عندما افقد السيطرة على جهاز الكومبيوتر ولا يعود يقبل أي أوامر لتشغيله ويتمرد على لوحة الكيبورد وكل أنواع الضغط على مفاتيح التشغيل، أشعر بأن هناك (مؤامرة) وهجوما كاسحا من (داعش الفيروسات) لتخريب ذواكر الكومبيوتر التي تصبح في خبر كان، ولابد في هذه الحالة من الاستعانة بصديق أو خبير ليقوم بفرمتة الجهاز وتنصيب البرامج من جديد، وأفقد الأرشيف الذي اختزنته خلال سنوات، ويعود الكومبيوترالى المربع الأول بولادة جديدة بلا ذاكرة وبلا ملفات ووجع رأس.
هذه الحالة تتكرر معي كل عدة سنوات وقد أستطيع الحفاظ على بعض الملفات التي تهمني أرجع اليها عند الضرورة. اشعر بأنني بحاجة لفرمتة (عقلي) وإلغاء الذواكر المختزنة في رأسي وتعود الى الأربعة عقود التي عملت فيها في الصحافة الرسمية، وكنت شاهداً على كل الممارسات الانتهازية لكثير من المتسلقين والوصوليين الذين دخلوا الإعلام من بوابة الواسطة. جهات نافذة كانت تشرف على الاعلام وتمنع تواصله مع الناس، المديرون الذين تناوبوا على المسؤولية كانوا الأسوأ، وفي كل مرة يأتي مدير جديد، يطلب مني في أول يوم له في الجريدة التعاون ويفرد لي أحلامه في التأسيس لإعلام جديد يحمل بصمات التغيير الذي يريده، وأكتشف أن كل ما يفكر به هو تقديم أوراق اعتماده إلى الجهات التي اختارته ليقوم بدور المنقد والمخلص للإعلام، وفي الحقيقة وبعد أيام نكتشف أنا وبعض المهنيين وهم قلائل أن المدير الجديد لا يملك لا الخبرة ولا المؤهل العقلي الذي يسمح له بتمثيل دور (رئيس التحرير) ويبدأ بتكوين شلة من الانتهازيين الذي يشيدون بحكمته وعبقريته، وأن الصحيفة في عهده ستحقق أعلى معدلات التوزيع، وسيقبل عليها الناس أكثر من إقبالهم على الخبز، ويقومون بتزوير أرقام الطبع والتوزيع وإخفاء الأرقام الحقيقية عن التداول واعتبارها أسرار دولة، وأذكر أن احد المفاصل في التحرير قدم معلومة لأحد رؤوساء التحرير بأن حلف الأطلسي هاجم افتتاحيته، حيث انتشى رئيس التحرير طرباً من هذه المعلومة. ورئيس تحرير آخر ذهب بعد أيام من تعيينه مع الوفد الإعلامي المرافق لرئيس الوزراء إلى دولة خليجية، وبعد وصول الوفد وإجراء أول جولة من المباحثات، أرسل أخبار الاستقبال والمباحثات ونشرها (افتتاحية) في الصفحة الأولى في العدد الصادر في اليوم التالي.
اعترف وبكل فخر واعتزاز أنني عملت مع اثنين من المديرين حاولا أن يقدما صحافة تتصالح مع الناس وتعبر عن همومهم وتطلعاتهم، الأول المرحوم الأستاذ جلال فاروق الشريف الذي عملت معه في التأسيس لصحيفة «تشرين» وكان هذا الرجل مهنياً من الطراز الأول وجاء والجريدة في أفقر أوضاعها، وكانت تشغل غرفتين في مطابع صحيفة «الثورة» بدوار كفرسوسة وغرفتين في معهد الاعداد الإعلامي الذي كان مديره، وشكل طاقما للتحرير من الخبرات الإعلامية والثقافية البارزة في سورية، وكان منهم أساتذة غادروا الحياة وتركوا ارثاً ثقافيا وابداعياً يعرفه كل السوريين ومنهم، د. غسان الرفاعي- عادل أبو شنب – محيي الدين صبحي- وآخرون. وكان من المجموعة المؤسسة الأستاذ جبران كورية وتناوب على كتابة زاوية «عزف منفرد» اليومية الكبيران الشاعر الراحل محمد الماغوط والأستاذ زكريا تامر ـ أطال الله عمره ـ القامة الإبداعية الذي يواصل مسيرته في الكتابة الإبداعية كل يوم.
الثاني الذي عملت معه هو الأستاذ محمود سلامة الذي كان يملك حماساً لتطوير العمل في صحيفة «الثورة»، وكان هذا الرجل يملك حساً وطنياً ورغبة في رفع المستوى المهني للجريدة، لكن (الرفاق) في الجريدة لم يعطوه فرصة ليقوم بمشروعه وانهكوه بالتقارير، لأنه لم يكن حزبياً ولم يكمل عامه الأول في الجريدة، حيث تمت إقالته، وتوفي بعد أشهر من إقالته. أستعيد عبارة إهداء لروايته «ليلة نبع الفوار» وهو يقدمها لي: «ترى هل تتمكن الأجيال اللاحقة من استرداد أحلامنا المغدورة، هل نخرج من الشرنقة ذات يوم ونولد من جديد؟ آه يا صبري.
٭ صحافي سوري
صبري عيسى