ليست تيريزا ماي الآن سوى «امرأة ميتة تسعى» على وجه الأرض، حسب العنوان الفتّاك الذي عاجل به رئيس تحرير جريدة ايفننغ ستاندرد جورج أوزبورن رئيسة الوزراء البريطانية. ومن هو أوزبورن؟ إنه وزير المالية السابق الذي كان زميلا لتيريزا ماي في حكومة ديفيد كامرون عندما كانت هي وزيرة للداخلية!
لقد صعد نجم أوزبورن في الفترة الأخيرة حتى صار لديه ما لا يقل عن ستّة مناصب، كان أحدثها إعلان جامعة مانشستر قبل يومين تعيينه أستاذا فخريا للاقتصاد. والحال أن أوزبورن كان يبدو قبل عام فقط أكبر المنهزمين، مع كامرون، في موقعة استفتاء البركسيت.
فقد كان من أشد المتحمسين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي ومن أقواهم في الدفاع عن هذا الموقف. وكان في وسع تيريزا ماي، بعد أن خلفت كامرون، أن تبقي أوزبورن في تشكيلتها الحكومية، نظرا إلى أن وزير الخارجية السابق فيليب هاموند الذي أبقت عليه وعينته وزيرا للمالية قد كان من المؤيدين للبقاء في الاتحاد، بل إنها كانت هي ذاتها مؤيدة لهذا الموقف وساندت كامرون في الحملات الرامية لإقناع الناخبين بالتصويت بالبقاء. ولكن تيريزا ماي سارعت إلى التخلص من أوزبورن، بل إنها لم تراع ما استقر عليه العرف السياسي من السماح لأعضاء الحكومة المنصرفة بإعلان استقالتهم، حيث أوعزت لمستشاريها أن يخبروا الصحافيين بأن أوزبورن لم يستقل بل إنها هي التي أقالته!
إنها نكاية لا سابق لها ولا مسوغ. ولهذا فهي تدخل في جملة الاعتبارات التي حولت أوزبورن إلى أحد أخطر أعداء تيريزا ماي. بل إنه قد يكون الآن أخطرهم وأمضاهم سلاحا بعد أن طلّق السياسة وصار صحافيا ذا شأن، حيث أن ايفننغ ستاندارد الواسعة الانتشار قد أصبحت، منذ أن تولى هو رئاسة تحريرها، الجريدة الأشرس في الحمل على تيريزا ماي والتنديد بسوء أدائها.
والحق أن كامرون، وهو صديق حميم لأوزبورن منذ سنيّ الدراسة، قد كان متفائلا بأن عقد الاستفتاء الشعبي حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي سيمكّنه من إخراس الجناح اليميني داخل حزب المحافظين، وذلك إيمانا منه بأن الأغلبية الشعبية ستصوت بالبقاء في الاتحاد. ذلك أن هذا الجناح اليميني مهووس بكراهية الاتحاد، وأن هذا الهوس ما انفك يثير المتاعب لجميع حكومات المحافظين منذ أواخر عهد مارغريت تاتشر. فقد تعمد هذا الجناح، الذي كان (ولا يزال) يمثله عدد معتبر من النواب في مجلس العموم، إثارة سلسلة من الإرباكات لحكومة جون ميجور حتى أوقعها في أزمة اضطر ميجور معها إلى إعلان استقالته من زعامة الحزب عام 1995 وإلى تحدي هؤلاء البرلمانيين المتمردين بأن ينافسوه في انتخابات داخلية جديدة على الزعامة.
ومعروف أن القانون الدستوري البريطاني يجعل الفائز بزعامة الحزب ذي الأغلبية البرلمانية مخولا برئاسة الحكومة، حتى لو لم يكن الفوز في الاقتراع الحزبي الداخلي مشفوعا بالفوز بالاقتراع الشعبي العام. وهذا ما أجاز لتيريزا ماي أن تخلف كامرون في رئاسة الحكومة بعد انهزامه في استفتاء البركسيت العام الماضي. وهذا أيضا ما أجاز لجون ميجور أن يخلف تاتشر في رئاسة الحكومة في نوفمبر/تشرين الثاني 1990 بعد تصويت حزب المحافظين الحاكم آنذاك بإزاحتها من الزعامة. وقد مارس ميجور الحكم بهذا المقتضى حتى فوزه بانتخابات عام 1992.
وكان منطق جون ميجور عام 1995 مماثلا لمنطق ديفيد كامرون عام 2016، وهو أن الطريقة الوحيدة لإخراس الجناح اليميني هو الانتصار عليه انتصارا كاسحا بحيث يصير أعزل من أي شرعية للاعتراض على سياسات الحكومة، ناهيك عن العمل على زعزعة استقرارها. وقد شاعت تسمية المنتمين إلى هذا الجناح في حزب المحافظين، بل المنتمين إلى عموم التيار السياسي المناهض للاتحاد الأوروبي، باسم المرتابين في أمر أوروبا. وهو تيار يصدر عن عقيدة ايديولوجية تقليدية تقدّس الحق في ممارسة السيادة الوطنية كاملة بدون نقصان أيا كانت الظروف والأحوال. ولهذا فإن الصحافة الفرنسية محقة في تسمية هؤلاء الساسة البريطانيين باسم السياديّين، وذلك في إحالة إلى التيار السياديّ الذي ظهر في فرنسا في التسعينيات، والذي كان جان بيار شوفانمان أول ممثليه، ولو أنه لم يبلغ في فرنسا من السطوة والقدرة على الأذى ما بلغه في بريطانيا.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي