تؤشر كل الدلائل وواقع المخاض السياسي العسير في الجزائر أن البلاد مقبلة على تحول كبير في مسألة الصراع حول آلية إنتاج وإعادة إنتاج السلطة وفق طموح الأطراف الأكثر قدرة على ذلك، ونعني بها المصادر الكلاسيكية في انبثاق السلطة ورسم شكلها وتشكيلاتها وفق الثابت القديم الذي بني على خطاب شرعية جيل التأسيس الأول للدولة الوطنية الذي احتكر مرحلة البناء الوطني بحجة الأحقية الثورية، مخاصما بذلك، ليس سنن التاريخ ومقتضيات السياسة في التغيير فحسب، بل ومنطق الشرط البيولوجي الإنساني في حد ذاته، مما أسهم في رهن كل استحقاقات الأمة في التحول والتنمية ومبارحة سجالات عتبات الماضي بكل إشكالاته.
لكن مخاض التحول الحاصل وعلى ضخامته كونه قوض بشكل كبير الأداة الكلاسيكية التي كانت تنتج وتعيد إنتاج السلطة وهي جهاز المخابرات، يظل محصورا في الفاعلين في هرم السلطة من دون أن يمتد ذلك إلى شركاء المشهد من سياسيي المعارضة، ونخب المجتمعين المدني والسياسي، وصولا إلى الشعب الذي هو المصدر الحقيقي لكل السلطات مبدئيا على الأقل. الأمر الذي يطرح سؤالا جوهريا هل سيتمخض عما هو جار في رحى الصراع تحول ضخم ينقل البلد نحو جمهورية ثانية، بشرعية ديمقراطية تجب ما قبلها من شرعية ثورية؟ أم أنه تحول يسعى لاستعادة الدولة للسلطة ككل يخضع الجزء وليس العكس كما هو حاصل منذ انقلاب جماعة وجدة على شرعية الحكومة المؤقتة سنة 1962؟ أم أن التحول سيقتصر على استعادة مواقع المناورة بين فرقاء اللعبة داخل السلطة القديمة؟
تستمد كل تلكم الأسئلة شرعيتها من واقع الأحداث التي يعرفها مسلسل الصراع الفوقي حول السلطة، أي بين مختلف مكوناتها ورؤوسها، كان قد بدأ بالهجوم الكاسح الذي شنته قيادة الأركان المصطفة حول رئاسة الجمهورية على أهم جهاز سياسي في المؤسسة العسكرية منذ تأسس الجيش الجزائري إبان فترة الثورة التحريرية تحت مسمى جيش التحرير الوطني قبل أن يعاد تسميته في الاستقلال بالجيش الشعبي الوطني، وهو جهاز المخابرات، وتفكيك أوصاله وإلحاق مصالحه بقيادة الأركان، في بادرة لم تكن في حسبان أدق المحللين المختصين في شؤون الجزائر وجيشها الوطني.
فالمخابرات المعروفة «مديرية الاستعلامات والأمن» ظلت الضمير المستتر للسلطة في الجزائر التي قامت على أسس أمنية محضة بعد صدام الثوار عشية الاستقلال وصراعهم على غنيمة تلكم الثورة أي السلطة، فمذاك تغول هذا الجهاز وصار دوره يتضخم مع توالي نمو الدولة، إلى أن استحال إلى جناح يفوق في نفوذه الدولة ذاتها، بل وبلغ حد «إنجاب السلطة ذاتها» في معزل عن مؤسسات الدولة مما جعل «الدولة» في الجزائر تتحول إلى جزء من السلطة وليس العكس كما هو في مفهوم وعرف السياسة وعلومها!.
والآن وقد تم تفكيك بشكل شبه كلي شبكة هذا الجهاز العنكبوتية التي كانت تصل بخطوطها إلى أدنى زوايا بيوت المواطنين العاديين في الجزائر، فضلا عن الفاعلين السياسيين والاقتصاديين، وتخضع لسلطانها الجميع، ما هي مديات التحول ومستوياته في الآفاق القريبة للبلاد؟
البعض راح في تحليله إلى حد التأكيد على أن التحول سيكون عميقا ويشمل البلاد ككل، بحيث سيحقق لها نقلة نوعية وتاريخية تصل إلى حد التحول إلى الجمهورية الثانية منتهى حلم أجيال الاستقلال، كلام يعني بالضرورة أن جهاز الاستخبارات كان هو الحائل الوحيد للانتقال الجيلي والتاريخي للبلاد، ما يعني أن كل الأحداث التي قمعت خلالها بالنار أصوات التغيير وثبتت النموذج الجمهوري القديم القائم على سلطة «الشرعية الثورية» مثل أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 وتوقيف المسار الانتخابي وما نجم عنه من دخول البلد في حرب أهلية أتت على الأخضر واليابس إنما كانت بإرادة وتدبير هذا الجهاز وحده!.
أما البعض الآخر، فيرى أن الخلاص من وحش الاستخبارات وقدرته العنفية المستترة التي هيمنت على كل الإرادات الجماعية في الجزائر، سيسهم في تصحيح تراتبية ونسق البناء المؤسسي للبلاد وهذا عبر استعادة الدولة للسلطة بكل مستوياتها، الأمر سيعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة لا سيما منها تلك المتعلقة بالتمثيل الشعبي، وهو ما سيضفي على الاستحقاقات الشعبية المقبلة مصداقيتها، على اعتبار أن جل المنتخبين الذين كانوا يصلون إلى الهيئات النيابية إنما كانوا يستفيدون من حالة الهيمنة والإخضاع لآلية الانتخاب التي كانت تسيرها يد الاستخبارات، بل حتى هرم السلطة الذي كان الجهاز هو من يستقدم مرشحه ويقدمه للناخب مدعوما بآليات الدعاية الكاسحة.
في حين ترى جهات أخرى أن التحول في آلية إنتاج السلطة، وإن انتزع من يد الاستخبارات بشكل نهائي، فإنه سيظل في بيت السلطة ذاتها القديم، السلطة التي تخضع الكل بما في ذلك الدولة ولكن بأدوات وأيد أخرى، مستندة في ذلك على امتياز القوة الناعمة التي وفرتها لها ظروف خاصة، ونعني هنا بتلكم القوة الإعلام والمال، خصوصا رجال هذا الأخير كون هاته الفئة التي ولدت في عتمة الحرب الأهلية باتت تبسط سيطرتها على مؤسسات المجتمع بشكل يكاد يكون كاملا، وربما تكون هي الطرف الرابح من معركة كسر العظم الجارية في آخر مراحلها بين الفرقاء الفوقيين للسلطة.
رب سائل يسأل عن أثر المعارضة في ساحة هذا الصراع المعيد لتشكيل وجه السلطة في الجزائر، ومدى قدرتها على التموقع كرقم فاعل في العملية هاته؟ الحقيقة هي أن المعارضة في الجزائر عانت من عاهتين رسمتهما في المخيل الشعبي من خلال مرحلتين قلقتين في عمر الوطن، الأولى بعد الاستقلال عندما شقت بعض الأحزاب والتنظيمات عصا الطاعة عن السلطة الاستبدادية الاستقلالية، ودخلت في مواجهات مسلحة أحيانا، حولها الخطاب الإعلامي الرسمي إلى خيانة وسعي لتدمير الثورة والوطن وتهديد للاستقلال من قبل أطراف دولية بأياد جزائرية ومكنته الظروف الموضوعية من ذلك طبعا، والثانية، التي أعقبت تجربة ثلاث سنوات من التعددية الفعلية 1988 ـ 1991 والتي أجهضت بتوقيف المسار الانتخابي ودخلت إثرها البلاد في أتون حرب داخلية طاحنة حصدت العشرات من أرواح الأبرياء، ما أفضى بالمواطن الجزائري إلى اعتبار المعارضة مصدر شر بل وكل الشرور لشراستها وشراهتها في السعي للسلطة.
وعليه ثمة نفور حاد ومستديم من جانب المواطنين من العمل الحزبي وهذا ما عسر بشكل كبير عملية ميلاد مجتمع سياسي يحوز المقدرة على ممارسة وظيفته الطبيعية والعضوية في الدولة وهو الضغط على السلطة بالنقد والتطبيق لأبجديات السياسة وفق ما تسمح به أعراف العمل السياسي.
من هنا تنتصب الخشية كشبح مخيف في أفق البلاد من أن تفضي كل هاته المعارك المستترة المستعرة بين فرقاء اللعبة في هرم المسؤولية بالبلاد بقصد الاستحواذ على آلية إنتاج السلطة إلى استفراد جماعة ضاغطة أخرى تنوب عن جهاز الاستخبارات الجاري تفكيكه، لتسلك بعدها سلوكه وبالتالي تسقط كل أحلام وأماني الجميع في التحول نحو نموذج تعايش وطني جديد، إذ لم يفتأ الكثيرون يبدون خشيتهم من منقلب حكم بوتفليقة الذي سعى مذ اعتلى رئاسة البلاد إلى تكريس شبه نموذج القذافي في السلطة الذي بدأ ثوريا جماعيا وانتهى أسريا، وذلك في ظل الحضور القوي لأفراد أسرته وأتباعهم في مصادر صنع القرار في القصر الجمهوري.
٭ كاتب صحافي جزائري
بشير عمري