عن الوطن والاحتلال 4 ـ حرب إبادة على غزة: فوق الأرض بكرامة أو تحتها بشرف

حرب لا سابقة لها في العصر الحديث
هذه الحرب تختلف عن كل سوابقها. انها حرب ابادة ومن قال غير ذلك فقد انحرف عن الحق واصطفإلى جانب نتنياهو ويعالون. المطلوب اجتثات كل انسان في غزة، تحقيقا لحلم اسحق رابين الذي تمنى ان يستيقظ يوما ويرى البحر قد ابتلع غزة. حلم رابين الان انتقلإلى كثير من الحكام العرب، الذين يتسامحون مع قتل اطفال غزة ويتشفون لاحراقها بقاذفات الموت، لان غزة تعريهم وتكشف اضاليلهم وتضعهم في دائرة الشبهة والانهيار الخلقي والوطني والانساني. بعد حرب غزة هذه لا نريد لاحد ان يحاضرنا عن الدول العظيمة والجيوش العظيمة والقادة العظام. لقد سقطت هذه المقولات التافهة مع سقوط اطفال مدرسة بيت حانون ومذابح الشجاعية وخزاعة ومخيم الشاطئ وجباليا وسوق الشجاعية، وحبل المذابح ما زال منطلقا على غاربه. دم الاطفال سيلطخ وجوه جنرالات وامراء ورؤساء العرب الذين اصطفواإلى جانب القاتل وبكل وقاحة ووجهوا اللوم للضحية كما فعل «اشباه الرجال» في حرب عام 2006. انتصار المقاومة سيحشر هؤلاء الاقزام في زاوية مع نتنياهو وغولدا مائير وبن غوريون ودايان وشارون وموفاز «وفشروا» ان ترتبط اسماؤهم بجمال عبد الناصر وعبد المنعم رياض وسعد الدين الشاذلي وعلي صبري ومحمد فوزي. من يقف في صف العدو ويدافع عنه ويطلق رعاع الاعلام الساقط ليتشفوا بقتل اطفال غزة لا يستحق الا ان يقذف بالاحذية، كما فعل المذيع الاردني حسام العبدلات «حياه الله». لعنة ابدية ستلاحق انصار حزب «اسرائيل بيتنا» العرب الذين ينفثون سمومهم ضد الشعب الفلسطيني المناضل، الذي يدفع ضريبة الدم نيابة عن نظام عربي فاسد وخانع ومرتزق. هذه الحرب عرّت كافة الحقائق. فهذا العدو لا يعطي الفلسطينيين الا احد خيارين «الموت السريع قتلا او الموت البطيء ذلا وخنوعا». في الحالة الاولى تأتي الطائرات والمدفعية والسفن الحربية والدرونز والقنابل الفوسفورية فتحول البيوت والمدارس والشواطئ وملاعب الاطفال والملاجئ والمستشفياتإلى ساحات قتل. وفي الحالة الثانية تصادر الارض امام عينيك وتبنى الجدران العنصرية فوقها وتسمن المستوطنات وتهود القدس ويعتقل الالاف وتهدم البيوت وتفتح الطرق الالتفافية وتحول الشرطةإلى جهاز أمن لهم، واذا صدف وابديت احتجاجا على هذه المنظومة فأنت ارهابي يجوز قتلك. وما دمت ساكتا خانعا تفاوض من اجل المفاوضات سنة او خمس سنين او عشرين سنة بدون ان ترتقي باحلامك ابعد من السماح لك بان تعيش كما تعيش البهائم فانت فلسطيني جيد.
هذه الحرب كشفت حقيقة اخرى ساطعة كالشمس، وهي ان اسرائيل لا تحسب حسابا لاحد الا للمقاومة، ولا يمكن استرداد الحقوق الا بالمقاومة بكافة اشكالها. لقد آن الأوان لمجموعة اوسلو التي تورطت في هذه المستنقع ان تعترف بخطئها التاريخي الذي جر كل هذه الويلات على الشعب الفلسطيني. آن لها ان تعتذر عن اتفاقيات اوسلو وما تبعها من اتفاقيات لاحقة: اتفاقية اوسلو 2 (القاهرة 1994) واتفاقية باريس الاقتصادية (1995) واتفاقية واي ريفر حول الخليل (1998) التي عمقت الاحتلال واعطت اسرائيل الفرصة لابتلاع الارض وتهويدها، وربط عجلة الاقتصاد الفلسطيني بالاسرائيلي. عليها ان تعلن ان فلسطين دولة تحت الاحتلال والمطلوب تحريرها. وعليها ان تعلن ان الشعب الفلسطيني كله متحد خلف منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني على ارضية المقاومة لا عبثية المفاوضات اللانهائية، وهي التي ستخوض النضال لتحرير دولة فلسطين بكافة الوسائل. المقاومة فكر وايديولوجيا قبل ان تكون سلاحا. واسلحة المقاطعة والعقوبات قد تكون اكثر تاثيرا من بعض الاسلحة الحديثة. فلتبدا المسيرة الان وليس غدا.

مخيم قلندية ـ في وداع شهيد آخر

اتمنى على كل فلسطيني يزور الوطن في الصيف ان يأخذ جولة في مخيم قلندية – نقطة الاحتكاك اليومية مع المحتل، حيث يوجد حاجز قلندية الاشبه بنقطة عبور دولية نحو القدس. يعبـُر الفلسطينيون من خلال اقفاص سلكية كاقفاص الدجاج فيتم تفتيشهم اربع مرات – الجسم والوثائق وحقيبة اليد والمشتريات. ويقرر الجندي الاثيوبي او الاوكراني او النيويوركي ما اذا كان يسمح للفلسطيني بان يدخل القدس ام لا.
اقيم المخيم عام 1949 بطريقة عشوائية لا علاقة له بمعايير الصحة او السلامة او البيئة او الحداثة. انه عبارة عن اكوام متراصة من بيوت الطوب المتداخلة في بعضها بعضا، ومياه المجاري والطرق المحفرة وتجمعات القمامة تنتشر في كل الازقة والشوارع والطرق الترابية. ويتكدس في المخيم نحو 25000 لاجئ تعود اصولهمإلى نحو 52 قرية من قرى وسط فلسطين مثل، اللد والرملة ويافا والقدس. في ظل ضيق العيش والشظف والقهر ظل مخيم قلنديا «ساعدا يشتد في النسيان فينجب زعترا ومقاتلين»، حيث تربى ابناء المخيم على حب فلسطين والحنينإلى ديارهم الاولى، وكان احد اهم معاقل الانتفاضتين الاولى والثانية. ولا يكاد يمر اسبوع بدون احتكاك مع الحاجز اللعين الذي يذكر كل ابناء المخيم بهذا العدو الذي اقتلعهم من ديارهم الاصلية ورمى بهمإلى دروب المنافي.
يوم الخميس 24 تموز/يوليو- وكانت ليلة القدر- كان المخيم على موعد مع مسيرة التضامن مع غزة التي انطلقت من مخيم الامعري قرب رام الله. اطلق على المظاهرة الليلية التي انطلقت الساعة 9:30 مساء مسيرة الـ 48 الف تذكيرا بالسنة الاولى للنكبة التي تربط بين ابناء المخيمين. لقد كانت مسيرة مهيبة زاد عدد المشاركين فيها عن 20 الف متظاهر. اقتربت المسيرة من المعبر اللعين وهي ترفع شعارات التضامن مع غزة وتبجيل صمود المقاومة والوحدة الوطنية وعدم الاستسلام، واذا بالجنود المذعورين المختبئين في برج المراقبة يفتحون النار على من كانوا في المقدمة عند نقطة التماس. نيران غزيرة انهمرت على الجموع وقنابل غاز ورصاص مطاطي وبدا الجرحى يتساقطون بالعشرات وسيارات الاسعاف لم تستطع التكفل بهذا العدد الذي زاد عن 150 جريحا. لكن شابا اسمه محمد زياد الاعرج، وعمره 17 سنة، كان قد احتفل بعيد ميلاده في اليوم نفسه، تلقى طلقة في جبينه فخر شهيدا.
كان مسجد المخيم على موعد في اخر جمعة في رمضان مع الاف المصلين الذي جاؤوا من كل انحاء الوطن للصلاة على الشهيد وتشييعهإلى مثواه الاخير. لم اسمع ابدا خطبة جمعة بهذا الوضوح الثوري والحس الوطني العالي وتعبئة الجماهير ضد المحتل، مثل تلك الخطبة النارية التي القاها امام المسجد حسن علقم. لقد كانت الخطبة درسا في كيفية مقاومة العدو الظالم القاهر وضرورة الوحدة الوطنية، ثم هاجم الدول العربية الصامتة والمتآمرة والمشاركة في العدوان على ابطال غزة. قال لي صديق من المخيم لو لم يكن متطرفا في طرحة لما وجد اذانا صاغية في مخيم البؤس والعذاب هذا. هؤلاء هم ضحايا انشاء اسرائيل، فهل تتوقع ان يكونوا حنونين عليها مثل غيرهم. دموع وهتافات وتكبيرات يتردد صداها على مسامع الحاجز الذي لا يبعد عن مكان الدفن اكثر من كيلومتر واحد. دعهم يشاهدون الجموع – دعهم يسمعون الحناجر- دعهم يتحسسون الغليان الذي يمور في الصدور وعلى وشك الانفجار الكبير. هذا شعب لا ينكسر- لا يستسلم ـ لا ينسى ـ لا يخاف. الشهادة عنده مرتبة ينالها من يستحقها عن جدارة».

رام الله ـ عيد حزين للأطفال- مدينة ملاهي مخماس تكاد تكون فارغة

كيف استقبل اطفال الضفة العيد؟ أمن حقهم ان يفرحوا أم ان الحزن والمصائب لم تترك مكانا للفرح حتى للابرياء من الاطفال؟ هل من الحكمة ان يشرك الاهل اطفالهم في تفاصيل الاحداث في غزة؟ توجهناإلى مدينة مخماس الترفيهية الخاصة بالاطفال في رام الله لنشاهد بانفسنا ما اذا كان هناك اطفال يحتفلون بعيد الفطر. انها المكان الوحيد الذي كان يستقطب الالاف من الاطفال واهاليهم، خاصة في الاعياد. «المشكلة ليست في الاطفال، بل في اهاليهم الذين يشعرون بالذنب لو احضروا اطفالهم للالعاب، بينما ابناء غزة تمزق اجسادهم الطائرات المقاتلة»، قال لنا السيد وجيه الحاج صاحب مدينة الملاهي ومديرها العام، ان الحضــــور هذا العيد لا يتجاوز عشرة بالمئة مما اعتدنا عليه في الاعياد الماضية. كنا احيانا نضطر لاغلاق المدينة لشدة الازدحام ايام الاعياد. الالاف يأتوننا من فلسطينيي الداخل ومحافظة الخليل في الجنوب ونابلس وطولكرم وجنين من الشمال. بسبب الاحداث لم يصلنا احد الا من رام الله وضواحيها. ان هناك شعورا بالذنب لدى الاباء، وكأن الذي يأخذ ابنه للترفيه البسيط غير حساس بآلام الوطن.
بنيت المدينة عام 2009 برأسمال محلي واصبحت احد اهم معالم مدينة رام الله. فالمنشآت الترفيهية للاطفال لم تكن معروفة في فلسطين. وقد بنيت المدينة على نحو 16 دونما تقريبا وتحوي كافة ماكينات الترفيه الحديثة المستوردة من الصين وايطاليا. «لدينا 33 عاملا ثابتا ونحو 100 عامل مؤقت او بدوام جزئي او موسمي. وهناك معايير عالية للسلامة ولم يحدث اي حادث منذ افتتاح المدينة، يضيف السيد وجيه الذي يشرف بنفسه على كافة التفاصيل، سواء ما يتعلق بالعمل والعمال او ماكينات الترفيه او معايير السلامة او الامور المالية.
تنظم المدينة يوما خاصا بالايتام كتبرع من مدير وصاحب المدينة السيد وجيه الحاج. «للسنة الخامسة على التوالي نستقبل ايتام فلسطين في العاشر من حزيران/يونيو من كل عام. هذه السنة استقبلنا 4800 يتيم. نقدم لهم كافة الخدمات مجانا، بما في ذلك الطعام والشراب والالعاب المتنوعة». كما بدأنا العام الماضي باضافة يوم سنوي للمعاقين، «هذا اقل ما يمكن ان نقدمه لابناء شعبنا. فالترفيه جزء من النمو الطبيعي للاطفال»، اضاف قائلا.
وانا اتأمل الابتسامات على وجوه الاطفال على المرجوحة العملاقة تلف بهم دائرة كبيرة بسرعة عالية وهم يلوحون بأيديهم في الهواء ويتمايلون مع حركة الارجوحة، تذكرت اطفال مخيم الشاطئ في غزة الذين حاولوا يوم العيد ان يمارسوا شيئا من الفرح في مكان بدائي جدا لا يوجد فيه الا بعض الاراجيح والسحاسيل، فعاجلتهم قذائف القتلة المجرمين ومزقت اجساد عشرة منهم. هل هناك في هذا العالم اوحش من هؤلاء الذين ضغطوا على الزناد واطلقوا قذائف الموت لتمزق هذه الاجساد الغضة بهذه الطريقة الحاقدة؟ لماذا يحرم اطفال فلسطين الاستمتاع بطفولتهم؟ يولدون تحت الاحتلال ويتعرفون على فظائعة في وقت مبكر. «اتمنى ان يأتي اليوم وجميع اطفال فلسطين يتمتعون بطفولتهم كاملة غير منقوصة»، قال لنا السيد وجيه مودعا. «لعل ذلك اليوم ليس ببعيد» قلت له. «ان غزة تكتب الان فجرا جديدا لفلسطين وربما للامة العربية كلها».

٭ استاذ جامعي وكاتب عربي
مقيم في نيويورك

د. عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية