عن النظرة الانتقائية للحضارة الإسلامية

قد نختلف مع آراء ابن سينا الفلسفية ومع بعض اجتهاداته الفكرية، لكننا لا يمكننا أن نختلف حول مكانته الطبية كمؤسس لعلوم الاستشفاء الحديثة، وعالم ظلت مؤلفاته خاصة كتابه الأشهر «القانون» مراجع أساسية لأطباء العالم على مدى قرون.
ابن سينا هو العالم الذي يعتبر حتى يومنا هذا ملهماً لكثير من الغربيين الذين يعدون «الشيخ الرئيس» أستاذاً أكبر لهم. من أولئك الذين أعادوا استلهام ابن سينا السير وليام أوسلر، وهو من أهم الأسماء الطبية في العصر الحديث (1849-1919) ومن الذين ساهمت آراؤهم الطبية في الارتقاء بهذا العلم على النحو الذي نتمتع به حالياً. يظهر تأثير ابن سينا الواضح على أوسلر ذي الأصول الكندية، في نزوع الأخير لمزج علوم الاجتماع والتفكر الإنساني بعلم الطب التطبيقي، ومحاولة منحه روحاً جديدة وتقريبه من الواقع. بهذا المزج النادر ظلت مقولات أوسلر ونصائحه للأطباء والمرضى على السواء محل اقتباس وتمجيد. ليس هذا هو الدليل الوحيد على الارتباط بين أوسلر وابن سينا، فقد أظهرت رسائل كشفت بعد وفاته أن أوسلر دعا إلى إحياء ضريح ابن سينا الموجود في مدينة همدان الإيرانية وتحويله لمزار مفتوح لطلاب الطب من مختلف أنحاء العالم. ربما يكون البعض قد انتبه الآن فقط لكون ابن سينا فارسي الأصل، فنحن نادراً ما نهتم بالإشارة إلى أصول انتماء الأسماء التي ساهمت في تكوين الحضارة الإسلامية. الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان الذي ينص على أن «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» كان كافياً لتذويب الفروق بين الأجناس والأعراق.
هذا الجو المتسامح هو الذي ولّد عصور الانتصار، وهو الذي جعلنا نأخذ نصف علومنا التراثية اليوم من علماء غير عرب في أصولهم، لكنهم متفوقون ليس فقط في علوم الشريعة أو العلوم التطبيقية أو الطب كما في حالة ابن سينا، بل في مجال التنظير اللغوي لخدمة اللغة العربية نفسها، والأمثلة في ذلك لا يمكن حصرها، لكن بعد كل هذا الاعتراف بمكانة ابن سينا المستحقة، ثمة سؤال مهم وهو التالي: هل يبدو التركيز على ابن سينا، الذي لا نجده فقط عند أوسلر، بل عند الكثير من الغربيين على مر العقود والعصور، عفوياً أم أن هناك أسباباً أخرى دفعت أولئك لإظهار ابن سينا والاهتمام بمنجزه العلمي والعقلي، مثل انتمائه للمدرسة الباطنية الفلسفية مثلاً؟
المدرسة الباطنية هي نقيض ما يعرف اليوم بالمدرسة السنية السلفية، لا تعتبر أن من الواجب احترام التفسير التقليدي للنصوص، بل ترى أن النصوص بحاجة إلى قراءة متجددة، يجب أن تكون متاحة ومفتوحة للعلماء الذي وصلوا لدرجة تؤهلهم لتجاوز المعاني الظاهرة لما هو أعمق وأبطن، ما قد يتجاوز في كثير من الأحيان ما يعتبره التراثيون أصولاً. لقد أثرت الباطنية تأثيراً واضحاً على ما سيسمى لاحقاً بالفلسفة الإسلامية. ورغم أن تأثيرها على الإسلام السني كان محدوداً، عدا غلاة أئمة المتصوفة بطبيعة الحال، إلا أن وجودها وتأثيرها الأبرز كان على المذهب الشيعي، الذي ساهمت في تأسيسه وفي تجذر مبادئه التي دعت إلى تجاوز النصوص المقدسة إلى نصوص بشرية موازية، واجتهادات فاق بعضها في أهميته، عند من سيطرت عليهم هذه العقيدة، أهمية القرآن الكريم نفسه.
الباحثون في تاريخ ابن سينا نفوا عنه الانتساب الصريح للطائفة الإسماعيلية، وهي الطائفة التي كان ينتمي إليها والده، لكن تأثير هذا الجو الإسماعيلي كان واضحاً في كتاباته وأفكاره. هل نريد أن نقول أن اهتمام الغربيين ومنهم أوسلر بابن سينا إنما كان بسبب عقيدته الخاصة هذه؟ ربما يبدو أن في الأمر مبالغة، خاصة إذا كنا نتحدث عن شخص مثل أوسلر، لكن هذا الاتجاه الانتقائي فيما يخص الحضارة الإسلامية هو اتجاه واضح وظاهر، فالغربيون لا يتعاملون مع رموز الحضارة العربية والإسلامية بشكل محايد. من بين العشرات من العلماء الذين برعوا في مختلف العلوم، خلال الفترة التي أطلق عليها الأوروبيون أنفسهم اسم «عصر الظلام» سوف يتم التركيز على القليل فقط، على رأسهم ابن سينا، في حين سيسمح الباحثون والعلماء الأوروبيون لأنفسهم بسرقة مئات الاكتشافات ونسبتها إلى أنفسهم في هضم واضح لمكانة علماء بارزين لم يعد يذكرهم أحد.
هذا الاتجاه الذي يحتفي بابن عربي مثلاً أو عمر الخيام أو ابن رشد ويتوسع في كيل المدح لهم وتسمية مدارسه العلمية وشوارعه بأسمائهم، لا يمكن أن يكون محايداً وأن يكون كل ما شد اهتمامه إلى هؤلاء وغيرهم هو مجرد مساهماتهم الإنسانية المجردة لأنها بالفعل لم تكن مجردة، بل كانت تصحبها ثورة ليست فقط على النصوص المقدسة، ولكن أيضاً على المجتمع وعلى ثوابت الإيمان عند غالبية معاصريهم الذين دخلوا معهم في صراع يفسر على أنه صراع بين التزمت والانفتاح. صراع يروق للبعض اليوم أن يسقطه على الواقع، بحيث يتم تقسيم الناس على أساسه إلى متشددين، هم غالب أهل السنة من أصحاب منهج الاتباع للآثار، وبين نخبة من أصحاب «الأفكار المتحررة» الذين يتم تصويرهم كأبناء شرعيين للحلاج وابن عربي وابن رشد الذين ظلموا بقسوة عبر التاريخ. الحقيقة هي أن من المكونات الإسلامية ما يمكن أن تكون متصالحة مع الآخر، بما فيه الآخر الغازي أو المحتل. نعرف مثلاً أن نابليون حينما قدم إلى مصر كان من إنجازاته المهمة إحياء موالد الصوفية وإنعاشها بعد فترة خمود شهدتها لضعف التمويل، حيث كان الفرنسي، يعتبر إقامة هذه الليالي جزءاً مهماً ومحبباً من الدين الإسلامي عدم يجب التفريط فيه.
فكرة التصالح مع البعض ضد الآخرين فكرة متواجدة عبر العصور، وقد تكررت على سبيل المثال إبان مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري، حيث كان العدو الأكبر لحركة مقاومته، ليس المحتل الفرنسي بل العلماء والوجهاء الذين كانوا يعتبرون بالنسبة للمحتل حلفاء معتدلين مقابل الإرهاب.
يقول لويس بلانكي الذي كان نائباً آنذاك في البرلمان الفرنسي: «في وقت قصير وفي مقاطعة قسطنطينة أحرز «حلفاؤنا المسلمون» نصراً عظيماً ضد أعدائنا من سكان المناطق الجزائرية دون أن يدعموا من طرف قواتنا. اليوم حلفاؤنا يتبعون عمليات جنرالاتنا وقد بعثوا إلى الجنرال القائم في قسطنطينة خمسمئة أذن من الجهة اليمنى». ستتم الاستعانة بهؤلاء «الحلفاء المعتدلين» ضد الأمير عبد القادر، وبعد انحسار حركته المقاومة وانهزامه، وبعد التمادي في إذلاله، سيغير الفرنسيون خطابهم ليصبح الرجل بالنسبة لهم أيضاً أيقونة ثورية متسامحة ومنفتحة، وسيتم التركيز في سيرته على نشأته الصوفية وعلى أنه الرجل الذي حاربهم بشرف.
ورغم ظهور المئات من المقاومين خلال فترة القرن وثلث القرن التي احتلت فيها فرنسا الجزائر، خاصة فترة حياة الأمير عبد القادر مثل إمام مجاهدي الشرق أحمد باي، إلا أن عبد القادر كان الرجل الذي وجد الضجة الأكبر والتكريم الأبرز عبر النصب التذكارية الشهيرة في الجزائر وفرنسا أيضاً.
تسليط الغرب، وخاصة فرنسا، الضوء على الأمير سوف يساهم في منحه ميزة خاصة وشهرة ولن تنسى الوثائق الفرنسية تذكيرنا بأن الرجل هو تلميذ ابن عربي الذي كان يؤمن بالحب بين جميع الأديان وهو ما سيجسده الأمير في أواخر حياته. لاشك أن الأمير كان قائداً مهماً ورمزاً وطنياً كبيراً استطاع حشد المقاومة في الغرب الجزائري بشكل لم يسبق له مثيل، وكان اجتماع القبائل حوله اجتماعاً تاريخياً لم ينعقد ربما بعده لأحد. مع ذلك يبدو من التبسيط القول إن المستعمر الذي مارس أبشع الجرائم بحق الوطن والمواطن الجزائري، والذي يرفض الاعتذار حتى الآن عن تلك الجرائم الموثقة التي لا تكاد تضاهيها جرائم في العصر الحديث، من التبسيط بل السذاجة القول إن المحتل يكن أو كان يكن في وقت من الأوقات احتراماً لرموز الجهاد الجزائري.
لا يمكننا أن نلوم الغرب في انتقائه بعض الرموز دون غيرها، لكن الأزمة تبقى حين ننظر لأنفسنا ولحضارتنا من خلال تلك النظرة الانتقائية. الأزمة تبقى حين ننظر لأنفسنا بمنظار المستشرقين، وحين نتماهى مع هذه النظرة بحيث نقدم شخصياتنا التاريخية على الطريقة التي تعجب «الآخر» من خلال الأدب أو الفن، كما فعل يوسف شاهين في فيلمه الشهير عن ابن رشد، أو كما فعل مؤلف مسلسل «حريم السلطان» الذي يحكي، أو يشوه بالأحرى، قصة السلطان العثماني سليمان القانوني، أو كما يفعل معظمنا حين يعرّض هازلاً أو جاداً بالخليفة هارون الرشيد، فيصوره بأنه كان منشغلاً باللهو في حين أن التاريخ يخبرنا أنه كان الإمام الذي يحج عاماً ويغزو عاماً.
الموضوع متشعب وأكبر من أن تتم مناقشته في مقال قصير، لكن لعلها بداية تشجع على المزيد من المناقشة والتفكير.
كاتب سوداني

عن النظرة الانتقائية للحضارة الإسلامية

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية