السعودية اليوم في ذروة تغييرات ثورية تسعى، هكذا وفقاً للمبادرين اليها، إلى التغيير الجذري للسلوك الاقتصادي والاجتماعي في هذه المملكة المحافظة. وبخلاف الثورات العربية التي وقعت في العقد الاخير، والتي تمت «من تحت»، فتلك الثورة السعودية توجه «من فوق» من ولي العهد والحاكم الفعلي محمد بن سلمان من قصره في الرياض. الامير إبن 32 سنة يسعى إلى فرض التغيير على بيت سعود نفسه أيضاً: من حكم جماعي لفروع العائلة المختلفة، مما خلق توازنات وكوابح، إلى ما يبدو أكثر فأكثر كحكم فرد مركزي، له. معارضون بالقوة أو بالفعل لـبن سلمان، بينهم رجال إعلام ودين واعمال بل وأمراء، اقيلوا، اعتقلوا أو سلب مالهم باسم مكافحة الفساد في عملية انعدمت عنها الشفافية حتى الان.
الفساد هو «سرطان في جسمنا وأدمنا على النفط» اعلن بن سلمان، الذي سعى في زياراته التي اجريت مؤخرا إلى اوروبا والولايات المتحدة إلى منح السعودية صورة المملكة الدينامية، الشابة والحديثة، وبالتوازي الاكثر تسامحا ومساواة. وبالتوازي، تنفق المملكة مبالغ طائلة من المال على مجموعات الضغط وشركات العلاقات العامة، وتساعد معاهد التفكير في الولايات المتحدة لتحسين صورتها. وسارع كثيرون في الغرب بالفعل إلى عقد التيجان على رأس بن سلمان، بعضهم بدعوى أنه يمثل في رؤياه وخططه كمال أتاتورك، أبا تركيا الحديثة. ولكن علم أن بين من يعرفه يقولون ان من الشخصيات التي يتمثل بها يوجد بالذات أناس كرئيس الصين، شي جينفنك. فهل سيختار بن سلمان تبني نموذج قريب للنموذج الصيني، الانغلاق السياسي والانفتاح الاقتصادي؟ بالتأكيد محتمل وان كانت محاولة قيادة السعودية في هذا الاتجاه ستصطدم بتحديات غير قليلة.
بين الوعود والقدرة على التحقيق
لا جدال ان هناك واجبا في اصلاح شامل في السعودية، اصلاح يطالب به صندوق النقد الدولي منذ نهاية القرن الماضي. أما رؤية الثورة السعودية، التي وضعتها شركة الاستشارات الدولية، فقد عرضت في نيسان/أبريل 2016 تحت عنوان «رؤية 2030». وركزت هذه الرؤية أولاً وقبل كل شيء على السعي إلى تنويع مصادر دخل المملكة. وفي إطار الاصلاحات فرضت ضرائب جديدة، بينها ضريبة القيمة المضافة، وخفضت أوجه الدعم الحكومي للكهرباء، المياه والوقود، التي ارتفعت اسعارها بالضعف في بداية 2018.
حاليا، تنجح المملكة في تمويل العجز في الميزانية (المتوقع أن يبلغ 52 مليار دولار) من خلال تآكل احتياطات العملة وبيع سندات دين، جندت من خلال ذلك نحو 40 مليار دولار في 2016 ـ 2017 وتسعى إلى أن تجند بهذه الطريقة نحو 30 مليار دولار اخرى في 2018. وكانت المحاولة لتجنيد 100 مليار دولار من خلال حملة الاعتقالات في تشرين الثاني 2017 اسم مكافحة الفساد ولكنها اغلب الظن لم تنجح إذ تم تجنيد مبلغ اقل بكثير.
بعد نحو سنتين من إطلاق الخطة، لا تزال البطالة عالية والنمو صفراً. فنحو 70 في المئة من مواطني المملكة هم دون سن الثلاثين، وفي هذه المجموعة العمرية، المتعاطفة حسب التقدير لبن سلمان تقدر البطالة بنحو 30 في المئة. اضافة إلى ذلك هناك علامة استفهام حول الجدوى والجدول الزمني للاكتتاب في الخارج لقسم من شركة النفط الوطنية «ارامكو» لتمويل الاصلاحات المقترحة. يحتمل أن يتم الاكتتاب في النهاية في البورصة المحلية، كسبيل للامتناع عن معوقات اقتصادية وقانونية.
من أجل مساعدة اقتصاد العائلات على التصدي لغلاء المعيشة المتفاقم ومنع الهياج المحتمل اطلقت الاسرة المالكة خطة «حساب للمواطن»، لاولئك الذين وجدوا مستحقين في أوساط الطبقة الوسطى ـ المتدنية (نحو 10 مليون مواطن)، مساعدة لا يستحقها العمال الاجانب في المملكة، ممن يشكلون نحو ثلث السكان. تدفع هذه الحقيقة الكثيرين منهم، ولا سيما من «الياقات الزرقاء»، للعودة إلى بلدانهم الاصلية،من دون أن يسارع المواطنون السعوديون إلى احتلال اماكنهم. عمال مهنيون أكثر يغادرون هم ايضا، اساسا بسبب الضرائب والكلفة العالية. ومع ذلك فإن التأهيل المهني للمواطنين السعوديين كي يحتلوا اماكنهم سيستغرق سنوات طويلة. في المدى القصير، فإن استقرار اسعار النفط في مستوى عال نسبيا (ضمن أمور أخرى بفضل التفاهمات بين موسكو والرياض) يدر مالا أكثر إلى صندوق المالية السعودية بالنسبة للسنوات السابقة، يساعد في تمويل الحرب في اليمن وفي الاصلاحات. ولكن هذا الارتفاع يساعد صناعة الرواسب العالمية ومن شأنه ان يقلل الدافع لاجراء تغييرات بنيوية هامة على المدى البعيد، وبالتأكيد إذا ما اضيفت اصوات ضد اثقال اليد على المواطنين.
لقد نزع بن سلمان من شرطة الدين بعضاً من صلاحياتها. أعاد فتح دور السينما وسمح للنساء بقيادة السيارات. هذه الخطوات الجزئية، التي لا تزال دراماتيكية بالمقياس السعودي، تمنحه وعن حق التعاطف. ومع ذلك، يجب تقديرها في السياق الصحيح: فالمساواة بين الرجال والنساء لا تزال بعيدة، والتنظيم السياسي بكل اشكاله محظور والمملكة لا تزال تدار كقاعدة وفقا للشريعة الإسلامية.
منتجات الاستهلاك والخدمات، التي قدمت على مدى السنين بالمجان، كانت تعتبر حقا مكتسبا بفضل الولاء لاسرة سعود. وعليه فإن ضررا كبيرا ومتواصلا لهذا الحق من شأنه ان يضر بهذه العلاقة، الهامة لاستقرار النظام، بين المواطنين والمملكة. يخشى بن سلمان الاحتجاج وعن حق. فهذا بالفعل يرفع رأسه بين الحين والاخر، ولكنه ينصب في هذه الاثناء في الشبكات الاجتماعية اساسا (وان كانت هذه تخضع للرقابة وليس واضحا بأي قدر تمثل باخلاص المزاج العام). وبالتالي، في بداية 2018، بعد أسبوع من فرض ضريبة القيمة المضافة ومضاعفة سعر البنزين، سارعت الاسرة المالكة إلى منح علاوات أجر وعلاوات أخرى لرجال القطاع العام المنتفخ، الذي يشكل السند لاستقرار النظام.
في المقابلات التي منحها بن سلمان للصحافة الغربية في أثناء زيارته إلى الولايات المتحدة أعلن بأن «الموت وحده سيوقفه»، يحتمل كسبيل للاعراب عن تصميمه على تحقيق أجندته أو ربما كتلميح لاولئك الذين أبعدهم عن مناعم الحكم وهالته لمعرفته انه من شأنهم ان يثوروا عليه في يوم من الايام.
يحتمل أن يكون هذا هو السبب للتقارير التي يفهم منها ان ولي العهد يحيط نفسه بالحراس، المرتزقة الذين ليسوا سعوديين. اضافة إلى ذلك مشكوك ان يكون سلوك بن سلمان الفردي يؤدي إلى الاستقرار في السعودية في المدى البعيد.
هذا الوضع ينقل رسالة سلبية ويزيد عدم اليقين في اوساط المستثمرين في الغرب ايضا، ممن تحتاج الاصلاحات نفسها إلى خبراتهم ورؤوس اموالهم. وبنفس الشكل، فإن التخوف في أوساط السعوديين الاغنياء من مصادرة أموالهم باسم مكافحة الفساد أدى إلى خروج الكثير من المال الخاص من حدود المملكة. على بن سلمان ايضا أن يعطي الرأي في الفجوة المحتملة بين تصريحاته الطموحة وبين قدرة التنفيذ لتغييرات بعيدة الاثر في المبنى الاقتصادي السياسي وبسرعة. فكم من الوقت سيستغرق شباب المملكة حتى يصحوا؟ مشكوك أن يكونوا سيصمدون امام اجراءات التشدد الكثيرة المفروضة عليهم على مدى الزمن دون نتائج واسعة النطاق وملموسة، بينما ملكهم المستقبلي لم يغير نمط حياته الفاخر.
لعملية الاصلاحات الثورية في السعودية، وبالتالي ايضا لبن سلمان نفسه (الذي سيتوج ملكا في المستقبل القريب، إذا لم يقع تغيير غير متوقع) وجهان، وهكذا يجب التعاطي معها: تشجيع الاصلاحات الاجتماعية ـ الاقتصادية اللازمة التي يسعى إلى تحقيقها وبالتوازي اشتراط المساعدة بوقف ميوله للحكم الفردي. وعلى الطريق سلوك بن سلمان يمكن فهمه من التقارير في الغرب عن استمرار الاعتقالات، التهديدات، التعذيب وكم الافواه، بما في ذلك لابناء العائلة، ممن يبدو أنهم يقفون في طريقه.
ان عملاً كثيراً لا يزال أمام بن سلمان وينبغي الامل في أن خططه لتغيير وجه المجتمع والاقتصاد تحقق نجاحا أكبر من تلك التي وفرتها بعض من خطواته الاقليمية، حيث أن المقاطعة لقطر والحرب في اليمن هي أبرز أمثلتها. اضافة إلى ذلك، مشكوك ان يكون للمملكة نفسها رأس المال الشاغر والمعرفة اللازمة لتحقيق الاصلاحات. فالثورة السعودية تحتاج إلى مساعدة سياسية واقتصادية من الغرب، اذ انه لا بد أن تكون لها آثار اقليمية ودولية.
لغرض نجاحها سيكون على الجيل الشاب في المملكة أن يقلص توقعاته وأن يعتاد على التردي في شروط حياته، وعلى بن سلمان أن يجد السبل لاقناع زعماء ومستثمرين أجانب بأن التطهيرات الداخلية تأتي بهدف مكافحة الفساد وإيجاد السبل لتلطيف حدة الضغوط الداخلية التي تخلقها الاصلاحات. وإلا فإن الانجازات المحتملة للاصلاحات الثورية ومعها أيضاً الاستقرار السلطوي قد تكون في خطر.
يوئيل جوجنسكي
نظرة عليا 24/4/2018