عن تأبين بيريز

حجم الخط
0

قبل بضع دقائق من بداية مراسيم جنازة رئيس الدولة السابق شمعون بيريز، حيث تجمع الملوك، الرؤساء ورؤساء الحكومات من أرجاء العالم في ساحة جبل هرتسل، التقى بنيامين نتنياهو مع أبو مازن. وقد كان ذلك لقاءً خاطفا. 50 ثانية فقط. تصافح بالأيدي وتبادل المجاملات وايضا الاحراج الكبير لدى القائدين اللذين وجدا صعوبة في النظر في عيون بعضهما البعض، الامر الذي لاحظه كل من شاهد هذا المشهد السريالي.
جميع السياسيين الإسرائيليين الذين ألقوا الخطابات في الجنازة تجاهلوا عباس تماما، وكان الأبرز من بينها تجاهل نتنياهو. كانت هذه وقاحة. ففي بداية خطابه الذي كان باللغة الانجليزية شدد نتنياهو على ذكر ضوء لوكسومبورغ، لكنه لم يجد مكانا لقول كلمة واحدة جيدة عن الرئيس الفلسطيني الذي أظهر الإنسانية والجرأة وحضر الجنازة رغم الانتقادات الشديدة التي وجهت اليه من جميع اطياف الساحة السياسية الفلسطينية. جميع المتحدثين الإسرائيليين تجاهلوا تقريبا الارث المركزي لبيريز في الـ 25 سنة الاخيرة – اتفاقات اوسلو. وكان الوحيد الذي ذكر ذلك هو عاموس عوز.
أول من تحدث في المراسيم كان رئيس الدولة رؤوبين ريفلين. فقد تحدث عن بيريز واليه. وكان أبرز ما في كلامه هو الاعتذار من بيريز بسبب التحريض الخطير ضده من قبل اليمين حين كانت العملية السلمية في ذروتها في منتصف التسعينيات. وفي كلمته تحدث ريفلين عن أنه رغم حب بيريز للتاريخ، إلا أنه «لم يغرق في الماضي ولم يتشبث بشعور الصدق الذاتي»، بل هو ركز على الفرص التي يحملها المستقبل. وبعد ذلك بفترة قصيرة عندما صعد بنيامين نتنياهو إلى المنصة للتحدث، ألقى خطابا مليئا بالتمسك بالصدق الذاتي.
خلافا لريفلين، نتنياهو لم يعتذر عن أي شيء. لا عن المنصة في ميدان رابين، ولا عن الاهانات والهجوم الشخصي قبل انتخابات 1996 ولا عن التحرشات والاهانة الصغيرة التي تعرض لها بيريز على مدى السنوات الاخيرة كرئيس للدولة. وبدل ذلك حصلنا على كتابة للتاريخ وقصص كاذبة حول التقارب، الصداقة والحب اللانهائي بينهما. رئيس الولايات المتحدة السابق بيل كلينتون الذي استمع لم يكن في استطاعته الامتناع عن التطرق إلى نتنياهو في خطابه وتذكيره بأن تلك الصداقة، إذا كانت موجودة أصلا، جاءت بعد حملة فظة وصعبة ضد بيريز. «شمعون هو الذي أبقى الباب مفتوحا»، قال كلينتون. وقال نتنياهو إنه هو وبيريز لم تتشوش الخلافات بينهما، لكن كل خطابه كان محاولة للتشويش على الخلاف الرئيس بينهما حول السلام مع الفلسطينيين ـ هذا الخلاف الذي ازداد في السنوات الاخيرة. ومثلما فعل في الماضي في خطاباته عن رابين تحدث عن المزيد والمزيد من الاقتباسات لبيريز من اجل تأكيد موقفه هو. فقد زعم أنه في أحد اللقاءات بينهما حدث جدل مع بيريز حول ما هو أكثر أهمية لإسرائيل، السلام أم الأمن. وقال نتنياهو إنه في ذلك الجدل زعم بيريز أن السلام سيوفر الأمن، أما هو فقد صمم على أن الأمن هو الذي سيؤدي إلى السلام. «كان كلانا على حق»، لخص نتنياهو.
رغم اقوال نتنياهو الاورويلية (نسبة إلى اورويل) عن الخلاف الاساسي الذي قسم المجتمع الإسرائيلي منذ خمسين سنة، منذ العام 1967، فإنه لا يمكن أن يكون هو وبيريز على حق. في السنوات الثماني الاخيرة تحدث نتنياهو كثيرا عن السلام لكنه لم يفعل أي شيء. بيريز في حياته العامة لم يتحدث كثيرا عن الأمن، لكنه فعل في هذا الموضوع أكثر من أي إسرائيلي آخر منذ قيام الدولة.
الكاتب عاموس عوز الذي تحدث بعد ذلك ببضع دقائق، رفع القناع الذي حاول نتنياهو وضعه على وجهه ومزق ورق السلوفان الذي غطى الخطابات التي سبقته. فقد تحدث عوز عن السلام مع الفلسطينيين كموضوع اساسي في ارث بيريز دون أن يتشوش أو يحاول احداث البلبلة. السلام، وليس تطور الهاي تيك أو النظارات ثلاثية الابعاد، زعم عوز أن السلام ممكن، ضروري ولا يمكن الاستغناء عنه» وأنه لا مناص من تقسيم البلاد. وأضاف وهو يرمز لنتنياهو «الجميع يعرفون ذلك في أعماق قلوبهم»، قال عوز، «أين القادة الشجعان الذين يمكنهم مواصلة طريق بيريز؟».
وكان آخر المتحدثين في الجنازة هو رئيس الولايات المتحدة براك اوباما. ومثل عاموس عوز، اوباما ايضا ذكر رئيس حكومة إسرائيل بأن عباس والفلسطينيين موجودين. «وجود الرئيس الفلسطيني هنا هو تذكير بأن هناك عمل لم نستكمله بعد بخصوص السلام»، قال اوباما في بداية خطابه.
اوباما من جهته حسم النقاش بين نتنياهو وبيريز. فهو لم يفكر أنهما على حق. وفي خطابه مدح بيريز الذي فهم بأن إسرائيل ستكون آمنة فقط نتيجة اتفاقات سلام مع جيرانها. وقد قارن تلميحا إلى انهاء احتلال الفلسطينيين الذي سعى اليه بيريز وبين انهاء عبودية السود في الولايات المتحدة. مثل كلينتون من قبل، اوباما ايضا رفض كل الذين اعتبروا بيريز غريبا أو منقطعا عن الواقع. «من محادثاتي مع بيريز عرفت أن سعيه إلى السلام لم يكن ساذجا أبدا»، قال الرئيس الأمريكي، «إن مسؤولية تحقيق السلام ملقاة على ورثته».
وقد وصف اوباما بيريز أن له مكانة في المجتمع الدولي وقارن بينه وبين رئيس جنوب افريقيا السابق الذي ناضل ضد نظام الفصل العنصري، نلسون مانديلا. وأكد كيف أن بيريز صمم على الحديث بشكل عميق، ولم يتأثر من استطلاعات الرأي، بل كان على قناعة بصدق طريقه وسعى إلى تحقيق اهدافه. تلميح اوباما لنتنياهو كان واضحا، فهو على قناعة من أعماق قلبه منذ بضع سنوات أن الامر الوحيد الذي يمنع نتنياهو من اتخاذ القرارات هو بقاءه السياسي.
خطاب اوباما في جنازة بيريز كان بمعنى معين استمرارا للرسالة التي حاول ايصالها في خطابه الاخير في الأمم المتحدة قبل اسبوع. فقد وصف اوباما نفسه هو وبيريز كتوأم بالنسبة لمواقفهما. وقد رأى بيريز العالم مثله كما يفترض أن يكون وحاول تغيير الواقع بناء على ذلك. ومثله فإن بيريز في العقود الأخيرة على الأقل، كان شخصا تقدميا وليبراليا وامتنع عن بث الخوف وركز على الايمان بأن الغد سيكون أفضل.
اوباما صور بيريز في خطابه كجزء من إسرائيل التي تربى عليها. كجزء من إسرائيل كمجتمع نموذجي تعرف عليه من اصدقائه اليهود الليبراليين في شيكاغو. كجزء من صهيونية في قلبها العدالة والأمل والسلام. اوباما وكثيرون غيره في المعسكر الكبير الذي يمثله في الولايات المتحدة شعروا منذ وقت طويل أن إسرائيل هذه آخذة في التلاشي. وذهاب بيريز كان هو ايضا حدث رمزي فقط، الامر الذي قد يزيد من هذا الشعور لديهم.

هآرتس 2/10/2016

عن تأبين بيريز
قارن أوباما بين بيريز ورئيس جنوب أفريقيا السابق نيسلون مانديلا الذي ناضل ضد نظام الفصل العنصري
براك ربيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية