عن أي «أونروا» سنتحدث لاحقا؟

حجم الخط
0

في الظاهر العام؛ ليس ثمة جديد في الأزمة المالية الخانقة التي تشهدها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، ففي مثل هذا الوقت من كل سنة تقريباً تتعالى مناشدات إدارة الوكالة لأجل حث الدول المانحة على تنفيذ تعهداتها، بدفع تبرعاتها المقرّة سابقاً أو زيادة منسوب دعمها، تحت طائلة التلويح بتأثر برامجها الخدمية.
وكان ذلك الموقف يتجسد عبر تصريحات المفوضين العامين المتعاقبين للأونروا، ومن خلال خطبهم وتقاريرهم الخاصة، سواء تلك المقدمة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أو المطروحة أمام الجمعية العامة في دوراتها السنوية العادية المتوالية. ولو تم الرجوع إلى بعضها في سنوات سابقة، مثل سبعينيات أو ثمانينيات القرن المنصرم مثلاً، لما وجدنا عظيم فرق عن الوضع القائم حالياً، باستثناء تنامي عدد اللاجئين الفلسطينيين وزيادة معاناتهم إزاء عدم التوصل، حتى الآن، إلى حل عادل وشامل لقضيتهم، وفق القرار الدولي 194، القاضي بحق عودتهم إلى ديارهم وأراضيهم التي هجُّروا منها بفعل العدوان الصهيوني عام 1948 وتعويضهم.
بيدّ أن الانتقال من تلك الصورة الخارجية السطحية إلى عمقها المستور، يبين فداحة مأزق «الأونروا» الراهن، الأبعد كثيراً من مسألة عجزها المالي الضخم الذي وصل هذا العام إلى حوالي 101 مليون دولار، والمرشح للزيادة إلى حوالي 150 ـ 160 مليون دولار مع دخول العام الجديد لدى عدم سداده، الذي دفع بإدارة الوكالة لاتخاذ قرار تقليص الخدمات التعليمية والصحية والإغاثة الاجتماعية، المقدمة للاجئين الفلسطينيين، وفي مقدمتها التعليمية، تحت طائلة التلويح بإمكانية تأجيل العام الدراسي المقبل، في لغة مخففة بديلة عن قرار إغلاق 700 مدرسة تضمّ زهاء 500 ألف طالب وطالبة، في مناطق عمليات الوكالة الخمس (الأردن، سورية، لبنان، الضفة الغربية وقطاع غزة).
مثلما يكشف، أيضاً، عن مغزى الرسالة الصارمة التي وجهها الأردن إلى الاجتماع الطارئ للدول المانحة والمضيفة للاجئين الفلسطينيين، الذي عقد في عمان يوم 26/7/2015، التي عبّر فيها عن «سخطه» من الوضع الذي آلت إليه «الأونروا»، وتساؤله إن كانت توجد «أجندة خفية» تقف وراء بلوغها هذا المصير، في الوقت الذي تتدفق فيه الأموال ضمن ساحات عربية مأزومة بينما تترك الوكالة لمأزقها الحالي.
الأردن، الذي يستضيف على أراضيه زهاء 42٪ من إجمالي خمسة ملايين لاجئ فلسطيني يقيمون في الدول المضيفة، يدرك جيداً فداحة تبعات إضافة أعباء أخرى على كاهله الرازح تحت وطأة ضغوط ثقيلة، عند تراجع تمويل المانحين للوكالة.
ولعل هذه الرسالة الساخطة، التي عبرت عن لسان حال بقية الدول المضيفة كما هو حال العاملين في «الأونروا»، تشبه إلى حدّ ما تلك التي كانت تخاطب المجتمع الدولي في الفترة اللاحقة لانعقاد مؤتمر مدريد للسلام (1991) وعقد اتفاق «أوسلو» الفلسطيني – الإسرائيلي (1993) ومن ثم معاهدة السلام الأردنية ـ الإسرائيلية (1994) حينما تراخت الدول المانحة عن دفع تبرعاتها المالية للميزانية العامة للوكالة، ظناً منها أن عهد السلام قد لاحّ أوانه، وأنه لم تعد هناك حاجة لوجود «الأونروا» أو ضخّ أموال في ميزانيتها ما دام طرفا الصراع العربي ـ الإسرائيلي قد أبرما «اتفاقيات» أو «شبه» اتفاقيات سلام، وعزما الأمر على تبني عملية التسوية السلمية، ولكن سرعان ما انكشف للعالم أجمع خطأ اعتقادهم، الذي اصطدم بصخرة تعنت الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه المتواصل ضدّ الشعب الفلسطيني، وكتله الاستيطانية التي زادت وتيرتها عقب «أوسلو» تحديداً. ورغم اختلاف الظروف المصاحبة لحال «الأونروا» آنذاك عنها اليوم، إلا أن النتيجة تكاد تكون مماثلة، مع حضور البصمات الإسرائيلية في كليهما، إذ يجد الاحتلال في المشهد الإقليمي العربي الراهن، مناخاً مواتياً للمضيّ في ما يعتقده فعلاً بعيداً عن ضغط المساءلة، إزاء الانحياز الأمريكي المفتوح له وضعف الدعم العربي الإسلامي للقضية الفلسطينية، لأجل تعميق الخلل القائم في الأراضي المحتلة لمصلحته، ومحاولة ضربّ أسّ القضية الفلسطينية في الصميم، الذي لا يتحقق بالنسبة إليه إلا من خلال إسقاط حق العودة وتصفية «الأونروا»، التي تعدّ الوجه البارز لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وشاهد العيان على جرائم الاحتلال ضدّ الشعب العربي الفلسطيني منذ ما قبل عام 1948 حتى اليوم، من خلال خلخلة الدعائم المالية للوكالة ونسجّ الدعاوى عن قنوات إنفاق تبرعات المانحين التي تذهب في مشارب أخرى لا علاقة لها بالخدمات المقدمة للاجئين، وتأليب مجتمع المانحين على غياب مبرر وجودها وحاجة استمرارها، في ظل تصدر قضايا تحتل أولوية الصرف والاهتمام الدولي، مثل القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» و»جبهة النصرة»، اللذين ما يزالان يشغلان، بجرائمهما ومساحة سيطرتهما، أولوية التحرك الإقليمي الدولي.
ويحشد الاحتلال حراكاً نشيطاً من أجل تحقيق مبتغاه، عن طريق اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وأوروبا، لمقاربة ما نجح في فعله سابقاً، حينما أوقفت الحكومة الكندية، التي تعدّ من كبار الدول المانحة للأونروا، مساعداتها المالية للوكالة عام 2010، بزعم حصول حركات المقاومة الفلسطينية عليها واستخدامها ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، وحينما شنّ الاحتلال، وما يزال، حملة شعواء ضدّ المناهج التعليمية المعتمدة في مدارس الوكالة تحت مزاعم تحريضها عليه، رغم أنها مناهج الدول المضيفة وليس للاونروا مناهج خاصة بها، في قلب واضح لحقيقة أن «المناهج التعليمية الإسرائيلية» هي التي تحرّض على الإرهاب وعلى قتل الفلسطينيين وإبادتهم وطردهم من وطنهم وارتكاب الجرائم بحقهم، وليس العكس.
وقد تواتر هذا الفعل المضادّ للأونروا مع مساعي الاحتلال في الأمم المتحدة، منذ عام 2013، لتغيير الصيغة القانونية الخاصة بتعريف اللاجئين الفلسطينيين، صوبّ نفيها عن أبناء الذين أجبروا على مغادرة فلسطين عام 1948، تحت مزاعم أن «حق العودة، وليس المستوطنات، يشكل العقبة الرئيسة في وجه عملية السلام ويقود إلى تدمير الكيان الإسرائيلي»، إلا أن وكالة الأونروا تؤكد دوماً أن «صفة اللاجئ الفلسطيني تنقل إلى الأبناء والأحفاد أيضاً، ولا تغيير على ذلك مطلقاً»، وفق التعريف الذي وضعته للاجئ الفلسطيني، الذي يعدّ جزءاً من منظومة أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عندما منحت تفويضها للوكالة عند تأسيسها عام 1950. وفي المحصلة؛ قد يتم تجاوز المحنة الحالية «للأونروا» بقيام الدول المانحة بتغطية جزء أو معظم العجز المالي للوكالة، وقد تستمر الجهات المانحة، ضمن مسار متثاقل، في دفع التزاماتها تجاه ميزانية الوكالة، التي لا تتناسب مطلقاً مع الزيادة الطبيعية للاجئين الفلسطينيين ولا مع التنامي المطرد لاحتياجاتهم، وقد تقف الدول المضيفة للاجئين، والدول العربية عموماً، إلى جانب الدول الصديقة والداعمة لعدالة قضية الشعب الفلسطيني، في وجه مساعي تصفية الوكالة، لصالح استمرار وجودها، وصدّ محاولات إلغاء المخيمات شيئاً فشيئاً، كما حدث في وقت قريب مع مخيم نهر البارد، وكما يتم الآن مع مخيم اليرموك.
غير أن ذلك لا يخفي حقيقة أن «الأونروا» التي نتحدث عنها اليوم مختلفة تماماً عن تلك الكائنة سابقاً، أو تلك التي ستكون عليه لاحقاً، بعدما أصابت التصدعات برامجها الخدمية الأساسية حدّ الكفاف، وطرأت تقليصات على خدماتها، التعليمية والصحية تحديداً، في نهج غير مرئي لضربّ ركائزها وطمسّ هويتها، وتغييب قضية اللاجئين الفلسطينيين معها.

٭ صحافية وباحثة من الأردن

د. نادية سعد الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية