عن حق الصحافة في السؤال

رغم سلبية الموقف الرسمي البريطاني من قناة الجزيرة في الفترة الأولى من احتلال العراق، فإن وزيرة الثقافة والإعلام تيسا جاول كانت منفتحة ومتحررة من التحيزات. أما ألستير كامبل، مدير الطاقم الإعلامي في حكومة توني بلير، الذي أشرنا الأسبوع الماضي إلى نزاهة موقفه بعد أن أعلن في أيلول/سبتمبر 2004 أنه كان «مخطئا بشأن الجزيرة»، فإن الانتقادات التي كان يوجهها للقناة كانت تنحصر في مسألتين: بث أشرطة أسامة بن لادن، وبث صور صادمة لجثث الجنود البريطانيين الذين لقوا مصرعهم في القتال. وقد كان للجزيرة موقف معروف بشأن هاتين المسألتين الخلافيّتين. على أنه قد حدث مرة أن ألستير كامبل احتج على الجزيرة بسبب مسألة لا بد من الاعتراف بأنه «لم يكن مخطئا بشأنها». وتتعلق بسؤال طرحه أحد مراسلي القناة في بغداد على أحد مراسليها في لندن في الأيام الأولى من الغزو. وكانت الجزيرة آنذاك قد أوفدت عددا كبيرا من الصحافيين إلى العراق، حيث أنها سخّرت البث بأكمله لأحداث الغزو، مع تركيز على الترتيبات السياسية المحايثة للغزو في كل من واشنطن ولندن.
سأل مراسل بغداد زميله في لندن، في سياق التغطية التفاعلية من مختلف مراكز الأحداث، إن كان نواب مجلس العموم قد تداولوا في ما ورد من «أخبار عن قيام الجنود البريطانيين بإعدام أسرى الحرب العراقيين بعد أسرهم». هذا هو السؤال الذي هاجم ألستير كامبل الجزيرة بسببه، محتجّا أوّلا بأنه لم ترد أخبار بهذا الشأن على حد علم الحكومة البريطانية ومجلس العموم، وثانيا بأنه لم تقع، بالقطع، أي إعدامات من هذا القبيل. وقد كان الرجل محقّا في كلا الأمرين. إلا أن ما تجاهله هو أن مراسل لندن قد أجاب زميله بأنه لم يرد إلى الأوساط السياسية والإعلامية في بريطانيا أي خبر من هذا النوع، وأن تلك كانت أول مرة يسمع فيها مثل هذا الكلام.
ويبدو أن كامبل تغاضى عن إجابة مراسل لندن لأن أخذها في الحسبان كان سيعني، بكل بساطة، أنه سيحرم نفسه من فرصة الاحتجاج! ولهذا اغتنم الفرصة، رغم أنه لم يقل في احتجاجه إلا ما سبق أن قاله المراسل. ولا بد أيضا، وهو الصحافي المحنك، أنه تعمّد تجاهل حقيقة أن الأخبار غير المؤكدة تكثر في الحروب والأزمات، وأن التمحيص هو الذي يتيح تبين الحقيقة من الإشاعة. ثم إن براعة كامبل في المكر قد أنسته أنه وقع في خطأ الاعتراض على حق صحافي، كان يتحدث تحت القصف، في مجرد طرح سؤال بشأن أخبار كانت تروج آنذاك في بغداد (دون أن يزعم أنه متأكد من صحتها). والواقع أن المزاج الذي كان سائدا في الأوساط الحكومية البريطانية آنذاك هو الانزعاج من الجزيرة باعتبار أن تغطيتها تعوق المجهود الحربي الأمريكي-البريطاني وتعقد مهمة الاحتلال السياسية والعسكرية، ولو أن أيا من الوزراء لم يمض إلى الحد الذي مضى إليه وزير الداخلية ديفيد بلانكيت من تشجيع على قصف أجهزة بث القناة في بغداد.
وكان الانزعاج يؤدي في بعض الحالات إلى العصبية، حيث أذكر أن وزير التعليم (الذي صار لاحقا وزيرا للداخلية) تشارلز كلارك خرج مغضبا من استوديو الجزيرة في لندن استياء من حدة الأسئلة التي طرحها عليه المذيع في الدوحة، حتى أنه رفض الحديث إلى مساعده الذي كان ينتظره خارج الاستوديو، وأفهمه بإشارة زاجرة من يده أن دعني وشأني. ولكن لم يتح لي أن أدرك شخصيا المدى الحقيقي لاستياء الحكومة البريطانية من الجزيرة إلا في أواخر كانون الثاني/يناير 2004 بمناسبة حادثة حدثت لي، في مقر القناة التلفزيونية البريطانية الرابعة، مع السياسي بيتر ماندلسون، أخلص خلصاء بلير ومستشاره الماكيافللي ووزيره الاستثنائي الذي بلغ من دهائه وخطر شأنه أنه كان يلقب بأمير الظلام!
كان النبأ العظيم آنذاك أن المدير العام للبي بي سي غريغ دايك اضطر للاستقالة بعد توصل التحقيق الذي أجرته لجنة اللورد هاتون إلى أن دايك لم يصدر تعليمات بوجوب التأكد من صحة الخبر الذي أذاعه الصحافي أندرو غليغان في أيار/مايو 2003 على راديو بي بي سي 4 وقال فيه إن حكومة توني بلير تلاعبت وتحايلت في صياغة «ملف العراق» الذي بررت به في أيلول/سبتمبر 2002، ثم في شباط/فبراير 2003، قرار المشاركة في شن الحرب على العراق، وذلك بقصد المبالغة والتهويل وتخويف البريطانيين من القدرات العراقية في مجال أسلحة الدمار الشامل.
كاتب تونسي

عن حق الصحافة في السؤال

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية