أحمد ندا: الأستاذ «سلمان»، معلم «التوحيد والفقه» المخيف بطوله الفارع ولحيته الضخمة، كان الأكثر سلطة في مدرستي الثانوية، فهو «الغامدي» الوحيد في مدرسة من المعلمين «المجنسين» من أصول يمنية وإندونيسية وأفريقية، لكن سلطته الحقيقية تكمن في تلمذته على يد الشيخ عبد العزيز بن باز وقراءته بين يديه، فكان مصدر الفتاوى في المدرسة، وصوت الشريعة الموثوق الوحيد.
يدخل علينا الأستاذ سلمان في ثالث أيام الدراسة برزمة كبيرة من الأوراق بين يديه، وخلفه مجموعة من الطلاب يحملون رزماً أخرى، يمسح الفصل بعينيه ثم ينظر لي ويسألني «مصري؟»، أهز رأسي بالموافقة فيقول لي: «خذ وزّع على الفصل، وخلّي الورقة مقلوبة على ظهرها»، يقف على الباب مراقباً تحركي البطيء في توزيع الأوراق، فأشعر بأن عينيه تخترقانني، يقول بعد انتهائي من التوزيع: «هذه الورقة من هيئة كبار العلماء عن سوء الخاتمة»، تتصاعد همهمات الطلاب، خاصة ساكني الطاولات الخلفية الأكبر سناً والأكثر رسوباً. يعلو صوته بغضب: «اسمع يا دلخ انت ويّاه، اقرا زين وتدبّر»، ويتركنا دون كلمة أخرى.
السؤال عن جنسيتي كان معتاداً منذ طفولتي، أبدو أجنبياً بسبب لون بشرتي «الأبيض» وملامحي التي تكشفها العين بسهولة. غير أن ما كشف مصريتي لعين خبيرة كعين الأستاذ هي تفصيلة صغيرة تتعلق بالملبس؛ كنّا جميعا نرتدي الجلباب الأبيض والشماغ الأحمر على الرأس، وهو زي المدرسة الموحد، لكني وخلافا لجميع زملائي كنت أرتدي حذاءً رياضياً، بخلاف «الصندل» الذي يرتديه الجميع.
بحكم المعيشة، حدستُ التقسيمة الاجتماعية للسعودي التي تحكمها عوامل عدة جغرافية وثقافية ومذهبية. العائلة المالكة بالطبع على رأس هذا الهرم الاجتماعي، ثم «السعودي الأصلي» وهو التعبير الشعبي عن المواطن الذي تأسست الدولة السعودية ووجود قبيلته في البلاد سابق على هذا التأسيس، وفي الأغلب ينتمي معظم أبناء هذه الفئة إلى عائلات نجدية وحجازية كبيرة لها امتيازات خاصة في العرف الاجتماعي السعودي، وتُفاخر بـ»أصالتها» وبداوتها التي لم تغيرها مراحل التحديث. ثم تأتي فئة «السعوديين المجنسين» وهم الذين أتوا بعد تأسيس الدولة على يد الملك عبد العزيز، وعملوا وحصلوا على الجنسية. قطاع كبير من هذه الفئة ينتمي إلى اليمن، جنوبها بالتحديد، ولذلك يُطلق عليهم اسم «السعوديون الحضارم» نسبة إلى حضرموت، معظمهم امتهن التجارة وصاروا من رجال الأعمال الكبار في البلاد. الكثير من المجنسين يعانون من أزمة هوية كبرى، فهم مستفيدون من هويتهم الجديدة التي تعطيهم امتيازات اقتصادية كبيرة، وفي الوقت نفسه يُشكل لهم بلدهم الأصلي اليمن مصدراً للفخر الحضاري على السعودية المنشأة حديثا. ولا يمكن إدراك الفارق بين «الأصلي والمجنس» إلا بوجود الاثنين معاً في مكان واحد.
ثالث الفئات في الهرم الاجتماعي السعودي هي «الأجانب»، ولها تقسيمتها الخاصة كذلك، على رأسها الأمريكي، ثم العربي، ثم المسلم غير العربي، ليأتي الهنود والباكستانيون والأفارقة في ذيل القائمة.
قلبنا الأوراق جميعا، وبدأت الهمهمات الخلفية تتحول إلى ضحكات وقفشات عالية الصوت، كان عنوان الورقة: «ليكن ماحدث مع المأسوف عليه طلال مداح عبرة لمن يعتبر»، وتحوي بعض الآيات والأحاديث عن سوء الخاتمة، وتذكيراً بأنه «ماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون».
قرأت الورقة سريعاً دونما اهتمام حقيقي، فلا جديد في المعلومات الموجودة بها، لكن زملاء الصفوف الخلفية بدأوا بقراءتها بطريقة ساخرة، محاكين اللهجتين المصرية والشامية، ثم بدأوا بالتطبيل على الطاولات وغنوا معاً أغنية طلال مداح الشهيرة: «مرت ولا حتى تلتفت مرت، مرت وعن عيني اختفت مرت»، بكورال ارتجالي شديد الإزعاج، وبدأوا بالتحرك داخل الفصل والرقص على الطريقة الخليجية بإحكام اللثام على الوجه وتطويح اليد لأعلى وأسفل كما في رقصة «العَرّضة» السعودية الشهيرة. أحدهم اقترب مني وقال بصوت يحاول فيه أن يقلّد الأستاذ سلمان: «أنت مصري؟»، ويضحك ثم يقول: « قول معنا يلا: مرت ولا حتى تلتفت مرت…» لم أتجاوب معه، لا لقناعتي الراسخة وقتها بحرمة الأغاني، لكن للنهاية المأساوية لطلال مداح على المسرح؛ موضوع الورقة التي وزعت.
كانت صورته وهو ممسك بعوده على مسرح مدينة «أبها» وسقوطه ثم نقله إلى المستشفى حديث الشارع في السعودية كلها، سواء من قبل محبيه الذين بكوا فراقه ومشوا في جنازته، أو من قبل كارهيه من المتدينين المستعيذين من سوء الخاتمة والموت على معصية الله. ومنذ سمعت خبر وفاته واسمه وصورته تثيران في قلبي انقباضة تذكرني بالموت، وخوفي من الموت على معصية.
الغناء و»المعازف» في الذهنية السعودية واحدة من المحرمات الكبرى. تجدد الفتاوى التي تذكر بشكل دائم بحرمتها، هي واحدة من أبجديات «الهوية السعودية» وقوتها الدينية، هذه الهوية التي تحاول الحفاظ على «الإسلام» في مواجهة دين «متراخ» موطنه الأزهر، وتهديد مستمر من الخطر الشيعي الشرقي «إيران». خاصة مع تكريس فكرة أن تأسيس الدولة لا يرجع فقط لـ»آل سعود» وحدهم، بل بفضل دعم ومساندة آل «الشيخ»، وهم عائلة محمد بن عبد الوهاب، وإليه تنتسب الفكرة السعودية عن الدين.
موت طلال مداح الدرامي للغاية، حوّل تجربته الغنائية إلى «فاكهة محرمة»، الاستماع إليها يعني التذكير بعقاب الآخرة لمن مات على معصية، وهو الموديل المثالي للخروج عن الحدود الدينية الآمنة، وإن كان حضوره في الاحتفالات الرسمية الملكية مع محمد عبده، قلل من حدة هجوم المؤسسة الدينية مع الحصانة الملكية المعلنة.
يمر العام الدراسي وتغيم الأغنية في رأسي وذكرى الكورال الطلابي، في الوقت الذي بدأت معتقداتي فيه بالتزحزح قليلا، بعد أن أقنعت نفسي بفتاوى تجيز الغناء بشروط، فبدأت بالاستماع إلى أغاني أم كلثوم الدينية، وعبد الحليم الوطنية، فيما نما داخلي رفض لكل ما هو «خليجي» دون تمييز، إلى أن تعرفت إلى «طلال اليافعي» الشاب اليمني الذي يكحّل عينيه ويحب الغناء ويثير البهجة في كل مكان.
طلال اليمني كان واحداً من الشباب الطامحين للحصول على الجنسية السعودية، فهو من فئة كبيرة ولدت وعاشت في البلاد ولا يعرف بلده الأصلي. كان كلامه وتعامله ونمط حياته أقرب ما يكون لمحاكاة هوياتية لما يفهمه هو عن «حياة السعودي الأصلي»، فكان يعوج لسانه باللهجة البدوية النجدية، وإن أفلتت منه التعبيرات اليمنية دون قصد، ويشعر بالضيق إذا ما اكتشف أحدهم عدم نقاوته السعودية، ويعوض هذا «الخلل» بتعلم أصول الغناء الخليجي، مصراً على أن يصبح مرجعاً في كل ما يخص الغناء السعودي. قبل حضور الإنترنت، كان اليافعي يتتبع ألبومات المطربين الأوائل وسيرهم، ويطوف البلاد شرقاً وغرباً لتسجيل جلساتهم الغنائية الخاصة.
اليوم، أستمع إلى طلال مداح بعقل متخلص من الصورة النمطية للخليج القاحل الجاف معدوم الفن، والذي تعودنا على اتهامه بإنفاق دولاراته لتغليب ذوقه بقوة المال لا بحضور الفن. يظل طلال مداح من التجارب الفنية ذات الحضور قوي الدلالة في الوعي الخليجي والعربي، بأغانيه التي تناقلتها أصوات مهمة مثل وردة ولطفي بوشناق. صورة الخليج الكليشيهية تحضر في وعيي كثيراً، لكن صوت طلال وحضوره قادران على تفتيتها. هكذا استطعت أن أفهم معاناة رائف بدوي، المدون السعودي الذي حُكم عليه بالجلد والسجن، وغيره من الشباب السعوديين «الأصليين» و»المجنسين» و»الأجانب» مثل أشرف فياض.. الذين مازالوا يرزحون تحت سلطة الأستاذ سلمان وأشباهه، فيما تظل انقباضة القلب تجيء وتذهب مع صورة صديقي اليمني الغائب في نشوة الغناء، فله في القلب مكانٌ يستدعي لحظات «مرت ولا حتى تلتفت».