عن الإسلاموفوبيا: الإسلام في الغرب وحالة حصار

حجم الخط
0

كان عنوان افتتاحية صحيفة «الغارديان» (16 شباط/فبراير 2015) من «كوبنهاجن إلى نورث كارولينا: التهديد نفسه للحرية» وكانت الصحيفة تعلق على مقتل ثلاثة شبان مسلمين أمريكيين على يد «ملحد متطرف» وعلى الهجوم الذي نفذه شاب مسلم على مقهى اجتمع فيه مثقفون في ذكرى إصدار آية الله الخميني الفتوى الشهيرة ضد الروائي البريطاني من أصل هندي، سلمان رشدي وروايته «آيات شيطانية» التي تهجم فيها على النبي وأهل بيته. وقد ركزت الصحيفة على بعد «الحرية» التي رأت أنها مهددة من المتطرفين سواء كانوا مسلمين أم ملحدين. حرية العبادة وحرية التعبير وهما مظهران من مظاهر الحرية التي تراها مهمة وضرورية ولا نقاش عليها في مجتمعات الديمقراطية.

لا يهتمون

كان القاتل في أمريكا كريغ ستيفن هيكس (46 عاما)، وفي الهجوم الدانماركي عمر الحسين، شاب بتاريخ مضطرب خرج من السجن حديثا. ورغم دفاع الصحيفة عن الحرية كقيمة لا تقدر بثمن إلا أنها لفتت الإنتباه لتردد مكتب التحقيق الفيدرالي (أف بي أي) في التعامل مع جريمة تشابل هيل كجريمة كراهية. فقد سارع الإعلام للتركيز على أن الجريمة مرتبطة بخلاف حول مواقف السيارات. وهو ما أثار غضب المسلمين الأمريكيين الذين تحركوا وبدأوا حملات عبر وسائل التواصل الإجتماعي للإحتجاج والتعريف بمستوى الكراهية. اضطر لاحقا الرئيس باراك أوباما لشجب الجريمة إلا أن عملا بشعا كهذا غاب عن معظم الصحف الكبرى الأمريكية وأصابت العدوى رصيفاتها الصحف البريطانية التي لم تظهر اهتماما واضحا مقارنة مع التغطية الواسعة التي أعطيت لحادث كوبنهاجن، وهذا واضح في تعامل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) مع القضية، وكيف لا وهناك ضحايا يهود تماما كما تم التعامل مع هجمات تشارلي إيبدو في الشهر الماضي. وبدلا من التركيز على القتلى المسلمين انتشرت تغطيات حول تصاعد موجات العداء للسامية ودعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى هجرة جماعية لليهود لإسرائيل.
في ظل هذا لم يقل أحد أو يتجرأ على القول أن هجوم تشابل هيل هو تعبير عن موجة كراهية «إسلاموفوبيا» ضد مسلمي أمريكا، بالطريقة نفسها التي يتأثر فيها المسلمون الأوروبيون بحس الحصار بعد كل هجوم إرهابي يتبين أن فاعله «مسلم»، ويتم تجريم كل مسلم وتحميله وزر الفاعل وكل هذا تعبير عن حالة من الرهاب من المسلمين ودرجة عالية من الكراهية والعنصرية ضد المسلمين يعاني منها المسلمون منذ أن أصبحوا مواطنين في أوروبا.

أن تكون مختلفا

لكن دعونا لا ننسى لعبة الدلالات في الهجومين، فكوبنهاجن كانت احتفاء برشدي والثاني كان هجوما على حرية العبادة والإختيار أو كما قالت «الغارديان» حرية أن تكون مختلفا. فكل التخويف من الإسلام على ضفتي الأطلنطي يقوم على فكرة رفض الإسلام باعتباره مختلفا وهذا هو جوهر «الإسلاموفوبيا». فمنذ صدور تقرير « رانيميد تراست»، المعنون «إسلاموفوبيا تحد لنا» (1997) وتحدث عن مأسسة العداء والكراهية للمسلمين في الخطاب العام أيا كان، يحاول المسلمون الضغط باتجاه اصدار تشريعات تحميهم كمسلمين أسوة بما حصل عليه السيخ واليهود والآن السود، خاصة في إطار التعددية الثقافية وبدون جدوى، والسبب أنهم ليسوا عرقا أو مجموعة بشرية. فلا يظهر الإعلام حساسية للهجمات على المسلمين بالقدر نفسه الذي يظهره عندما يتعلق الأمر باليهود وبدرجة متفاوتة بالسود.
ومن هنا ظل المسلمون باختلافهم عرضة للتمييز والهجمات التي تتخذ عدة أشكال، هجمات على المساجد والمراكز الدينية والتحذير من محاولات سيطرة المسلمين وفرضهم الشريعة على كل أوروبا وهذا هو جوهر دعوات السياسي المتطرف الهولندي غيرت ويلدرز، ودعوات حركة «وطنيون اوروبيون ضد أسلمة اوروبا» (بيغيدا) وخطاب الجبهة الوطنية الفرنسية، وأحزاب اليمين الشعبية مثل حزب الإستقلال البريطاني، طبعا هناك تباين في الخطاب ودرجات تطرفه لكن الجوهر هو العداء للمهاجرين ومحاولة شيطنة المسلمين.

ما بعد 9/11

وظل الخطاب المتطرف المعادي للمسلمين حالة أوروبية حتى هجمات أيلول/سبتمبر 2011 عندما تداعى اليمين الأمريكي المتطرف والمحافظ واستخدم الهجمات كذريعة لشن حروب في العراق وآفغانستان أو ما عرف باسم «الحرب على الإرهاب». ويلحظ أن الحرب على الإرهاب أدت لصناعة اسمها «مكافحة الإرهاب»، حيث أصبح ما يطلق عليهم «خبراء الإسلام» ومسؤولو الأمن القومي والمعلقون الصحافيين من اليمين المحافظ واللوبيات المؤيدة لإسرائيل هم من يصنعون «ثقافة التخويف « و»شيطنة» المسلمين. وكما كشف أرون كونداناني في كتابه «المسلمون قادمون» (2014) عن الطريقة التي تداخلت فيها الإسلاموفوبيا، التطرف والحرب الداخلية على الإرهاب، وانتج كل هذا صناعة قادتها مراكز أبحاث أسهمت في رفد الهوس بكل ما هو إسلامي ومسلم وشكلت بالتالي رؤية الرأي العام الغربي عن المسلمين. ويتفق كل الكارهين للإسلام في الغرب على مجموعة من النمطيات ترفد منطقهم من نظريات المؤامرة حول «الهلال الإسلامي» و»الشريعة» التي يريد المسلمون فرضها على المجتمعات الغربية، التحيز ضد حقوق المسلمين وتجريم المسلمين خاصة في نظر مؤسسات تطبيق القانون والنظام كما في البرامج والإستراتيجيات التي استخدمها مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي أي) فيما عرف بجمع معلومات عن المسلمين الأمريكيين. وكشفت دراسة مسحية أعدها «مركز التقدم الأمريكي» حول صناعة الكراهية ضد المسلمين «خوف إنك 2.0: شبكة الإسلاموفوبيا لتضيع الكراهية في أمريكا» (2011/2014) وقدمت الدراسة الشخصيات ومراكز الأبحاث والنواب المحافظون في الكونغرس ممن يثيرون غبار المعارك ضد المسلمين. وقال التقرير إن شبكة الإسلاموفوبيا حصلت على 57 مليون دولار لشيطنة المسلمين. وكتب مؤلفو التقرير ماثيو وياسمين تائب وكين غود وكين سوفير في مقدمته «تتخذ الإسلاموفوبيا شكلا من الخوف العام ومن الغضب تجاه المسلمين الأمريكيين كما شوهدت في سياق السرد حول «جهاد الحضارات» وخطاب الحقوق الدينية والإعلام المتحيزوتغطية ماراثون بوسطن». وقالوا إن تصنيع الكراهية نابع من «جهود سياسيين للإستثمار والإستفادة من مناخ الخوف كما شوهد في مشاريع القرارات التي تقدمت بها الولايات ضد الشريعة والتي صدرت في معظم أنحاء البلاد، ومزايدات السياسيين اليمنيين المتطرفين. وتعبر عن نفسها، ربما بخطورة من خلال السياسات الممأسسة التي تنظر للمسلمين باعتبارهم تهديدا كما يظهر في أدلة إرشادات مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي أي) لتدريب الشرطة والتي تقدم الإسلام على أنه دين عنف». ويقول التقرير إن «ناشري الذعر يقومون بتأييد شبكة إسلاموفوبيا وترتبط عادة بمحاولات مأسسة العنصرية ضد المسلمين.

المسلمون يشاركون

تتغذي الإسلاموفوبيا من العداء والتغطيات الصحافية التي تؤكد على الإسلام باعتباره دينا وتهديدا على الديمقراطية، ويشارك مسلمون ومتأسلمون وملحدون مسلمون و»معتدلون» بتأجيج مشاعر الكراهية كما يظهر في الأصوات التي سرعان ما يتبناها اليمين مثل الصومالية- الهولندية أعيان حرسي وندى سلطان في أمريكا. وقد حللت الباحثة المصرية- الأمريكية ليلى أحمد أدبيات هذه الحركة في كتابها المهم «ثورة هادئة» (2011). وهناك «انتهازيون» يستخدمون فكرة الكراهية ضد المسلمين كوسيلة لتحقيق المال، فقد ذكر تقرير مركز التقدم شخصاً اسمه وليد شويبات أصبح مسيحيا ومستشارا بالضرورة لأف بي أي وكتب وقدم محاضرات تقول للأمريكيين أن الإسلام هو العدو الأكبر. وحقق من مبيعات كتاب له نصف مليون دولار وهناك سام خروبة، وهو مسيحي أردني. وتجد مثل هذه العينات بين المسلمين في بريطانيا مثل ماجد نواز وإد حسين ولكن على قدر أقل حيث تحولوا إلى متحدثين باسم الإسلام «المعتدل» وتبنتهم مراكز البحث الأمريكية المحافظة. وصارت الحكومات تشجع على خلق أصوات متعددة تنطق باسم الإسلام.
ففي بريطانيا اليوم هناك العديد من الأصوات التي تتحدث إليها الحكومة باعتبارها ممثلة للإسلام بعد فشل تعاونها مع المجلس الإسلامي البريطاني الذي أصبح واحدا من كل رغم أن الغرض منه كان بناء صوت موحد للمسلمين في بريطانيا. وتظهر هذه الأصوات عندما يطلب منهم الساسة شجب أفعال تطرف وإرهاب. وفي هذا السياق تعتبر الحرب في سوريا وصعود ما تنظيم الدولة الإسلامية تغذي بطريقة أو بأخرى مشاعر العداء للمسلمين خاصة بعد ذبح التنظيم هذا للرهائن الأجانب وتفننه في القتل والحرق. ولا غرو فالجهاديون اليوم يعتمدون على العنف لاستفزاز حرب مع الغرب وتأكيد أنه في حرب مع الإسلام.

لسنا في حرب مع الإسلام

مع أن الساسة في الغرب وأمريكا يسارعون لنفي فكرة أنهم في حرب مع الإسلام بل ومع المتطرفين. وهي لعبة معاني، ففي الوقت الذي يتجنب فيه أوباما وصف تنظيم الدولة بالإسلامي تواصل طائراته بدون طيار قتل الناشطين ومعهم مدنيين أبرياء. وعلق في هذا السياق روجر كوهين في «نيويورك تايمز» على «اللازمة» التي يكررها السياسيون الغربيون من أنهم ليسوا في حرب مع الإسلام وأنها «أصبحت مستهلكة ولا يصدقها المسلمون في جميع البلاد الإسلامية فهي ليست ذات جدوى»، ويشير إلى قول رئيسة وزراء الدنمارك بعد مقتل مخرج الأفلام الدنماركي وحارس المعبد اليهودي حيث قالت: «نحن لسنا في معركة بين الإسلام والغرب. إنها ليست حرب بين المسلمين وغير المسلمين إنها حرب بين القيم المبنية على حرية الفرد وعقيدة مظلمة». وهي تصريحات لا تختلف عن تصريحات أوباما، فرانسوا أولاند وديفيد كاميرون
وفي وقت يخوض فيه الغرب معركة ضد حركات إسلامية «ظلامية» تقتل وتدمر وعندها لا يجدي كما يقول كوهين أن يتدرب الزعماء الغربيون على تصريحات كهذه في الوقت الذي يرى المسلمون عكس ما يقولونه. ويتساءل كوهين عن سبب العنف الجهادي، ويشير إلى مدرستين. الأولى تقول بأن الغرب هو الملام بسبب دعمه لإسرائيل والحروب (العراق) والوحشية (غوانتانامو وأبو غريب) وقتله للمدنيين (الطائرات بدون طيار) ونفاقه المدفوع بحب النفط. أما الثاني فهو الأنظمة العربية ومجتمعاتها المحرومة التي تعاني من الديكتاتورية المنهمكة في محاربة الإسلام السياسي والقمع والمؤسسات المتهالكة والطائفية واستبعاد مشاركة المواطنين ونظريات المؤامرة وعدم التمكن من توفير الوظائف أو الأمل لشبابها. وهو وإن رأى أن غياب الديمقراطية السبب، فإن صعود تنظيم الدولة وحرب أوباما الجديدة هما نتائج مباشر لفشل الربيع العربي والذي حمل الأمل لخروج المجتمعات العربية من أزمتها وتهميش الفكر الجهادي. وكعادة كل المثقفين والساسة في الغرب فالحل يأتي من العرب فهم القادرون على إيجاد الحل «ولكن التاريخ لن يرحم أوباما ايضا لفشله في دعم حركة التحرر القوية التي نشأت في تونس وليبيا ومصر وسوريا وغيرها، فعدم التفاعل هو أيضا سياسة وعدم التدخل هو ما أنتج الحال الذي نراه في سوريا اليوم».

عقيدة ظلامية

قد يكون في كلام كوهين قدر من الصواب لكنه لا يلغي خطر الإسلاموفوبيا فهي مثل عقيدة الجهاديين تقوم على قدر من الفكر الظلامي والشيطنة. وفي تحليل لخالد ابو الفضل قدمه في كتابه الجديد «الجدال مع الله» (2014) رؤية مهمة وجديرة بالإهتمام عن خطر الكراهية التي تقف أمام العقل. فهو يربط العداء للإسلام في تمظهره الأخير بالتقاليد الغنية في التاريخ الغربي والتي طورت كوسيلة للدفاع عن النفس وتغذت من الثيولوجيا المسيحية والسياسات المتعصبة. وتبدو نبرة أبو الفضل متشائمة محذرا من خطورة إسلاموفوبيا على العالم وليس على المسلمين. ويؤكد تحليله أن العداء للمسلمين لا يقتصر على التمييز في الحقوق والواجبات لمواطني أوروبا المسلمين بل وعلى صعيد الفكر. ويشير إلى أن اعتماد صناع السياسات على من يسمون بـ «خبراء الإسلام» يعتبر ردة فكرية وكأن الإنسانية لم تتعلم من دروس الذبح. ويرى ان ذبح الصرب للمسلمين تغذى من مشاعر العداء هذه. ولكنه يشعر بالراحة لأن هذه الإسلاموفوبيا لم تخترق مراكز البحث الأمريكي الجامعية الرصينة والتي لا تزال تصدر دراسات وأبحاث مهمة عن الإسلام. ومع ذلك فلا بد من الخوف، لأن حدثا كونيا مثل 9/11 ستتردد أصداؤه حتى القرن المقبل.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية