عن برنامج محترم اسمه «نداء» ترعاه أمريكا وإعلام أردني متضخم بعوالق الفهلوة يثور على نفسه

حين ظهرت قناة «الحرة» عام 2004، أعلنت عن نفسها أنها قناة حكومية أمريكية ناطقة بالعربية، تشرف عليها وزارة الخارجية الأمريكية، وبدأت بحملة ترويج لم تلق الكثير من الرواج خصوصاً أنها كانت في عهد إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بليو بوش، وفي خضم أزمة العراق آنذاك.
شخصياً، كان لي حكاية من بعيد مع القناة وقد كنت وقتها في الولايات المتحدة، ولم أتواصل مع التماس الشخصي آنذاك، في سياق حملة المعارضة لكل ما هو من طرف الحكومة الأمريكية.
مؤخراً، أضفت القناة إلى قائمة المفضلات، وصرت أتابعها بين حين وحين، وعندي الحذر الكامن ذاته خصوصاً في نشرات الأخبار، لكن أكتشف أن الإنسان عدو ما يجهل بطبعه.

الحوار الذكي

مساء الأحد، وبينما أقوم بتلك الجولة الروتينية الضجرة على القنوات، بحثاً عن شي مسلٍ، طبعاً استوقفتني الفنانة المصرية «يسرا» وانا من عشاق طلتها الجميلة، لأجدها في حوار شيق ضمن فقرة من برنامج أكثر تشويقاً وجمالاً، اسم البرنامج «نداء»، وتقدمه سيدة رزينة وذات حضور هادئ ولافت، لها لهجة عراقية خفيفة، اسمها «زينب سلبي».
الفقرة التي تلت طلة «يسرا» الجميلة، كانت فقرة عن الأزياء ومصممة ازياء تعرض عباءاتها التي صممتها بطريقة مميزة، وانا الذي ينفر من فقرات الأزياء لأسباب طبقية مردها كراهيتي للتكلف في تقديم تلك الفقرات، وجدتني مشدوداً للحوار الذكي في تلك الفقرة، والمداخلات التي تبادلتها الضيفة المصممة مع مقدمة البرنامج الذكية والتي استدرجت الحوار إلى اماكن جديدة في عالم الأزياء والسلوك الاجتماعي البعيد عن الترف والتكلف.
الفقرة التي هزتني بعدها كانت فقرة مؤثرة جداً، عن الطبيب اللبناني الدكتور جميل الزغيب، وفقرة مصورة عنه في لبنان وهو المريض في مرض خطير اسمه تصلب الخلايا الجذعية، مما جعله مشلولاً بالكامل لكنه قدم رسالة مهمة بإرادة الحياة، من خلال مواصلته عبر التكنولوجيا تقديم خدمات الاستشارة الطبية لمن يرغب، وحبه لبيته وعائلته، وقد استضافت السيدة زينب زوجته في حوار مؤثر وثري ومهم.
دودة الصحافي «ما غيرها» ، حركتني، فجعلتني أبحث عن اي معلومات عن السيدة زينب، لأجد الانترنت ثرياً باللغتين عنها وعن سيرتها المهنية التي تكشف كم أنني جاهل بعالم يضج بالناشطين والمثقفين الحقيقيين في عالم الإعلام.. و سيدة مثل زينب سلبي وبرنامجها رفع مصداقية قناة الحرة إلى حد كبير عندي.. وجعلها من مفضلات القنوات عندي.

الأسطوانة المشروخة

طبعاً، وعودة إلى عالم الفضاء العربي بغثه وغثائه الكثير، كان مسلياً بقدر ما هو موجع مشاهدة تلك المشاجرة في برنامج حواري على قناة الحدث اليوم المصرية، بين داعية سلفي وباحث تم تعريفه أنه باحث إسلامي، على خلفية الاسطوانة المشروخة ذاتها «شيعة وسنة»، حين قام الداعية برمي الضيف المقابل بالماء لتبدأ المشاجرة ورمي الكرسي وانتهاء الحلقة «الحوارية»!
أحياناً أتساءل، هل يتحمل طاقم الإعداد المسؤولية عن تلك المشاجرات المخجلة؟ ام ان الطاقم يعلم بأن ضيوفه «عدائيون» ويستمر بدعوتهم لزيادة عنصر التشويق ورفع المتابعات على وسائل التواصل الاجتماعي؟
مبدئياً، هي برامج «حوار» بمعنى أنني كمشاهد أتوقع حواراً على محور وموضوع مثير وجدلي، واتوقع كمشاهد، جدلاً محترماً يحترمني أنا الجالس في بيته، ويعطي من وقته للاستماع وتلقي الفائدة، لكن ما أحصل عليه من برامج كتلك، صيغة جديدة من برامج المصارعة الحرة التي عفا عليها الزمن ولا زال يشرب.

كتائب التدخل السريع

مرة أخرى، في الأردن، تثور وسائل التواصل الاجتماعي على تلك الظواهر الإعلامية التي نبتت كفطر منتشر، وطفرات مشوهة شوهت الإعلام الأردني بتواطؤ رسمي غير معلن وغير خفي في الوقت نفسه. آخرها كان نجاح وسائل التواصل الاجتماعي في تحريك الرأي العام ضد مبادرة حكومية لرفع الأسعار على تطبيقات اتصال معينة. وهو ما يأتي في سياق سياسة الجباية «العصملية» التي تنتهجها الحكومات الأردنية المتعاقبة.
الحراك «الافتراضي» نجح إلى حد كبير، والحكومة تضايقت وانزعجت منه، وحركت كتائب التدخل السريع التابعة لها، لتقوم ضجة جديدة على مذيع أردني بدأ مراسلاً بقدرات متواضعة في قسم الأخبار المحلية في التلفزيون الأردني، لينتهي «نجماً» إذاعياً كرسته السلطة والأجهزة بصفة «إعلامي»، وهي صفة أستغرب صرفها بسهولة لكل عابر «ميكرفون».
يقال إن المذيع نفسه لم يهاجم دعاة المقاطعة، لكن حجم الحملة ضده كشفت قرف الناس من الإعلام النمطي السائد، والذي يمثله هذا المذيع القافز فوق كل مراحل التطور المهني، وماركته المسجلة هو الصراخ والسباب . ومما أذكره شخصياً قبل سنوات طويلة انني كنت استمع له على محطة إذاعية، يخاطب ويعنف و«يبهدل» مديراً عاماً حكومياً بلغة تهديدية، باسم الديوان الملكي، مما جعلني أتساءل إن كان المذكور إعلامياً أم محققاً أمنياً يمارس موهبته البوليسية التي يقبض عليها أجراً مرتفعاً.

البلطجي نجماً

البيزنس، يتغول في كل مفاصل الإعلام، وتغول ذهنية رجال الأعمال وتوحش رأس المال يفقد الأشياء قيمتها الحقيقية لتصبح جزءاً من مداولات العرض والطلب في السوق.
كانت نسبة من الإعلان في الفضائيات تذهب إلى حساب مذيع برنامج يشتهر بسببه، فتحولت بعض البرامج بمذيعيها إلى عروض سيرك لجلب أكبر نسبة من المشاهدين لجذب المعلنين.
اليوم، مع وسائل التواصل الاجتماعي وتغول البيزنس وثقافته، صارت «اللايكات» وعدد المتابعين أشبه برأس مال افتراضي لتحصيل المال وتمرير الرسائل الإعلانية على غفلة من الناس.
وهكذا صار لدينا مهنة نصب واحتيال اسمها «نشطاء وسائل تواصل» ومخلوقات تحمل صفة إعلاميين باتوا في المجتمعات من نخبة الصفوة الاجتماعية بموهبة الفهلوة وقليل من الدعم الرسمي.
وربما أكبر تحالف شيطاني هو ذلك التحالف بين الإعلام الفضائي ووسائل التواصل، حتى انتهينا برجل أعمال بلطجي نجماً على تويتر، فرئيساً للولايات المتحدة.

إعلامي أردني يقيم في بروكسل

عن برنامج محترم اسمه «نداء» ترعاه أمريكا وإعلام أردني متضخم بعوالق الفهلوة يثور على نفسه

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية