سعودي لا لخبير إلكتروني ياباني فقط، لكي يديرها ويجعلها تبتسم أمام سمو الأمير وشركائه في «نيوم».. من دون مضمون اجتماعي وإصلاحي ستبقى هذه الصبية المسكينة مجرد لعبة تشارك في حفلة «وناسة» على الطريقة الخليجية، ويمكن سحب بطاريتها مِن قِبل عسكري بائس لا يؤمن أصلا بالابتسام.
إذا كانت الروبوتات ستحصل في مملكة العهد الجديد على جنسيات وجوازات سفر على حساب حرية الإنسان في التعبير مثلًا، فمن المنطقي أن نتوقع قريبًا جدًا افتتاح فرع سعودي كبير فيه روبوتات أيضا يحمل اسم «المتابعة والتفتيش» وظيفته سحب الجنسيات الممنوحة، حيث يكفي هنا سحب البطارية اليابانية أو الألمانية.
أي رؤية من دون مضمون فكري وثقافي على أهميتها وطموحها ستبقى مجرد «لعبة»!
ثورة أردنية بيضاء
ثورة بيضاء في التعليم.. وتعلّم مهارات القرن الـ 21.. هذا ما تحدث عنه الوزير اللافت للتربية والتعليم في الأردن لبرنامج «ستون دقيقة» الشهير محليا على شاشة الحكومة اليتيمة.
الوزير عمر الرزاز يقطع مساحات واسعة نحو انقلاب حقيقي في بنية التعليم المدرسي، ورغم أنه قليل الكلام، إلّا أنه من النوع الملتزم بقول ما يفعل وفعل ما يؤمن به.
أعرف الرجل جَديًا، وقد حادثته عدة مرات، ويبدو لي أنه في طريقه لتخليص الشعب الأردني من صداع أزلي اسمه «امتحان التوجيهي».
لكن حتى يفلت ببرنامج إصلاحي بسيط عليه أن يعمل ضمن نظام القطعة، فالمتربصون كثيرون والحساد أكثر، والمرشحون للانقلاب هم الأغلبية خصوصًا في تلك الأوساط التي يعتقد الرزاز أنها تدعمه، حيث توجد طبقة سياسية تكنوقراطية في الأردن تنتمي للمدرسة «الكلبية» وهي مدرسة فلسفية معروفة، تنحصر وظيفتها في «تهميش» إنجاز الآخرين ومنع أي آخر من أي إنتاج من دون سبب واضح.
وبمناسبة الحديث عن الروبوت صوفيا لاحظوا معي عمومًا ما يلي: عِليةُ القوم في عمّان تذرعوا عشرات المرات بصعوبة الإصلاح والتحديث مراعاة لحساسية الجار السعودي.
هذا الجار يؤسس اليوم مشروعات تديرها روبوتات، فيما وزير تربيتنا وتعليمنا الذي يستخدم تقنيات العلم منذ 40 عامًا أصلا يضطر لثلاثة آلاف دورة ولفة حتى يُقنع الناس في محيط وزارته وخارجها بأن التدريس عبر الكومبيوتر أو «اللاب توب» مثلاً لن يؤدي إلى ثورة شعبية أو سقوط دولتهم في أيدي الإخوان المسلمين ولن يؤدي إلى التحول إلى تايلند اجتماعيا.
عندما قالها الأمير علي
ظهر مصطفى الأغا وهو يتجول بين أزقة وسط مدينة عمّان برفقة كاميرا برنامجه الشهير «صدى الملاعب»، وبصيغة رحّب بها أهل عمّان، الذين لا يرون صورهم في غالب الأحيان حتى على شاشات تلفزة بلادهم.
مرة أخرى وبعد فريق الوحدات يخسر فريق النادي الفيصلي مباراة مع الرمثا، فيلوّح بمقاطعة مسابقات الدوري المحلية.
لكن المثير في حلقة النشامى، التي سجلها الأغا من برنامجه الجماهيري هي تلك الصراحة التي تحدث فيها الأمير علي بن الحسين، إنسانًا ورئيسًا لاتحاد كرة القدم، حيث برزت هنا موجة من «الصراحة».
فاجأنا أن الأمير يتفق مع مشاعر طبقة واسعة من الأردنيين، الذين لا يستطيعون «اصطحاب أطفالهم» إلى ملاعب كرة القدم المحلية، بسبب العبارات «البذيئة» التي تصدر من بضعة أفراد من الجمهور وتؤذي الأذن.
أخفق الأغا في تجنب سؤال مباشر عن ثنائية «الفيصلي» و«الوحدات» في الحالة الكروية والسياسية الأردنية.
الأمير بدبلوماسيته خفف من الحديث عن هتافات عنصرية في الأردن، مشيرا إلى أنها تنخفض، لكنه أقر بأنه لا يستطيع اصطحاب أولاده إلى بعض المباريات بسبب الهتافات المسيئة أخلاقيا، التي تصدح أحيانا، وهو أمر يفرح في كل حال، لأنني أقاوم منذ عامين رغبة ولدي الأصغر بحضور مباريات الكرة المحلية.
قد تكون الفرصة مواتية للتذكير بأن بعض القوى الرسمية استثمرت يوما في ظاهرة هتافات الملاعب، خصوصًا أثناء مباريات «الفيصلي» و«الوحدات»، حيث عبارات الكراهية والعنصرية وقلة الأدب.
ليسمح لنا الأمير بكلمة صغيرة: من عند ذلك الاستثمار السلبي تبدأ مسيرة التصحيح، لأن اعتقال ومحاكمة نفر من الجمهور لا يكفي، فعلى من يروج لأي غرض وثقافة معيبة في البلاد أن يفهم مسبقا أن التكلفة ستكون عالية وحاسمة وحازمة.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين