عن الاتفاق النووي في ذكراه الثانية

في الرابع عشر من يوليو عام 2015 تم التوقيع على خطة العمل الشاملة بين مجموعة 5+1 وإيران، وهو ما بات يعرف اليوم بالاتفاق النووي الإيراني.
خلال هذين العامين حدثت متغيرات كثيرة، لعل من أبرزها تولي دونالد ترامب للرئاسة في الولايات المتحدة، وهو الرجل الذي كان يعرف قبل ذلك باعتراضه على هذا الاتفاق. كان الفارق بينه وبين سلفه أوباما كبيراً، فالأخير كان متحمساً جداً لتوقيع الاتفاق الذي كان يمثل بالنسبة له نجاحاً شخصياً وحلاً دبلوماسياً للمعضلة الإيرانية، عبر «أنسنتها» وإعادتها إلى المنظومة الدولية، التي طالما غرّدت بعيداً عنها.
كانت النظرية التي عمل على تحقيقها الرئيس السابق أوباما وفريقه المقرّب بقيادة وزير خارجيته جون كيري تقول، إن كسب إيران واستعادتها كحليف وجزء من المجتمع الدولي سوف يعمل بالضرورة على الحد من طموحاتها العدائية، وتغولاتها الإقليمية، حيث أنه سيكون لديها حينها ما تخسره.
تسبب حماس أوباما لنظريته هذه في برود اكتنف علاقة بلاده بالمحيط العربي الخليجي، حيث تم تفسير هذا التوجه وكأنه محاولة لاستبدال الشراكة الاستراتيجية مع الدول الخليجية بشراكة جديدة مع طهران. تسبب ذلك في قلق كبير، عززه حديث بعض المحللين عن نهاية العلاقة الحميمة والتاريخية التي ربطت بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربية. مقابل كل ذلك، كان دونالد ترامب يحمل وجهة نظر مختلفة، حيث كان يمثل النظرة الأمريكية الكلاسيكية، التي لا ترى إيران إلا جزءا من محور الشر والإرهاب، لذلك كان الاتفاق النووي بالنسبة له خطاً لا يغتفر. انتقد الرئيس الجديد كذلك الرؤية التي بني عليها الاتفاق، وهي التي تربط الانفتاح على إيران بتحسن سلوكها، قائلاً في أكثر من مناسبة أن الانفتاح على إيران، وعلى عكس ما تم الترويج له، ساعدها أكثر على التمادي في أعمال الشر.
أحست بعض الأطراف العربية بالارتياح تجاه هذه الرؤية الجديدة، إلا أن إدارة ترامب ما لبثت أن أرسلت رسائل متناقضة كانت خلاصتها التحفظ على الدور الإيراني، ولكن أيضاً على دور بعض الدول العربية النفطية في دعم ورعاية الإرهاب. كان واضحاً أن الإدارة الجديدة، على الأقل بحسب تصريحات رموزها الكبيرة وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي نفسه، لا تفرق بين الإسلام السني والآخر الشيعي.
السياسة الترامبية، إن جاز التعبير، ما تزال غير واضحة المعالم، يبدو الأمر أحياناً وكأنه تلاعب أمريكي مقصود بأحجار طاولة المنطقة، الأمر الذي بدأ باستغلال إيران لتطويق العراق وأفغانستان، وضرب التحركات ذات الجذور السنية في المنطقة، الذي يقود الآن بشكل آخر، لاستغلال «الحلفاء السنيين» من أجل الدخول في حرب مزدوجة ضد إيران وأذرعها من جهة، وضد «المتطرفين» من السنة من جهة أخرى،
إلا أن البيت الأمريكي الداخلي نفسه لا يخلو من ارتباك، فما تزال اتهامات الارتباط مع الروس، التي أقيل بموجبها الجنرال مايكل فلين من منصبه كمستشار للأمن القومي، ما تزال تلاحق الإدارة الجديدة والرئيس الأمريكي بشكل شخصي، بغض النظر عن صحة هذه الشائعات، إلا أن من المؤكد أنها قد أثرت على تحركات الرئيس ترامب الخارجية. على سبيل المثال، فقد بدأ ترامب فترته وقد أشاد بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، وبتدخله في سوريا معلناً عدم نيته الدخول في معارك خارجية، ولكننا لاحظنا أن ذلك قد تغير، حيث تقوى الدور الأمريكي في سوريا والعراق، وأعلنت الولايات المتحدة مرة أخرى أن ملاحقة الإرهابيين هي أولوية من أولوياتها، كما قامت من جهة أخرى باستهداف إيران، الحليف الأشهر لروسيا، عبر مضايقتها في مناطق نفوذها، التي اكتسبتها بوضع اليد من ناحية وعبر إجراءات كفرض عقوبات والتهديد بمراجعة الاتفاق معها من جهة أخرى.
العودة للاهتمام بالمنطقة مثلها كذلك تعيين الجنرال هيربرت رايموند ماكماستر بديلا لمايكل فلين، حيث يملك ماكماستر، الذي عمل سابقاً في كل من العراق وأفغانستان، خبرة مهمة في شؤون المنطقة. تزامن كل ذلك مع تفعيل عقوبات أمريكية جديدة على طهران، ليس بسبب خرقها للاتفاق النووي، ولكن بسبب ما سماه المسؤولون الأمريكيون عدم احترام لروح الاتفاق المتمثل في التعاون من أجل مكافحة الإرهاب والتوقف عن التدخل السلبي في شؤون المنطقة.
في الداخل الإيراني أيضاً لم تخل الصورة من تعقيدات، حيث يبدو الرئيس روحاني، وهو الذي أظهر حماساً منقطع النظير لهذا الاتفاق في موقف لا يحسد عليه، فمن الواضح أن الأمور لم تمض بالشكل الذي توقعه على الصعيدين السياسي والاقتصادي. من الناحية الاقتصادية، قدم الرئيس روحاني مشروع الانفتاح على الغرب كحل للأزمة الاقتصادية التي كانت تمر بها البلاد إبان ترشحه للرئاسة أول مرة عام 2013. بدا للرجل أن هذا الاتفاق يشكل أرضاً صلبة يمكن الاتكاء عليها للخروج بالبلاد من الأزمة التي أفرزها الانغلاق السياسي والعقوبات التي استمرت لما يقارب العقدين من الزمان.
ما يدل على حماس روحاني الشديد لوجهة نظره المنفتحة على الغرب قيامه بعد أسابيع قليلة من توليه الرئاسة، على توقيع اتفاق مبدئي في ما يتعلق بالاتفاق النووي، وهو ما يعني أنه كان جاداً فعلاً، وأن الانفتاح على الغرب والتطبيع مع مؤسساته كان يمثل له فعلاً أولوية قصوى. بالنسبة للدوائر الأكثر تشدداً في طهران فإن إيران قد قدمت تنازلات أكثر من اللازم وقد تعززت هذه النظرة عقب تولي دونالد ترامب الرئاسة، فبعد أن تم منح النظام الإيراني الكثير من المليارات عبر شراكات مع الكثير من مؤسسات العالم، خاصة الأوروبية منها، في العام الماضي، إذ بالإدارة الجديدة ومنذ بداية هذا العام تقوم بفرض الكثير من العقوبات، وتجميد الكثير من الأموال استناداً إلى السلوك الإيراني غير البناء.
على صعيد الشارع والاقتصاد الإيراني العام كانت الصورة أيضاً لا تخلو من قتامة، فقد زادت نسبة البطالة والتضخم الذي تسبب بدوره في ارتفاع الأسعار. بالنسبة للمواطن الإيراني فإن الحال لم يتغير كثيراً وهذا يمثل بحد ذاته ضغطاً شعبياً كبيراً على مروجي خطة الانفتاح، إلا أنه من المهم أن نذكر هنا أن سبب التعثر الاقتصادي لا يعود فقط إلى العقوبات الغربية أو الأمريكية، وإنما تسببت فيه عدة عوامل أخرى، لعل أهمها التدخلات العسكرية الإيرانية الخارجية، وما تغدقه طهران من ملايين في سبيل التسلح والانفاق على أذرعها العسكرية في أكثر من مكان. كل هذا كان يمثلّ ضغطاً كبيراً على النظام الإيراني بلا شك، إلا أن الأخبار لم تكن جميعها سيئة لطهران، فبعد أيام من اجتماع حاشد بين زعماء وممثلين لأكثر من خمسين دولة مع الرئيس الأمريكي بأجندة واضحة ووحيدة، هي الوقوف ضد الأطماع الإيرانية ما لبث أن دب الخلاف بين أركان الحلف الناشئ.
هذه الأزمة الإقليمية المفاجئة لم تكن مفيدة فقط من الناحية التجارية بالنسبة لطهران، وهي الفوائد التي لا تخفى على أحد، ولكن أيضاً، وهو المهم، من الناحية السياسية حيث استطاعت إيران أن تلتقط أنفاسها وأن تتفرغ للعمل بصمت على مشاريعها، محاولة الإفادة قدر الإمكان من واقع جديد انشغل فيه الجميع بغيرها. على سبيل المثال كان هناك حديث قبل عامين في دوائر السياسة والتفكير العربية، عن ضرورة عرقلة هذا الاتفاق وتحويله من مجرد تأجيل لطموحات إيران النووية، كما هو الحال الآن، إلى إلغاء كامل لهذه الطموحات، هذه المساعي اختفت اليوم بشكل تام، أو كادت.
كاتب سوداني

عن الاتفاق النووي في ذكراه الثانية

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية