كشفت القناة 10 في بداية الاسبوع ـ وقد اقتبست النبأ وسائل إعلامية عديدة اخرى بتوسع ـ بأنه في الاحاديث المغلقة قال المستشار القانوني للحكومة افيحاي مندلبليت إنه إذا أقر قانون الترتيب، فستكون هذه نهاية الديمقراطية في اسرائيل. تلبدت السموات. وقفت الملائكة أمام كرسي العرش: الديمقراطية توشك على الغرق! ليبراليون يهود من اليمين وقوميون عرب من اليسار تعاونوا معا: الفاشية لن تمر. لحماية الديمقراطية سنقف ولن نسمح بسن مثل هذا القانون. إذ نحن محبون للديمقراطية.
وليس للمرء إلا ان يعجب كيف نجت الديمقراطية الاسرائيلية حتى اليوم، ولماذا يعتقد الناس الواعون بان قانون الترتيب بالذات سيقتلها؟ فقانون الترتيب يقضي بان يكون ممكنا مصادرة الاراضي في يهودا والسامرة إذا كانت بنيت عليها بلدة وتعويض اصحاب الارض في حالة وجودهم ليس فقط في عقول رجال السلام الان، بل وكانوا لحما ودما حيا يرزق. بالمال وبالارض البديلة على حد سواء.
فهل هذه نهاية الديمقراطي؟ لماذا حين صودرت اراضٍ عربية من اجل بناء الناصرة العليا لم تمت الديمقراطية الاسرائيلية؟ وكيف وقعت المعجزة غير المرتقبة هذه، عندما صودرت اراضي دير الاسد، مجد الكروم، البعنة، نحف لـ «الاغراض العامة»، بأمر وزير المالية، كما يسمح القانون، ودون أن يتشوش على الاطلاق ـ كي تقام مدينة يهودية ككرمئيل؟ كيف لم تنهار الديمقراطية الاسرائيلية عندها؟ ولماذا، وليشرح لنا المستشار القانوني للحكومة، لم تمت الديمقراطية الاسرائيلية عندما صودرت اراض يهودية وعربية في القدس (وبالاساس عربية) لبناء الاحياء اليهودية بعد حرب الايام الستة في المناطق التي حررت وضمت لاسرائيل في قانون القدس. واذا قلتم: ما كان يمكن عمله فور حرب الايام الستة، في 1968، لا يمكن عمله مرة اخرى، فسأرد: تذكروا أنه في 1991 أيضا صودرت اراض في القدس لبناء حي يهودي في هار حوما. وان لم تمت في حينه الديمقراطية الاسرائيلية، فلماذا يكون المستشار القانوني للحكومة واثقا بانها هذه المرة ستموت؟
يدعي عرب اسرائيل ومؤيدوهم من اليسار الاسرائيلي بأنه في أواخر عهد الانتداب كانت نحو نصف اراضي البلاد بملكية عربية خاصة. بعد حرب الاستقلال وهرب اللاجئين العرب، اصبح قسم كبير منها «أملاك غائبين» واصبحت اراض بملكية الدولة. كما أن هناك عرب كثيرون في البلاد يدعون بانهم الورثة القانونيون لهذه الاراضي. ولكن الكثير ايضا مما هو غير أملاك الغائبين، مئات الاف الدونمات بملكية عربية صودرت واقيمت عليها كيبوتسات، قرى زراعية، مدن وقرى للسكان اليهود. وهذا هو المناسب. إذ أن دولة اسرائيل هي دولة الشعب اليهودي. والديمقراطية لم تمت.
لقد صادر الاتراك الاراضي حين كانت تسيطر هنا الامبراطورية العثمانية. وكذا البريطانيون. وعندما ولدت دولة اسرائيلت ورثت كل أملاك حكومة الانتداب البريطاني، بما فيها الاراضي التي صادرها البريطانيون. هذا على ما يرام. والديمقراطية نجت ايضا. وعندما سيطر الاردن في يهودا والسامرة، صادر اراض تحولت إلى اراضي دولة. وحلت دولة اسرائيل محل سلطة الاحتلال الاردني في يهودا والسامرة، ما كان يسميه الاردن «الضفة الغربية»، وعليه فقد رأت نفسها صاحبة أملاك الدولة الاردنية. هذا على ما يرام. وكذا الديمقراطية. ولكن إذا ما تصرفنا كعادة العثمانيين والبريطانيين والاردنيين وصادرنا مثلما فعلوا في الماضي، فهل ستموت الديمقراطية الاسرائيلية؟ كيف حصل أن هذا لم يقتل الديمقراطية البريطانية. فلماذا يكون ديمقراطيا وعادلا وراثة اراضي دولة ممالك سيطرت هنا وتصرفت كدول سيادية رغم أنها كانت محتلة بقوة الذراع ولكنها ستكون «نهاية الديمقراطية» مصادرة أراض لتوسيع بلدة قائمة؟ ولماذا يعتقد المستشار القانوني للحكومة بان مثل هذه الخطوات كانت قانونية تماما في كل سنوات الدولة ـ والان بالذات ستقتل الديمقراطية؟
فلعل المستشار القانوني للحكومة يشعر بان الحجج القانونية التي لديه لرفض قانون الترتيب ضعيفة جدا فيضطر إلى تجنيد الديمقراطية لنجدته؟ لقد قالوا غير مرة ان الوطنية هي ملجأ النذل. فهل أصبحت الديمقراطية ملجأ الجبان؟
معاريف 27/9/2016