المشهد الأول: أثناء حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 1988 سئل مرشح الحزب الديمقراطي مايكل دوكاكيس (الذي انهزم أمام المرشح الجمهوري جورج بوش الأب الذي كان آنذاك نائبا للرئيس رونالد ريغان) عن إسرائيل. والسؤال عن إسرائيل في الولايات المتحدة لا يتعلق باحتمالي التأييد أو المناهضة. وإنما يتعلق باحتمال وحيد أوحد: التأييد الذي هو تحصيل حاصل. ففيم السؤال إذن؟ الحكمة في السؤال هي استبانة مدى حماسة هذا التأييد. لا بد من تحديد المدى والمنسوب. تماما مثلما هو الأمر في الديكتاتوريات: حيث لا يتعلق الأمر بالتصفيق للحاكم، دائما أبدا، أو عدم التصفيق، وإنما يتعلق الأمر بمدى حرارة هذا التصفيق. ولذلك حدث في عز القرن العشرين أن تعرض بعض المغلوبين على أمرهم للعقاب، وحتى التنكيل، لأنهم لم يبدوا حرارة كافية في الابتهاج والطرب بما يقوله الحاكم الذي طالما كان يعنّ له أن يقول وأن يطيل في كل قول.
سئل دوكاكيس، الذي كان آنذاك حاكما لولاية ماستشوستس، فأجاب بما تقتضيه السياسة الأمريكية من إعلان التأييد القوي الثابت الدائم الصادق لإسرائيل. ولكنه أضاف، ختاما، لتأكيد أصالة الموقف ولتعزيزه بآية من آيات الإخلاص: «وكما تعلمون، فإن زوجتي يهودية!» شاهد ضمن شواهد لا تحصى على أن للسيرة الشخصية والارتباطات الحياتية دلالة في تحديد بعض المواقف السياسية أو توجيهها أو تكييفها. ولا يتوقف هذا الترابط بين الشخصي والسياسي على رجال السياسة فحسب، بل إنه يشمل معظم الناس في معظم الأحوال.
المشهد الثاني: قبل أيام، سأل الصحافي الفرنسي: «هل أن رئيس الوزراء (مانويل فالس) واقع تحت تأثير يهودي؟» فأجاب وزير الخارجية السابق رولان دوما: «هذا محتمل. (لأن) عنده علائق شخصية أنشأت لديه تحيزات. فالجميع يعلم أنه متزوج من سيدة كريمة الأصل وأن لها تأثيرا عليه». وقد كان هذا الجواب، الذي يتضمن إشارة إلى زوجة إمانويل فالس اليهودية، كافيا لأن يتحول الشيخ الذي تجاوز الثالثة والتسعين من العمر، وكان أحد ألمع وزراء فرانسوا ميتران وأخلص أصدقائه، إلى هدف لقصف سياسي وإعلامي ثقيل بدأ بسيل من الاتهامات («اللاسامية»، ما غيرها!) التي قد تتبعها ملاحقات.
ومعروف أن اليسار السياسي الفرنسي هو أقرب تاريخيا لدولة إسرائيل من أحزاب اليمين لأن ارتباطه بها ارتباط عاطفي (منذ ما قبل مأثرة تمكين إسرائيل من امتلاك السلاح النووي في خمسينيات القرن العشرين). وينطبق الأمر ذاته على الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، حيث أن إخلاصه في الولاء للدولة العبرية مطبوع بعاطفية لم تكن موجودة (حتى زمن قريب، على الأقل) لدى الحزب الجمهوري. إلا أن الغريب أن موضوع الحوار التلفزيوني، أو بالأحرى موضوع المقطع الذي أثار الضجة في فرنسا، لم يكن يتعلق باليهود أو بإسرائيل. وإنما كان يتعلق بمدى يسارية القادة الجدد للحزب الاشتراكي، حيث أن رولان دوما يرى أن الجيل الجديد من ساسة الحزب الاشتراكي، أي حزبه هو منذ أيام الشباب، ليسوا اشتراكيين إلا بالاسم (بمعنى أنهم أقرب إيديولوجيّا إلى توني بلير وغوردون براون في بريطانيا وغيرهارد شرودر في ألمانيا).
وفي سياق الشرح قال دوما إن رئيس الوزراء الحالي مانويل فالس هاجمه في أحد اجتماعات الحزب الاشتراكي بـ»ذريعة» أن دوما يدافع عن العرب والفلسطينيين ضد الإسرائيليين، هذا رغم أنه لا يكاد يعرف أحدهما الآخر. ومعروف أن دوما كان من أبرز الساسة الفرنسيين دعما لإنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة وأنه كان له الدور الأكبر في إقناع ميتران باستقبال ياسر عرفات رحمه الله في الاليزيه عام 1989. وأضاف دوما أنه يعرف عائلة مانويل فالس ويعرف والده الذي كان «جمهوريا إسبانيا رائعا، وكان رساما جيدا. وقد بقي في فرنسا ورفض العودة إلى إسبانيا طيلة حكم فرانكو. إن لهذا دلالة هامة بالنسبة لي. كما أن لغرنيكا وقعا في وجداني. أما مانويل فالس، فقد اختار وجهة نظر أخرى. لقد هاجمني على أساس أن موقفي من الفلسطينيين لا يعبر عن موقف الاشتراكيين. فأين هو من الاشتراكية؟ أما أنا، فقد ساهمت في إعادة تأسيس الحزب الاشتراكي عام 1942».
استمرت عاصفة الاتهامات، ولكن «الفتى» رولان دوما المتعود على المجاهرة بما هو «غير لائق سياسيا» (عنوان كتابه الجديد) أجاب بقوة: «هنالك من يلمح اللاسامية أنى اتجه وحيثما نظر! رفقا بنا يا قوم!»
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي