عن الحق الإنساني في التدخل والحماية

كنت قد نويت أن أكتب مقالاً خاصاً عن مأساة الفلوجة، لكنني ما لبثت أن تراجعت، لعدة أسباب منها أنه لم تعد هناك فائدة من اجترار الآلام، ولم يعد المتابع المنصف يحتاج مزيداً من إثبات حقيقة النزعة الطائفية التي تتستر بوجود المئات من عناصر تنظيم الدولة، من أجل تهديد حياة عشرات الآلاف من المدنيين المرهقين أصلاً بعد حصار خانق لأكثر من عامين.
وبعد كلمات وشهادات أطلقها زعماء الحرب على الفلوجة علناً، واعتبروا فيها أن استباحة المدينة جائزة وشرعية لأنها «وكر الجريمة» و»منبع الإرهاب» وأن «كل من فيها يستحق الموت»، أصبحت حتى الصحف الأجنبية والمنظمات الحقوقية الغربية تتحدث عن الانتقام من أهالي الفلوجة وعقابهم بشكل جماعي لمجرد هويتهم الطائفية. لم يعد الأمر يحتاج انتظار تحليلات لخبراء في الشؤون السياسية والعسكرية للتنبؤ بالمخطط الذي تسعى لتنفيذه الحكومة العراقية ومليشياتها المساندة، التي يقودها لفيف من العنصريين والطائفيين المهووسين من داخل العراق، ولكن أيضاً من إيران التي تفتخر بنشر صور قاسم سليماني قائد ما يسمى بفيلق القدس في العملية المسماة زوراً «تحرير الفلوجة».
السبب الآخر الذي يجعلني أتجاوز التذكير بما يحدث لأولئك الأبرياء المحاصرين في الفلوجة، هو رغبتي في النظر للأمر بعين أكثر شمولاً، فمشكلة العراق أكبر من مشكلة الفلوجة الآنية، على ما فيها من ألم، ففي العراق عشرات المدن التي عانت وتعاني مما أصاب الفلوجة، وفي كل مرة يتم تطبيق السيناريو نفسه من حصار وتجويع، ثم منع من المغادرة ثم هدم للبيوت والمساجد والمدارس بحجة ملاحقة المتشددين. الفلوجة ليست مشكلة العراق الأولى وليست الوحيدة، كما أن مضايا التي انشغل الكثيرون بالتعبير عن تضامنهم مع جوعها، عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتناقل أخبارها وصورها الموجعة، مضايا لم تكن المدينة السورية الوحيدة التي قتلها الجوع، هي لم تكن سوى مثال، وإلا فإن هناك مدنا في حالة حصار منذ احتدام الثورة في سوريا كداريا التي حوصرت منذ أربع سنوات ومنعت عنها جميع مقومات الحياة وغيرها الكثير. حينما نرى الصورة بشكلها الحقيقي الكبير، ونكف عن ذلك التعاطف المؤقت مع بعض نتائج وتداعيات المشكلة، سنجد أنفسنا أمام تساؤل لا مفر من طرحه وهو: كيف سمح ما يسمى بالمجتمع الدولي للأمور بأن تصل لهذه الدرجة؟ وأين كل تلك القوانين والشعارات المدبجة في الثناء على حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل، بل وحتى حقوق الحيوان؟ أين أولئك الذين لا ينامون حين تمنع المرأة في بعض البلدان من حقها في الانتخاب والترشح؟ أولئك الذين يدافعون عن حقها في التعري و»التحرر»، لماذا يصمتون حين تمنع المرأة والرجل من حقهم في الحياة والكرامة.
بالاطلاع على الأدبيات الأخيرة في موضوع حقوق الإنسان كالمادة التي سميت في منتصف عام 2012 بالإطار الاستراتيجي الأوروبي حول حقوق الإنسان والديمقراطية، فإن الغرب يبدو، ظاهرياً، على اهتمام كبير وقلق دائم حول مسائل الحريات وحقوق الإنسان، لدرجة بناء علاقاته مع غيره من الدول على أساس مدى احترامها لمواثيق حقوق الإنسان. المشترك بين جميع تلك الوثائق المتعلقة بالموضوع منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وحتى الإطار الاستراتيجي أعلاه، هو اللغة الموغلة في الشاعرية والمثالية التي يستخدمها واضعو هذه الإعلانات، والمتحدثون باسمها. يمكننا أن نستشهد هنا بالعبارات الرنانة لـكاثرين آشتون، الممثلة العليا للشؤون الخارجية والأمنية ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية في الفترة التي سبقت موغيريني الحالية، آشتون التي قالت في تصريح لها بعد تبني الرزمة: «إن حقوق الإنسان هي إحدى أولوياتي الرئيسة، وهي الحبل الفضي الذي يسير عبره كل شيء نعمله في العلاقات الخارجية. ومن خلال هذه الرزمة الشمولية، نريد أن نعزز فعالية وشفافية سياسة الاتحاد الأوروبي في مجال حقوق الإنسان».
كيف انتقلنا من هذه المبادئ الافتراضية لذلك الواقع البائس الذي نعيشه، والذي يكاد يخبرنا أنه إذا اختطفت مجموعة من الإرهابيين مدينة مأهولة بالسكان فإن واجب المجتمع الدولي أن يتخلص منهم ولو بتفجير المدينة والتضحية بسكانها؟ هذا بالتحديد ما يحدث على سبيل المثال مع مدينة الرقة، التي اتخذها «داعش» عاصمة له، فقد أصبحت في عرف من يحاربون «داعش» مدينة إرهابية بكل من فيها وما فيها، ومن السخرية قيام ما يعرف بقوات سوريا الديمقراطية، وهي الشريك المعتدل للتحالف الغربي، بحسب المقاييس الأمريكية، بتوزيع مناشير تطلب من الأهالي المدنيين الخروج من أرض المعركة، بدون الإجابة عن السؤال الأهم: أين بإمكانهم الذهاب وكيف؟
التفاوت والتناقض بين ما هو واقع وما هو مكتوب في الأدبيات ليس جديداً. الدول التي تعلن أنها تحدد علاقتها بك بحسب أدائك في مجال الحقوق الأساسية ليست جادة تماماً فيما تقول، ولم تكن في يوم من الأيام كذلك، ومن غير المنطقي بالنسبة لغالبية السياسيين الغربيين رهن علاقتهم بدول مهمة كالصين وروسيا وحتى بعض دول المنطقة الثرية بمعايير حقوق الإنسان الصارمة.
نذكّر هنا بأنه، وفي الوقت الذي كان فيه الأوروبيون وأصدقاؤهم يصفقون لولادة ميثاق الحقوق الجديد، كانت أحداث القتل والمجازر اليومية تتصاعد بشكل غير مسبوق في بورما (ميانمار) وكان الآلاف قد رحلوا أو كانوا بصدد الرحيل عن إقليم أراكان، الذي رأت الغالبية البوذية أن تطهره من المسلمين. لم يلتفت أحد من الأوروبيين لهذه المأساة في الأيام التي تلت موافقة دول الاتحاد على الوثيقة الجديدة، بل، ولدهشة المتابعين، خرجت بعض التصريحات التي تثمن جهود حقوق الإنسان في ذلك البلد، وتدعو لتعميق الأواصر معه بعد عهد من القطيعة أسوة بما بدأته الولايات المتحدة، التي أعادت سفيرها بعد غياب وانقطاع دام 22 عاماً. لم يكترث أحد لحوادث التطهير العرقي والتمييز ضد الأقلية المسلمة، بل تحدثوا بشكل إيجابي عن بورما، التي أخرجت المعارضة الشهيرة اونغ سان سو تشي من إقامتها الجبرية، وهو الأمر الذي احتفى به الجميع كانتصار ديمقراطي. السيدة التي قضت سنوات محبوسة داخل بلدها وممنوعة من السفر والمغادرة، والتي اعتبرت أيقونة من أيقونات الحقوق الأساسية في بلدها والعالم، ستخرج لممارسة الحياة السياسية من جديد وستكون المتحدث الأهم عن ضرورة الحفاظ على مبادئ الحرية والمساواة. لكنها، وحتى خلال حملتها الانتخابية التي تلت عودتها إلى عالم المنافسة السياسية، لم تتحدث عن أبناء موطنها من المسلمين ولم تستغل مكانتها الدولية في الدعوة لمساواتهم مع غيرهم من المواطنين البوذيين.
هنالك على الدوام ازدواجية مفضوحة وافتقار للحياد وعدم تعاطف مع قضايا المسلمين، من قبل الجهات التي تدعي العالمية والمساواة. هذا الإحساس المؤلم الذي انتقل إلى ملايين المسلمين حول العالم، والذي تؤكده شواهد عديدة في غاية الخطر لأنه يهدد أساس ما يعرف بـ»الحق الإنساني العام»، الذي يسعى لحماية كل الناس المعرضين للخطر من منطلق وحيد وهو إنسانيتهم، فالجميع يملكون الحق في الحياة ومثلما لا يجدر بالطبيب أن يسأل عن هوية من يعالج أو خلفيته الإثنية والدينية، كذلك يجب أن يتساوى الجميع في الكرامة والحقوق الإنسانية وأن يتم التعامل معهم في حالة السلم والحرب بحسب القوانين الحضارية التي اتفق العالم عليها، والتي تضمن معاملة أسير الحرب مثلاً معاملة لائقة بغض النظر عن المعسكر الذي ينتمي إليه.
لقد أعجبني منطق ممثل الصليب (أو الهلال) الأحمر حين قال، إن ما يهمهم هو إغاثة المدنيين في سوريا والعراق وإيصال المعونات الأساسية لهم، وليس الانحياز لطرف دون آخر وأنهم مستعدون للتواصل حتى مع تنظيم الدولة من أجل التنسيق لخلق ممرات آمنة.
مثل هذه العبارات البديهية من الناحية الإنسانية أصبحت تثير قدراً كبيراً من الارتياح، فقد صارت حماية المدنيين، الغاية التي كانت الأهم على الدوام، أقل أهمية عند الكثيرين بحجة التخلص من تنظيم «داعش» الذي يبدو بدوره ككائن أسطوري بمئة رأس.
الأهم من تدبيج العبارات الفلسفية حول الحق الإنساني العام والحق في التدخل، والأهم من صياغة مشاريع القوانين الأممية وملاحقة الدول من أجل الموافقة والتصديق عليها، هو أن يصبح كل ذلك إنسانياً فعلاً، أي أن يكون مطبقاً على الجميع بمساواة لمجرد إنسانيتهم، لا بحسب ما تقتضيه الضرورات الاقتصادية والسياسية ومصالح الدول، وهو للأسف ما لا يحدث اليوم، فالعالم الذي انتفض لإنقاذ المدنيين في ليبيا ولتحرير العراق من مجرم ذي نوايا إرهابية محتملة، العالم الذي تدخل شرقاً وغرباً بلا حساب بحجة الحق في الحماية، هو ذات العالم الذي لا يبالي بمصير الملايين من المحاصرين، الذين يموتون يومياً بالتفجير أو الجوع أو الغرق في العراق وسوريا، بل في أكثر من مكان.
هذا هو الواقع الذي يجب تغيـــيره، لكن كيف السبيل؟

٭ كاتب سوداني

عن الحق الإنساني في التدخل والحماية

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية