اختار اللوبي الإسرائيلي في بريطانيا فترة حرجة لحزب العمال البريطاني لبدء حملة واسعة ضده تحت عنوان «معاداة السامية» فاستهدف واحدة من نائباته في البرلمان، ناز شاه، مستعيداً تصريحات أطلقتها خلال حرب غزة عام 2014 تقترح نقل إسرائيل إلى الولايات المتحدة الأمريكية كحل للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي.
الحملة نجحت في دفع شاه للاستقالة من منصبها كمستشارة لوزير المالية في حكومة الظل، ثم في قرار حزبها تجميد عضويّتها، مما يمثل رضوخاً واضحاً للضغط وانحناء صريحا أمام اللوبي الاسرائيلي.
الضحيّة الثانية كانت عمدة لندن السابق كين ليفنغستون الذي سارع إلى دعم ناز مفجرا ما اعتبرته وسائل الإعلام «مفاجأة كبيرة» بقوله إن الزعيم النازي أدولف هتلر كان بعد نجاحه في انتخابات عام 1932 مؤيداً لذهاب اليهود إلى إسرائيل وللصهيونية، وهو ما أمّن زيادة في منسوب حملة اللوبي الإسرائيلي على ليفنغستون وعلى قيادة جيرمي كوربين العمّالية المعرّض لضغط بدوره من قبل نواب حزبه الذين تمرّدوا عليه خلال جلسة البرلمان البريطاني حول المشاركة في الحملة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا، وهو ما اضطر إدارة كوربين لطرد أحد أشهر شخصياتهم اليسارية.
ليفنغستون كان قد تعرّض لأزمة سابقة عام 2006 حين شبّه صحافياً يهودياً بحارس معسكر نازي خلال الحرب العالمية الثانية مما أدى لوقفه عن عمله كرئيس بلدية لندن لمدة أربعة أسابيع، وهو نفسه الذي قال جملته الشهيرة «شارون مجرم حرب» عام 2005، في مقالة بصحيفة «الغارديان»، كما ردّ على أحد أسئلة «جيروزاليم بوست» في العام نفسه بالقول إن إسرائيل تلهم تنظيم «القاعدة» الإرهاب.
إزاحة ليفنغستون بعد تاريخ طويل من وجوده في الحزب (47 عاماً) ومن الصمود العنيد بوجه الانتقادات والهجمات العنيفة لا يتعلّق بالشخص إذن ولا بتجاوز التصريحات لخطوط حمراء ما (فلا أحد، على ما يبدو، عاد إلى السجلات التاريخية للتأكد من صحة أو خطأ أقواله) فإذا كان الرجل قدّم أطروحة تاريخية فإن نائب رئيس الأركان الإسرائيلي الميجر جنرال يائير جولان ألقى الأربعاء الماضي كلمة تحدّث فيها عن حاضر إسرائيل الآن وقال فيها «إن هناك في إسرائيل اليوم دلائل على حدوث خطوات مشابهة لما حدث في ألمانيا قبل 70، 80 و90 سنة»، وهي مقارنة مباشرة لإسرائيل بألمانيا النازية.
الأمر إذن لا يتعلّق بالتأكيد بادعاءات «معاداة الساميّة» ويمكن قراءته على خلفية التوقيت والأهداف، فاختيار اللوبي الإسرائيلي لهذا الوقت بالذات يتقصّد ضرب اليسار في وقت ضعفه، واستهدافاته تتجاوز ذلك لأن بريطانيا كلّها تمرّ في وقت عصيب.
لا يتعلّق الأمر إذن بإضعاف قيادة جيرمي كوربين واستعادة الحزب المتجه يساراً إلى حيث كان أيّام توني بلير، أو بالتأثير في انتخابات عمدة لندن التي أقيمت أمس وكان أكبر متنافسين فيها المرشح العمالي من أصل باكستاني صادق خان، والمرشح المحافظ زاك غولدسميث، بل يمكن أن يؤثر أيضا في السباق المقبل على خروج أو بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.
ما يجري في بريطانيا إذن هو نموذج لحساسية اللوبي الإسرائيلي حول التطوّرات الكبيرة التي تمرّ بها أوروبا، ولكنّه أيضاً انعكاس لإحساس عميق بمأزق إسرائيل نفسها التي لا تريد الكفّ عن الاستثمار في كونها ضحيّة أوروبا وفي أنها جلاد العرب والفلسطينيين في الوقت نفسه.
رأي القدس