إذا كانت «السياسة تحتاج جذوة الشغف»، حسب قول الوزيرة الفرنسية لشؤون البيئة سيغولان روايال في سياق تفسيرها الذي أوردناه الأسبوع الماضي للحماسة الشعبية التي نجح في استثارتها المرشح اليساري الراديكالي جان لوك ميلنشون، فذلك لأن بيروقراطية المؤسسات وتكنوقراطية النخب قد انتهت باستلال حرارة الروح من الحياة السياسية استلالا. فصار الساسة الغربيون كلهم بوجه واحد ولسان واحد، وصارت البرامج كلها مستنسخة من لوح واحد، مع خربشات ملونة في الحواشي. وصار الخطاب السياسي كله مكرورا لأنه مجرد كلام معلّب مجمّد يستخرج من ثلاجات الأحزاب دقائق قبيل كل مناسبة سياسية أو تلفزيونية.
والواقع أن البؤس الإنساني الناجم عن انطفاء جذوة الشغف لا ينحصر في التجليات التعيسة للحياة السياسية في هذا الطور المتأخر من الحضارة الرأسمالية، وإنما هو بؤس شامل لشتى مناحي العمل. إذ إن الحياة العملية المعاصرة مزدحمة بجيوش من الأفراد الذين تسلكهم الإحصائيات الرسمية في عداد القوى العاملة لأنهم يذهبون كل صباح إلى أماكن العمل، من مصانع ومؤسسات وإدارات، ويعودون مع الغروب إلى بيوتهم بعد «يوم عمل» نظامي كامل الأوصاف الإدراية. ملايين يتسابقون على إدراك موطىء قدم في المواصلات العامة، أو يساهمون في ازدحام الشوارع بالسيارات، لتسجيل «يوم عمل» آخر يقرّبهم إلى نهاية الشهر زلفى. جيوش مليونية يجمعها الانضواء تحت نظام «من التاسعة صباحا إلى الخامسة بعد الظهر».
ولكن المعروف أن ليس لهذا النظام من منطق سوى تسجيل الحضور لأن كثيرا من العمال والموظفين، والتلاميذ والطلاب أيضا، هم من الأعضاء المنخرطين في الحزب المسمى، في تعبير فرنسي شهير، «حزب الجهد الأدنى»: وهو الحزب الذي يقوم على مبدأ عدم بذل أي جهد إلا إذا لم يكن منه بدّ، وإذا لم يكن منه بد فلا ينبغي أن يبذل منه إلا أقل القليل. حزب عابر لجميع القارات والثقافات والمؤسسات. حزب بشري بامتياز. دينه وديدنه هو «لا ـ أخلاقية الخمول»، إن جاز التعبير، في مقابل «أخلاقية العمل» التي عدّها علم الاجتماع المعاصر أساس تراكم الثروة التي تمثل أساس الثورة الرأسمالية.
ولهذا فإن الشغف (الذي لا يحظى، للأسف، بما ينبغي من الفهم والاهتمام) هو أول مبدأ للتفريق بين فلاح العاملين ورداءة الخاملين. الشغف هو المسألة المركزية الأولى في السياسة والعلم والفن وشتى مجالات الإنجاز الإنساني، إذ لا يمكن تحقيق أي نجاح حقيقي في أي مجال إذا لم يكن المرء مولعا شغوفا بعمله. فالنجاح هو ثمرة قصة حب بين العامل وعمله والفنان وفنه.
وإذا كان صحيحا أن العمل هو اغتراب أو استلاب سواء بالمعنى الوجودي، أي الاضطرار إلى الضياع بالخروج من الذات إلى العالم، أو بالمعنى الاجتماعي، أي الاضطرار لبيع قوة العمل بشروط يفرضها النظام الاقتصادي القاهر، فإن توفر شرط الاستقلالية هو الذي يتيح إمكانية الوصل بين ضرورة العمل بداية وحرية الفن غاية. ولهذا فإن من حق كل إنسان أن يمنح حرية اختيار مجال الدراسة أو التدريب الذي يحب حتى يتسنى له ممارسة العمل الذي يحب، بحيث يصبح طلب الرزق مجرد تحصيل حاصل في سياق أعم وأهم هو تحقيق الذات عن طريق الاجتهاد في إتقان ما نحب من الأعمال.
ولا يمكن فهم تألق العباقرة من فنانين ومفكرين وقادة وساسة إلا إذا أخذنا في الاعتبار أنهم شغوفون بمجال عملهم أو اختصاصهم شغفا يملك عليهم كل أمرهم.
ينطبق هذا على فنانين من أمثال بيتهوفن وموتسارت وشوبان، ومفكرين من أمثال روسو وكانط وفرويد (الذي كان يحتاج، لشدة غرقه في التفكير والكتابة، إلى من يعينه في تدبير كل شؤون الحياة اليومية بما في ذلك وضع معجون الأسنان على الفرشاة)، وعلى علماء من أمثال اينشتاين(الذي كان يطلق شعره ضنا بوقته الثمين على الحلاق). كما ينطبق على قادة عسكريين من أمثال نابليون الذي لم يكن ينام إلا ثلاث ساعات أو أربعا في الليلة وكان يصطحب معه مئات من الكتب في كل حملاته العسكرية (كان يقرأ وهو في عز المعارك والحروب). ذلك أن حقيقة الشغف أنه ليس فرعا من الحياة، وإنما هو يبلغ من الاضطرام والتوهج داخل الروح حدا تصير معه الحياة بأكملها مجرد فرع منه.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي